على ذكر الموتى

توم شيفرز/بريطانيا

نشرت في العربي الجديد 27 تموز 2014

على ذكر الموتى

مَداخل

لا أعرف مع من سأتحدّث

نظل نراوح في الردهة،

نتهادى على السجّاد بأرجلنا الثقيلة.

في الداخل نسخٌ مشفّرة من ذواتنا السابقة

وهي تُعِدّ أفضل كعكة “سوفليه”.

أرفع أنا المشجب.

يمكنني نظريًا أن أغادر،

غير أنّ ما يحدث يبدو كما اللغة

غامضة دومًا، ليست لنا.

نحاول الفهم من خلال الأشياء:

ملاعق، صحون، أبواب مشرعة

نشكو ونقول: “لا أحد ينصت”

ندخل لقراءة البريد الإلكتروني

نجد كل حساباتنا قد اخترقت؛

تلك الشخصيات الافتراضية التي مكثنا ننشئها سنواتٍ

لم تعد الآن سوى أيقونات تطفو على أجهزة معطّلة.

نبدّل أماكننا عند النافذة في الردهة

المدينة تحاول الدخول.

سحابة من غبار القرميد تتهم الماضي،

هدير المحرّكات يعلو مختنقًا.

قلت مغضبًا: “هذا ليس فعلًا سياسيا”،

غير أن العميان كانوا حيئنذ قد انصرفوا.

Advertisements

كل تلك البيوت التي أحلم بها

 نيكولا مادزيروف شاعر وباحث ومترجم من مواليد مدينة ستروميكا (مقدونيا) 1973. عن شعره، كتب الشاعر البولوني آدم زاغاجويسكي: “قصائد مادزيروف مثل اللوحات التعبيرية: مليئة بخطوط عريضة وحيوية، تنبثق من المخيّلة وتعود مباشرةً إليها، مثل حيوانات ليلية أسرتها مصابيح سيارة”. أما مازديروف نفسه فيقول لنا: “نحن بقايا عصرٍ آخر”. ونقتنع بقوله ما إن نبدأ في قراءته].

نشرت الترجمة في العربي الجديد 25 تموز 2014

http://goo.gl/Dj8vvd

أنا.. لا أعرف

بعيدة كلّ تلك البيوت التي أحلم بها

بعيدٌ صوت أمّي

وهي تناديني للعشاء، فأعدو نحو حقول القمح

بعيدون نحن ككرة أضاعت الهدف

وتذهب نحو السماء. نحن أحياء

كميزان حرارةٍ، لا يكون دقيقًا سوى

حين ننظر إليه

الحقيقة البعيدة في كل يوم تسائلني

كرحّالة غريب يوقظني

في منتصف الرحلة يسألني:

هل أنا في الحافلة الصحيحة؟

فأجيب بنعم، ومبلغ قصدي: أنا لا أعرف

أنا لا أعرف مدن أجدادك

من سيتركون خلفهم كل الأمراض المعلومة

مع بلسمها المصنوع من الصبر

أحلم ببيت على تلّة أشواقنا،

كي أشاهد أمواج البحر وهي ترسم

مخطط سقطاتنا وأحوال عشقنا،

كيف أن الناس يؤمنون كي لا يدركهم الغرق

وكيف يخطون كي لا يدركهم النسيان

بعيدة هي كل الأكواخ التي فيها احتمينا من العاصفة

ومن ألم الظباء التي تموت أمام أنظار الصيّادين

مَن وحدتُهم فاقت جوعَهم

اللحظة البعيدة تسألني كل يوم

أهذه هي النافذة؟ أهذه هي هي الحياة؟ وأنا أقول

نعم، وقصدي: أنا لا أعرف،

أنا لا أعرف إن كانت الطيور ستبدأ بالكلام

من غير أن تنطق قائلة: سماء

منزل

عشت في أطراف مدينةٍ

كمصباح في شارع

ذي لمبةٍ لا أحدَ أبدًا يغيّرها

أنسجة العناكب تشدّ أزرالجدران

أيدينا المتشابكة اعرورقت.

أخفيت لعبتي
في شقوق جدران حجرية بنيَت على عجل
كي أنقذها من الأحلام.

في نهاري وليلي بعثتُ في العتبة الحياة

لتعود كما النحلة التي

دومًا إلى الزهرة السابقة تعود.

كان السلام سائدًا حين غادرت بيتي:

التفاحة المقضومة لم يصبْها العفن

على الرسالة طابع بصورة بيت قديم مهجور

منذ الطفولة هاجرت إلى أماكن عديدة

ومن أسفلَ منّي ليست ثمة إلا الفراغات

كما الثلج لا يدري إلى أين ينتمي

إلى أرضٍ أم إلى هواء.

رأيت أحلامًا

رأيت أحلامًا لا يذكرها أحد

وأناسًا ينتحبون على القبور الخاطئة

رأيت عناقات في طائرة تهوي

وشوارع ذات شرايين مفتوحة.

رأيت براكين صار سباتها

أطول من جذور شجرة العائلة

وطفلًا ليس خائفًا من المطر.

وحدي أنا الذي لم يره أحد.

وحدي أنا الذي لم يره أحد.

كانت ربيعًا

كانت الدنيا ربيعًا حين أتى الغزاة

وأحرقوا صكوك ملكيّة الأرض حيث كنا نصطاد الطير،

والحشرات والفراشات الملونة

تلك التي لا وجود لها سوى في كتب الأحياء القديمة.

كثيرة هي الأشياء التي غيّرت أحوال الدنيا،

ومن حينها وهذه الدنيا تغيّر فينا كثيرًا من الأشياء

انفصال

نئتُ بنفسي عن كل حقيقة حولَ بدايات
الأنهار، والأشجار، والمدن.

ليَ اسمٌ سيكون شارعًا للوداعات
وقلبٌ يظهر على صور الأشعّة.
نئتُ بنفسي حتى عنك، يا أمّ جميع السماوات

والبيوت الرخيّة.

والآن صار قلبي لاجئًا ينتمي
لعدة أرواحٍ وجراحٍ غير مندملة.
ليَ إلهٌ يعيش في فسفورعود الثقاب

في الرماد الذي يحتفظ بشكل الحطب.

لا أريد خريطة العالَم حين أخلد للنوم.
ما يحجب أملي الآن هو ظلُّ قشّة وكلامي لم يعد أثمن
من ساعة عائلية قديمة لا تعمل.
نئت بنفسي عن نفسي، كي أصل إلى بشرتك
التي تفوح منها رائحة العسل والريح، إلى اسمك
الدالّ على التبرّم الذي يبعث فيّ الراحة،
الفاتحِ أبوابَ المدنِ التي فيها أنام،
ولا أعيش.
نئت بنفسي عن الهواء، والماء، واللهب.

التراب الذي منه خلقت

جزء أصيل من بيتي.

صمت

لا صمتَ في العالم.

الرهبان ابتدعوه

ليسمعوا الخيل كل يوم

والريش المتساقط من الأجنحة.

عقارب الساعة

فلترِثْ طفولتك

من ألبوم الصور.

انقل الصمت

الذي يتمدد وينقبض

كسرب طيور في السماء.

أمسك في يديك

كرة الثلج غير المستوية

وتلك القطرات التي تسيل

على خط الحياة.

فلتتل صلواتك

عبر الشفاه المطبقة

فالكلمات بذور تقع في أصيص الزهور.

نتعلم الصمت في الأرحام.

حاول أن تُولَد

كعقرب الساعة الكبير بعد انتصاف الليل

وعلى الفور ستدركك الثواني.

أشياء نريد لمسها

لا وجودَ لأي شيء خارجنا:

خزانات الماء تجفّ

حين نشعر بالعطش

للصمت، حين تصبح نبتة القراص

وصفة علاجية، وحين تعيد المدن

التربة إلى أقرب مقبرة.

كل تلك الأزهار، الأسود منها والأبيض، على ورق الحائط

في البيوت التي هجرناها

تُزهر في تواريخ غير شخصية

فقط حين تصبح كلماتنا

إرثًا غير قابل للنقل،

وما نرغب في لمسه

هو حضور شخص ما.

نحن كفردة حذاء تعدو بها كلاب ضالة،

نتعانق، كأسلاك متشابكة تمرّ بين الطوب الفارغ

في بيوت لا يسكنها أحد.

هي الحال هكذا منذ زمن طويل- لا وجودَ لأي شيء خارجنا:

أحيانًا ينادي أحدنا الآخر

شمس، ضياء، ملاك.

مدن لا تنتمي لنا

في المدن الغريبة

أفكارنا تهيم بسكينة

كقبور فناني سيركٍ منسيين

الكلاب تنبح على حاويات قمامة تسقط فيها

ندفُ الثلج.

في المدن الغريبة لا أحد يعيرنا اهتمامًا

كملاك كريستالي موصود في صندوق زجاجي لا هواء فيه

كهزّة أرضية ثانية لا تفعل شيئًا

سوى ترتيب ما قد لحقه الدمار.

نحن نكشف الأزمان

يتحقق وجودنا حين تنفتح النوافذ

والوثائق السرية.

نشتت الغبار دون أن نذكر

الموتى ومن أحبوهم سرمدًا.

دائمًا ما نحزم سترة النوم في الجزء السفلي من حقيبة السفر

وأحذيتنا لا توضع وجهًا لوجه أبدًا

نقرأ رسائلنا مرة

كي نكتم سرًّا ما.

نمدّ أيدينا ونكشف الأزمان

فلتبق صامتًا، صامتًا، اهمس بأشياء

أقل شأنًا من الحلم المنقطع

لفراشة لا تعيش سوى يوم واحد.

حين يرحل أحدهم

كل شيء كان لا بدّ أن يعود

لمارجان كي.

في ذلك العناق قرب الزاوية سوف تدركين
أن أحدهم سيرحل إلى مكان ما. هكذا الحال دومًا

أعيش بين حقيقتين اثنتين

كضوء مصباح يتهدّج

في قاعة فارغة. فلَكَم يلملم قلبي من الناس،

وهم ليسوا بيننا

هكذا الحال دومًا. الرمش بالعين يستغرق

ربع أعمارنا في اليقظة.

نحن ننسى الأشياء

حتى قبل أن تضيع منّا-

ككرّاسة الخطّ، مثلًا.

لا شيء جديدَ أبدًا.

مقعد الحافلة دافئ دومًا.
الكلمات الأخيرة تبقى حاضرة

كالدلاء المائلة على نار صيفية عادية

الأشياء عينها ستتكرر في الغد-

الوجه، قبل أن يختفي من الصورة،

سيفقد تجاعيده.

حين يرحل أحدهم

كل شيءٍ كان لابد أن يعود.

قراءة شاعر ميّت

نشرت الترجمة في العربي الجديد 29 كانون أول2015

http://goo.gl/GTgMQS

قراءة شاعر ميّت
سأكتب دائماً عن الأحياء
بحواسّي
حبّة رمان، أصوات الريح، الشاي
وأحياناً بما وراء ذلك
الحب، الحدود، البحر
وحتّى النادر الغريب

وحين أمَلُّ
ألتقطُ كتابك
وأتأمّل الموت

في منتصف الليل
تقرض الفئران الوقت
في إحدى الزوايا المظلمة
وتقضم سطورك

أو لعلّها جذورٌ
تمتدّ عميقاً
لتعثر على عنوانها

أمرٌ ما يتجاوز الحواسّ
يقلب الأشياء على أعقابها
فيمسي العنوان أبعد
مِنْ أن تُدرك العين مداه
ولا يسعُ السطورَ أن تكون أعمق

ما زلتُ هنا، لكنّك رحلت
لا شيء أشد غرابة
من أن أقرأ ترجمتي
لقصائدك
سأكتب دائماً عن الأحياء

يدٌ شبحية
(في ذكرى شاعر)
الأسماء أساطير باقية
أسطر تتسلل إلى ثقب المفتاح

إصبع سبّابة يرسل شرراً
ويحصد صفحة من النثر

الكلمات تُقرأ على التلاميذ
تصفر عبر نفق مظلم

على رقعة الشطرنج
يفقد بيدق ذراعه

رأس قلم يتعثّر على مخطوطة
مكتوبة بيد شبحية

* Chris Song Zijiang شاعر صينيّ من مواليد غوانغدونغ عام 1985 ويقيم اليوم في هونغ كونغ. صدرت له مجموعتان شعريتان، وترجمَ أكثر من عشرين مجموعة شعرية بين الصينية والإنجليزية.

تلك المرأة في شارع كولج

تلك المرأة في شارع كولِج

مناش باتاشارجي

ترجمة محمد زيدان

العربي الجديد 13 فبراير 2015

http://goo.gl/V1bVsE

أكاد لا ألاحظها في بداية الأمر، إذ تصعب رؤية وجهها لأني لا أنظر من زاوية مناسبة. أراها ترتدي ساريًا أصفر يمنح شعورًا بالخفّة. شعرها قصير، متناسب مع دقة وجهها الشاحب، فيضفي عليها قليلًا من الحيويّة، رغمَ بطءٍ ألاحظه في حركاتها. لا شكّ أنّ أيّ امرأة يرشح عنها هذا القدر من التباين ستلفت الانتباه حتمًا. تتكئ على طاولة من خشب إذ تنظرُ إلى الكتب التي تختارها كي تشتريها. قد تكون وِقفتها في ذلك المكان مشابهة لوقفتها في أي غرفة أخرى تعتاد البقاء فيها، إذ يبدو أنّها تتمتع بقدرٍ من عدم الاكتراث الطبيعيّ بالأماكن العامّة. إنّها في شارع كولِج. هنالك دكان كتبٍ في هذا الشارع يوحي بأنه حديقة غنّاء، جنّة من كتب، وهي كأنّها وحدها الجديرة بزيارته، إذ أراها لا تأبه بالناس من حولها، تختار ما تشاء وتترك. أسأل بائع الكتاب إن كانت لديه دواوين شعراء أبحث عنهم، وهم باسكار شاكرابورتي، ونابارون باتاشاريا، وأوبتال كومار باسو. يكتب البائع الأسماء على عجل قائلًا لي أثناء  كتابته منبّهًا: “سأرى وأبحث عن هذه الأسماء، مع أنّي أستبعد أن تجد شيئًا لباسكار وأوبتال”. سألته عن السبب، إذ كنت أظنّ أنّ هذه الأسماء أكثر شهرة من غيرها. فأخبرني بنبرة العارفين:  “الناس لا يقرؤون الشعر، ولذا فإنّ الطلب على هذه الكتب قليل، ويصعب العثور عليها عادة”. ما أكثر الشعراء في كالكوتا، وما أقل القارئين.

أمّا المرأة المستندة على الطاولة فلا تعير أيّ اهتمام لأسماء الشعراء الذين ذكرتهم. هنالك جهة من شَعرها بدأت تشيب، من الحياة ربما، أو من حياة القراءة. لديّ فضول بشأن عدم اكتراثها بأسماء هؤلاء الشعراء. أختلس نظرة إلى عناوين الكتب لعلّي أفهم السبب، فعددت اثني عشر كتابًا، إمّا لطاغور أو عنه. فوجدت الإجابة عن سؤالي. طاغور يرتبط بزواج لا تعدّد فيه، وبحب الطفولة أو أحلامها عن الزواج، ولذا فإنّه المرشّح الأقوى بين الأموات ليخطب ودّ بعض النساء البنغاليات اللواتي يفضّلن العيش في الماضي. طاغور هو معبد لا يتّسع سوى لإله واحد، فلا مكان لآلهة آخرى أصغر عند المذبح. قد يكون كلّ من باسكار، ونابارون، وأوتبال نجومًا ساطعة في الآفاق، بيدَ أنّه لا سبيل لهم لدخول معبد الإله الأوحد.

تأخذ المرأة الكتب التي اختارتها واحدًا تلو الآخر، متوقفةً لوهلة عند كلّ منها، تستلمها كأنها تستلم حجرًا مقدسًا، وتعيدها على الطاولة الخشبية. ثم تطلب من البائع أن يحسب لها سعرها، فيجيئها الجواب مباشرة: “ألف وسبعمئة وتسعون.” يدبّ الشحوب في وجه المرأة وتعلوها ملامح التوتّر فجأة، فتشرع بالحديث بلهجة رقيقة رغم سرعتها، مدمدمة لنفسها وللبائع في آن معًا: “هذه نهايتي. لقد انتهى أمري. لا يمكنني دفع ثمنها. ماذا أفعل الآن؟ إنني أهلك نفسي، وأنت تهلكني أيضًا. هذه نهايتي. لقد انتهى أمري. ماذا أفعل الآن؟ لقد أهلكتني.” أسمعُها، بلا حِراك ولا كلام، كأني مجرّد شبح مشدوهٍ يسترق السّمع في هذا المشهد. كأنّي والشعراء الذين أبحث عنهم سواء، فأنا لست موجودًا، مثلهم تمامًا. يتبسّم البائع، أما المرأة فتذهب في حالة من ذهول، وإن كنت أظنّها محاولة مؤلمة للخداع.

أذكر كذلك امرأة بنغالية تشتري الخضروات في دلهي. هي الأخرى كانت تعاني من حالة نفور مزمن من دفع تكاليف ما ترغب في شرائه. “بكم كيلو الطماطم؟” فيردّ عليها البائع: “الكيلو بأربعين روبية”، فإذا بها تعيد الطماطم من الكيس بعصبيّة وتقول: “احمرار حباتها لا يتناسب مع السعر.” ثم تسأله ثانية عن سعر القرنبيط، فيخبرها بأن الكيلو بأربعين روبية. فتقول له دون رهبة: “احتفظ به لنفسك إذن” ثم تولّي منصرفة. لا أدري إن كانت ستتصرف بالطريقة نفسها في دكان أثواب الساري، فقيمة الأشياء تتحدّد بالأماكن التي تباع فيها.

وعَودًا على المرأة في شارع كولِج، فإن السعر الذي اقترحته للكتاب غير منصف رغم ما يبدو عليها من ذوق أدبيّ رفيع، ولعلها لا تدرك أنّ ما تفعله من مساومة على السعر يجعل ينزل بهذه الكتبَ إلى صنف البضائع العاديّة. وفي تلك اللحظة تحديدًا، في تلك اللحظة من هذه الصفقة التي تتحول فيها الكتب إلى بضاعة كغيرها مما يباع ويشترى، لا أكثر ولا أقلّ، تصبح الحكمة رازحة تحت رحمة صفقة بغيضة. هنالك ذكرى لا أفتأ أذكرها من طفولتي عن كتب كانت رخيصة كتلك الكتب التي تباع من روسيا. الذكريات أصل كل الفظائع. تتمالك المرأة نفسها، دون مساعدة من البائع، وهو نفسه كان ينظر عاجزًا إليها تمامًا كما هي إلى كتبه. ثم تقول: “إنني مضطرة لإعادة بعضها، لا أستطيع شراءها كلها، سأترك بعض الكتب.” ثم تبدأ مرة أخرى بالتقاط الكتب واحدًا تلو الآخر، تلمسها بلطف وعناية، ولكن بشكل يبدو مضاعفًا عما سبق، بهدوء وبشيء من ألم. لا أجد مثيلًا لهذه اللمسة سوى في الأفلام بين عاشقين في لحظة نشوة. اثنا عشر كتابًا هي اثنا عشر رأسًا، أو اثنا عشر رأسًا لجسد واحد. تعيد المرأة النظر في الكتب للمرة الثالثة، ليست تدري ماذا تأخذ وماذا تدع. تعود مرة أخرى تدمدم لنفسها وللبائع: “كلّ هذه الكتب لي، لا أدري ماذا أفعل.” ثم يخبو صوتها، وتلقي نظرة هائمة لا قرار لها. اثنا عشر كتابًا هي اثنا عشر فصلًا من حياتها، لا يمكن لها أن تستغني عن أي فصل كان. يومئ البائع برأسه مفترًّا عن ابتسامة ويقول: “كنت أعرف، كنت أعرف أنك لن تقدري على ترك أيٍّ منها.” ثم تقوم المرأة بدفع الكتب باتجاه البائع مؤذنة باستسلام موجع قائلة له: “افعل ما تشاء.” رشح عن هذه الحركة شيء من طيش ممزوج باعتراف زائف بالهزيمة. وحين همّ البائع بتغليف الكتب بادرت المرأة وتقدمت بآخر محاولة يائسة للحصول على أي خصم وقالت: “ألا يمكنك على الأقل أن تحسم التسعين روبية من السعر؟” ولكن الرجل رغم ابتسامته اللطيفة ظل حازمًا وقال لها: “لقد أعطيتك سعرًا نهائيًا، صدقيني، لا يمكن أن أعطيك سعرًا أفضل من هذا.”

أخذت تعدّ النقود وناولتها له بيدين هامدتين، تنظر إليها نظر المغشيّ عليه. يتأكّد البائع بسرعة من النقود وينادي على رجل كبير يقف على مقربة منه بالكاد أنهى شايه وقال له: “يا عم، لن أجد أفضل منك للقيام بهذه المهمّة. هذه السيّدة متعبة قليلًا، ومعها حمل ثقيل من الكتب. أرجو منك أن تساعدها وتوقف لها سيارة أجرة كي أتابع عملي هنا.” يحمل الرجل الكبير كيس الكتب ويتحرك ليرافق المرأة، وقد سمعت البائع يقول لها متلطفًا عند خروجها: “ننتظرك مجددًا.”

خرجت تلك المرأة بعينين حالمتين غائرتين في الأفق مع غروب الشمس يلفّها حزنٌ شديد. لعلّ ما يدور في صدرها اللحظةَ أثقل عليها من الكتب التي تحملها. بل إنّها لم تجب البائع عبارتَه الأخيرة. وهكذا تحوّل ذلك الإحساس بالخفّة الذي استشعرتُه حيالها إلى انطباع بخفّة من نوع آخر لا يمكن احتمالها، وتشكّلت هالةٌ ثقيلة من حولها. وبينا أنا ساهمٌ أراقبها تغادر، أتصوّر من أيّ حياة أتت وإلى أي حياة تعود جاءني صوت بائع الكتب فانتبهت إليه يقول: “لقد وجدنا الشعراء الثلاثة الذين تبحث عنهم.” وكان سمعي في انتظار هذه البشرى! خيّل إليّ أن هؤلاء الشعراء قد خرجوا من مخابئهم وصاروا بين يديّ، واشتريت الكتبَ فورًا دونَ تردّد.