على ذكر الموتى

توم شيفرز/بريطانيا

نشرت في العربي الجديد 27 تموز 2014

على ذكر الموتى

مَداخل

لا أعرف مع من سأتحدّث

نظل نراوح في الردهة،

نتهادى على السجّاد بأرجلنا الثقيلة.

في الداخل نسخٌ مشفّرة من ذواتنا السابقة

وهي تُعِدّ أفضل كعكة “سوفليه”.

أرفع أنا المشجب.

يمكنني نظريًا أن أغادر،

غير أنّ ما يحدث يبدو كما اللغة

غامضة دومًا، ليست لنا.

نحاول الفهم من خلال الأشياء:

ملاعق، صحون، أبواب مشرعة

نشكو ونقول: “لا أحد ينصت”

ندخل لقراءة البريد الإلكتروني

نجد كل حساباتنا قد اخترقت؛

تلك الشخصيات الافتراضية التي مكثنا ننشئها سنواتٍ

لم تعد الآن سوى أيقونات تطفو على أجهزة معطّلة.

نبدّل أماكننا عند النافذة في الردهة

المدينة تحاول الدخول.

سحابة من غبار القرميد تتهم الماضي،

هدير المحرّكات يعلو مختنقًا.

قلت مغضبًا: “هذا ليس فعلًا سياسيا”،

غير أن العميان كانوا حيئنذ قد انصرفوا.

قراءة شاعر ميّت

نشرت الترجمة في العربي الجديد 29 كانون أول2015

http://goo.gl/GTgMQS

قراءة شاعر ميّت
سأكتب دائماً عن الأحياء
بحواسّي
حبّة رمان، أصوات الريح، الشاي
وأحياناً بما وراء ذلك
الحب، الحدود، البحر
وحتّى النادر الغريب

وحين أمَلُّ
ألتقطُ كتابك
وأتأمّل الموت

في منتصف الليل
تقرض الفئران الوقت
في إحدى الزوايا المظلمة
وتقضم سطورك

أو لعلّها جذورٌ
تمتدّ عميقاً
لتعثر على عنوانها

أمرٌ ما يتجاوز الحواسّ
يقلب الأشياء على أعقابها
فيمسي العنوان أبعد
مِنْ أن تُدرك العين مداه
ولا يسعُ السطورَ أن تكون أعمق

ما زلتُ هنا، لكنّك رحلت
لا شيء أشد غرابة
من أن أقرأ ترجمتي
لقصائدك
سأكتب دائماً عن الأحياء

يدٌ شبحية
(في ذكرى شاعر)
الأسماء أساطير باقية
أسطر تتسلل إلى ثقب المفتاح

إصبع سبّابة يرسل شرراً
ويحصد صفحة من النثر

الكلمات تُقرأ على التلاميذ
تصفر عبر نفق مظلم

على رقعة الشطرنج
يفقد بيدق ذراعه

رأس قلم يتعثّر على مخطوطة
مكتوبة بيد شبحية

* Chris Song Zijiang شاعر صينيّ من مواليد غوانغدونغ عام 1985 ويقيم اليوم في هونغ كونغ. صدرت له مجموعتان شعريتان، وترجمَ أكثر من عشرين مجموعة شعرية بين الصينية والإنجليزية.

لا تذكروا أسماء الأطفال القتلى

Michael Rosen

مايكل روزن، روائي وشاعر إنجليزي مختصّ بأدب الطفل. ولد عام (1946).

ترجمة محمد زيدان

نشرت الترجمة في صحيفة العربي الجديد 27 يوليو 2014

http://goo.gl/nzyTPv

 

لا تذكروا أسماء الأطفال القتلى

 

“إسرائيل تمنع إعلانًا في الراديو يذكر أسماء الأطفال القتلى في غزّة”

(جريدة الجارديان 24/7/2014)

 

إياكم وذكر أسماء الأطفال القتلى.

لا يمكنُ للنّاس أن يذكروا
أسماء الأطفال القتلى.

فلتذهبْ أسماء الأطفال القتلى طيّ النسيان

فليكنِ الأطفال بلا أسماء.

فليرحلِ الأطفال عن هذا العالم

بلا أسماء.

ليس لأحدٍ أن يعرف تلك الأسماء

للأطفال القتلى.

ليس لأحد أن ينطق تلك الأسماء

للأطفال القتلى.

بل ليس لأحد حق التفكير بتلك الأسماء

للأطفال القتلى.

فليدركِ الناسُ الخطر الكامن

في معرفة أسماء الأطفال.

لا بدّ أن نحميَ النّاس

من معرفة أسماء الأطفال.

أسماء الأطفال قد تنتشر كما النار في الهشيم.

لن يكون النّاس في أمان إن عرفوا

أسماء الأطفال.

لا تنطقوا أسماء الأطفال القتلى.

لا تذكروا أسماء الأطفال القتلى.

لا تفكّروا بالأطفال القتلى.

لا تقولوا: “أطفال قتلى”.

لم لا نكتب أسماء القتلة

ترجمة محمد زيدان

نشرت الترجمة في العربي الجديد 25 فبراير 2015

http://goo.gl/IcUC0S

وردة القبر

في الأمس وضعت امرأة

وردة على صدري

وكأنّي ميّت

ساتشيداناندان

إن لم يكن لديكِ إلا وردة واحدة لتمنحينيها

فلا تقدّميها

شاهداً على قبر المستقبل

لا تقدّميها

وسيلةً لإغواء قلبي المأخوذ بالخرافة

بأصابعك النسيّة

إن لم يكن لديك إلا وردةٌ واحدة لتمنحينيها

فلا تنزعيها عن ساقها

إنّ وردة بلا أشواك

هي وردة عمياء كخيلٍ

هجره صاحبه

إن لم يكن لديك إلا وردة واحدة لتمنحينيها

فضعيها بين نهديك النائمين

واجعلي براعمها تذوي بهواء أنفاسك

ولتصدر عنها رائحة كوابيسك

إن لم يكن لديك إلا وردة واحدة لتمنحينيها

فاختاري وردةً تأنّ للحياة

رازيا

لكِ هالة محفوظة

بخلاف قدرك

حياتك كانت كابوساً

بين عاشقين

وموتك شائعة

عن قبرين

ما من رجلٍ

صبر على رغبة أبيك

شعروا باللعنة أن كان لهم سلطانة

بارزة النهدين

حلموا بأن يكونوا السيف

في سريرك

حبّك لواحد من العبيد

ذرّ الرمادَ على غيرة

النبلاء الدنيّة

لم يكن لتعويذتك أن تنقذ حياتك

من رجلين

أثرتِهما على نفسك

صديق اشتهى وصلك

وأخ لك

ساقك إلى حتفك

أما هم فلا فرق لديهم

ما بين اشتهائك وموتك

مقابر

القبر ليس معنياً بالقياسات

القبر معنيّ بالموت

بأبدية إنسان ضاعت

ووُضعت في الأرض الجائعة

أبدية إنسان

ما تزال حيّة في القلب

في قياسات خاطئة للزمان

الموت وحده قادر على قياس الحياة

فالموت لا حدّ له

القبر مقياس حياة نفدت

فجأة وبغموض تام

فالحياة لا تتوقف أبداً عن العجب

من أمر الموت

لأنّ الموت لن يتوقف أبداً عن رمي

ظلاله المحتجبة على الحياة

حين يتكلم الموتى تُصغي الحياة

هذا العهد الأزليّ لا ينقطع

حين يتكلم الموتى يعود التاريخ

ذكرى

حين يتكلم الموتى يولد التاريخ

ذكرى

حين يتكلم الموتى يكون التاريخ

قد ضاع وهو يبدأ الحكاية

التاريخ كابوس الذاكرة

يُذكر أنّ رجلاً كان يحفر قبراً

يريد استنطاق امرأة ماتت

فلا أحد يستمع إليه

ظنّ أنّ العالم قد يعير انتباهاً

لفم ميّتٍ يتكلم

فثقته بالموتى فاقت ثقته بالأحياء

ما إنّ به جنوناً

ولكنّ العالم صار بلا آذان

ربما حفر القبر

حبّاً بالمرأة

أو لعلّه أحبّها حين موتها

وبموتها فقد المعنى

لبعض القبور أسماء

ولبعضها أسماء اندثرت

وما بين أسماء وأسماء

نسمع أزيز رصاص

أحدٌ ما هناك لإزالة الأسماء

عن قبور الناس

كي لا يذكرهم أحد

ولكن أنّى لهم أن يقتلوا الأرواح

التي تحوم فوق المكان

في الموت يموتون كي تعرف حكاياهم

من ذا الذي يقتل باسم المقابر؟

لم لا نكتب أسماء القتلة

على القبور كي تبقى لعنتهم

إلى الأبد

اذكروا أسماء القتلة

تمامًا كأسماء ضحاياهم

هذا العالم يعيش إلى جانب موتاه

يقوم بحساباته

فللمقابر وزن أحيانًا

في بعض الحسابات

أخشى أن الموتى كذلك يحسبون

أيام عيشنا

فيغضبون في يوم علينا ويقتلوننا

بأيدينا

إذ لم نسمع حكاياهم

تقطيع غزة

تقطيع غزة

مناش باتاشارجي

ترجمة محمد زيدان

نشرت في العربي الجديد 18 يوليو 2014

http://goo.gl/KXL3wQ

 

ساهر أبو ناموس

طفل محظوظ

في سنيّه الثلاثة الأُوَل

 

لو  ما انفجرت غزة

لمَا عرف عنه العالم شيئًا

 

اسمه الآن في كل التقارير

واحدٌ من الضحايا

ميتٌ  كبرعم قُطفَ ولمّا يزهر

 

ساهر لن يرى الفجر

لن يطلع على ساهر الفجر

في الشمس صار محجوبًا الفجر

هو الوجه الساكن للفجر

 

 

شريط من الأرض إزاء البحر

غزة، قبضة  من سماء

وقبضة من أرض

وقبضة من حياة باقية

 

وقبضة من حطام

هي ضريبةُ الحريّة

 

غزة مأوى الطيور

أذهبت النيران بصرها

 

 

غزة هي تلك النفس

التي يشتهي العدو  كسرها

يشتهي العدوّ خلع العظم عن أرياشها

أن ينزع عنها قشور الحياة الرقيقة

ويتركها قطيعةً على الساحل

 

لا شيء لدى غزة تعطيه

سوى جسد ساهر

آخر قربان من الأطفال

يدفعه أهل الحيّ

 

قنابل من سماء غائرة

تسقط صمّاء على وطن

ينتحب عند قبور صغيرة

أسفل غِراسٍ نضرة

 

ماناش باتاشارجي

شاعر ومترجم وباحث في العلوم السياسية من نيودلهي، له مجموعة شعرية بعنوان “قبر غالب وأشعار أخرى”.

نشيد الأطفال

نشيد الأطفال 

نتالي حنظل

ترجمة محمد زيدان 

نشرت الترجمة في صحيفة العربي الجديد في 1 أغسطس 2014

http://goo.gl/OdnPi3

لا تحسبنَّ الأطفالَ موتى

بل هم على كلّ دبّابة ظِلالٌ

وفي كلّ جنديّ صدى.

لا تحسبنّ الأطفال موتى

أما تراهم يملؤون كل البيوت

يسكنون في عيونِ آبائهم والأمّهات

في روح شعبٍ بأسره

في كلّ مكان

وفي القلوب-

إنّهم أطفال الشاطئ

تراهم في المنازل

وفي الطرقات

بين إخوانِهم والأخوات

إنّهم الآن في شتّى البقاع.

لا تحسبنّ الأطفال موتى

سيسيرون في العالم أجمع

ما من أحد يعترض سبيلهم

سيسير الأطفال

وكلّنا بأمرهم نسير.

ترجمة وركض

لا بدّ أن أسجّل اعترافًا ما. إن ترجمة الشعر وبعض الأعمال الأدبية الحديثة لا تروقني إلا من ناحية العمق اللغوي والثقافي الذي أمرّ به كمترجم في عمليّة الترجمة. أعترف أنني حين أنظر أحيانًا إلى النص الذي ترجمته أجده وقد حامت عليه غمامة سوداء تجعله بعيدًا عنّي، ولكنّي حين أشتغل عليه مترجمًا، أجد أن شيئًا من حياة قد بعثت فيه، وأراني أفهمه كل الفهم، ويكاد الأمر يكون كتجليّات الأولياء ولحظات الصفاء. حين أعيش مع قصيدة ما ساعتين أو ثلاث، في قراءات متعددة، وعملية بحث مضنية عن الشاعر وسيرته وخلفيته الثقافية والمقابلات التي أجريت معه والمقالات النقدية التي كتبت عن أعماله، أجد نفسي في حالة فهم للنص شفافة، عجيبة، وغير متوقّعة باعتبار الإحباط الذي يصيبني بعد القراءة الأولى.

ولذلك لا أتعجب حين أرسل لأحد الأصدقاء سطورًا شعرية مترجمة، ويأتيني الردّ بأنه لم يفهم شيئًا، وأكذب إن ادّعيت أن الخطأ يكمن في صديقي القارئ، ولست أقول إن الخطأ خطأ المترجم بالضرورة، فانا أعترف أنّ بعض النصوص تكون في حالة موات حين يحاول المترجم بث الحياة فيها، باعتبار اللغة التي سيترجم إليها على الأقل، وإن كان يراها هذا المترجم قد اهتزّت وربت أمام ناظريه وهو يترجمها، فهذا لا يعني أنّ الأمر ذاته سيحصل لدى القارئ. ينتعش النصّ الأصلي أحيانًا بين يديّ المترجم، غيرَ أن الحياة قد لا تكتب للترجمة بعد أن تفلت من بين يديه وتنشر.

فإن كانت المعاني أحيانًا في بطن الكاتب، فهي كذلك في بطن المترجم.

على ذكر البطون، ليس هذا ما جلست لأكتب عنه. سأتكلم عما هو أهم ربّما. اليوم ركضت الركضة الثانية في الأسبوع السادس من التدريب، قرابة 5 كم وفي 20 دقيقة. كانت لحظة انتصار لا بأس بها. يوم الجمعة ستكون الوجبة الثالثة من الركض هذا الأسبوع. ستكون الركضة لمدة 25 دقيقة من دون توقّف. ومن ثمّ يبدأ الأسبوع السابع ويدخل البرنامج مرحلة جديدة من مهامّ الركض وتقنياته.