على ذكر الموتى

توم شيفرز/بريطانيا

نشرت في العربي الجديد 27 تموز 2014

على ذكر الموتى

مَداخل

لا أعرف مع من سأتحدّث

نظل نراوح في الردهة،

نتهادى على السجّاد بأرجلنا الثقيلة.

في الداخل نسخٌ مشفّرة من ذواتنا السابقة

وهي تُعِدّ أفضل كعكة “سوفليه”.

أرفع أنا المشجب.

يمكنني نظريًا أن أغادر،

غير أنّ ما يحدث يبدو كما اللغة

غامضة دومًا، ليست لنا.

نحاول الفهم من خلال الأشياء:

ملاعق، صحون، أبواب مشرعة

نشكو ونقول: “لا أحد ينصت”

ندخل لقراءة البريد الإلكتروني

نجد كل حساباتنا قد اخترقت؛

تلك الشخصيات الافتراضية التي مكثنا ننشئها سنواتٍ

لم تعد الآن سوى أيقونات تطفو على أجهزة معطّلة.

نبدّل أماكننا عند النافذة في الردهة

المدينة تحاول الدخول.

سحابة من غبار القرميد تتهم الماضي،

هدير المحرّكات يعلو مختنقًا.

قلت مغضبًا: “هذا ليس فعلًا سياسيا”،

غير أن العميان كانوا حيئنذ قد انصرفوا.

كل تلك البيوت التي أحلم بها

 نيكولا مادزيروف شاعر وباحث ومترجم من مواليد مدينة ستروميكا (مقدونيا) 1973. عن شعره، كتب الشاعر البولوني آدم زاغاجويسكي: “قصائد مادزيروف مثل اللوحات التعبيرية: مليئة بخطوط عريضة وحيوية، تنبثق من المخيّلة وتعود مباشرةً إليها، مثل حيوانات ليلية أسرتها مصابيح سيارة”. أما مازديروف نفسه فيقول لنا: “نحن بقايا عصرٍ آخر”. ونقتنع بقوله ما إن نبدأ في قراءته].

نشرت الترجمة في العربي الجديد 25 تموز 2014

http://goo.gl/Dj8vvd

أنا.. لا أعرف

بعيدة كلّ تلك البيوت التي أحلم بها

بعيدٌ صوت أمّي

وهي تناديني للعشاء، فأعدو نحو حقول القمح

بعيدون نحن ككرة أضاعت الهدف

وتذهب نحو السماء. نحن أحياء

كميزان حرارةٍ، لا يكون دقيقًا سوى

حين ننظر إليه

الحقيقة البعيدة في كل يوم تسائلني

كرحّالة غريب يوقظني

في منتصف الرحلة يسألني:

هل أنا في الحافلة الصحيحة؟

فأجيب بنعم، ومبلغ قصدي: أنا لا أعرف

أنا لا أعرف مدن أجدادك

من سيتركون خلفهم كل الأمراض المعلومة

مع بلسمها المصنوع من الصبر

أحلم ببيت على تلّة أشواقنا،

كي أشاهد أمواج البحر وهي ترسم

مخطط سقطاتنا وأحوال عشقنا،

كيف أن الناس يؤمنون كي لا يدركهم الغرق

وكيف يخطون كي لا يدركهم النسيان

بعيدة هي كل الأكواخ التي فيها احتمينا من العاصفة

ومن ألم الظباء التي تموت أمام أنظار الصيّادين

مَن وحدتُهم فاقت جوعَهم

اللحظة البعيدة تسألني كل يوم

أهذه هي النافذة؟ أهذه هي هي الحياة؟ وأنا أقول

نعم، وقصدي: أنا لا أعرف،

أنا لا أعرف إن كانت الطيور ستبدأ بالكلام

من غير أن تنطق قائلة: سماء

منزل

عشت في أطراف مدينةٍ

كمصباح في شارع

ذي لمبةٍ لا أحدَ أبدًا يغيّرها

أنسجة العناكب تشدّ أزرالجدران

أيدينا المتشابكة اعرورقت.

أخفيت لعبتي
في شقوق جدران حجرية بنيَت على عجل
كي أنقذها من الأحلام.

في نهاري وليلي بعثتُ في العتبة الحياة

لتعود كما النحلة التي

دومًا إلى الزهرة السابقة تعود.

كان السلام سائدًا حين غادرت بيتي:

التفاحة المقضومة لم يصبْها العفن

على الرسالة طابع بصورة بيت قديم مهجور

منذ الطفولة هاجرت إلى أماكن عديدة

ومن أسفلَ منّي ليست ثمة إلا الفراغات

كما الثلج لا يدري إلى أين ينتمي

إلى أرضٍ أم إلى هواء.

رأيت أحلامًا

رأيت أحلامًا لا يذكرها أحد

وأناسًا ينتحبون على القبور الخاطئة

رأيت عناقات في طائرة تهوي

وشوارع ذات شرايين مفتوحة.

رأيت براكين صار سباتها

أطول من جذور شجرة العائلة

وطفلًا ليس خائفًا من المطر.

وحدي أنا الذي لم يره أحد.

وحدي أنا الذي لم يره أحد.

كانت ربيعًا

كانت الدنيا ربيعًا حين أتى الغزاة

وأحرقوا صكوك ملكيّة الأرض حيث كنا نصطاد الطير،

والحشرات والفراشات الملونة

تلك التي لا وجود لها سوى في كتب الأحياء القديمة.

كثيرة هي الأشياء التي غيّرت أحوال الدنيا،

ومن حينها وهذه الدنيا تغيّر فينا كثيرًا من الأشياء

انفصال

نئتُ بنفسي عن كل حقيقة حولَ بدايات
الأنهار، والأشجار، والمدن.

ليَ اسمٌ سيكون شارعًا للوداعات
وقلبٌ يظهر على صور الأشعّة.
نئتُ بنفسي حتى عنك، يا أمّ جميع السماوات

والبيوت الرخيّة.

والآن صار قلبي لاجئًا ينتمي
لعدة أرواحٍ وجراحٍ غير مندملة.
ليَ إلهٌ يعيش في فسفورعود الثقاب

في الرماد الذي يحتفظ بشكل الحطب.

لا أريد خريطة العالَم حين أخلد للنوم.
ما يحجب أملي الآن هو ظلُّ قشّة وكلامي لم يعد أثمن
من ساعة عائلية قديمة لا تعمل.
نئت بنفسي عن نفسي، كي أصل إلى بشرتك
التي تفوح منها رائحة العسل والريح، إلى اسمك
الدالّ على التبرّم الذي يبعث فيّ الراحة،
الفاتحِ أبوابَ المدنِ التي فيها أنام،
ولا أعيش.
نئت بنفسي عن الهواء، والماء، واللهب.

التراب الذي منه خلقت

جزء أصيل من بيتي.

صمت

لا صمتَ في العالم.

الرهبان ابتدعوه

ليسمعوا الخيل كل يوم

والريش المتساقط من الأجنحة.

عقارب الساعة

فلترِثْ طفولتك

من ألبوم الصور.

انقل الصمت

الذي يتمدد وينقبض

كسرب طيور في السماء.

أمسك في يديك

كرة الثلج غير المستوية

وتلك القطرات التي تسيل

على خط الحياة.

فلتتل صلواتك

عبر الشفاه المطبقة

فالكلمات بذور تقع في أصيص الزهور.

نتعلم الصمت في الأرحام.

حاول أن تُولَد

كعقرب الساعة الكبير بعد انتصاف الليل

وعلى الفور ستدركك الثواني.

أشياء نريد لمسها

لا وجودَ لأي شيء خارجنا:

خزانات الماء تجفّ

حين نشعر بالعطش

للصمت، حين تصبح نبتة القراص

وصفة علاجية، وحين تعيد المدن

التربة إلى أقرب مقبرة.

كل تلك الأزهار، الأسود منها والأبيض، على ورق الحائط

في البيوت التي هجرناها

تُزهر في تواريخ غير شخصية

فقط حين تصبح كلماتنا

إرثًا غير قابل للنقل،

وما نرغب في لمسه

هو حضور شخص ما.

نحن كفردة حذاء تعدو بها كلاب ضالة،

نتعانق، كأسلاك متشابكة تمرّ بين الطوب الفارغ

في بيوت لا يسكنها أحد.

هي الحال هكذا منذ زمن طويل- لا وجودَ لأي شيء خارجنا:

أحيانًا ينادي أحدنا الآخر

شمس، ضياء، ملاك.

مدن لا تنتمي لنا

في المدن الغريبة

أفكارنا تهيم بسكينة

كقبور فناني سيركٍ منسيين

الكلاب تنبح على حاويات قمامة تسقط فيها

ندفُ الثلج.

في المدن الغريبة لا أحد يعيرنا اهتمامًا

كملاك كريستالي موصود في صندوق زجاجي لا هواء فيه

كهزّة أرضية ثانية لا تفعل شيئًا

سوى ترتيب ما قد لحقه الدمار.

نحن نكشف الأزمان

يتحقق وجودنا حين تنفتح النوافذ

والوثائق السرية.

نشتت الغبار دون أن نذكر

الموتى ومن أحبوهم سرمدًا.

دائمًا ما نحزم سترة النوم في الجزء السفلي من حقيبة السفر

وأحذيتنا لا توضع وجهًا لوجه أبدًا

نقرأ رسائلنا مرة

كي نكتم سرًّا ما.

نمدّ أيدينا ونكشف الأزمان

فلتبق صامتًا، صامتًا، اهمس بأشياء

أقل شأنًا من الحلم المنقطع

لفراشة لا تعيش سوى يوم واحد.

حين يرحل أحدهم

كل شيء كان لا بدّ أن يعود

لمارجان كي.

في ذلك العناق قرب الزاوية سوف تدركين
أن أحدهم سيرحل إلى مكان ما. هكذا الحال دومًا

أعيش بين حقيقتين اثنتين

كضوء مصباح يتهدّج

في قاعة فارغة. فلَكَم يلملم قلبي من الناس،

وهم ليسوا بيننا

هكذا الحال دومًا. الرمش بالعين يستغرق

ربع أعمارنا في اليقظة.

نحن ننسى الأشياء

حتى قبل أن تضيع منّا-

ككرّاسة الخطّ، مثلًا.

لا شيء جديدَ أبدًا.

مقعد الحافلة دافئ دومًا.
الكلمات الأخيرة تبقى حاضرة

كالدلاء المائلة على نار صيفية عادية

الأشياء عينها ستتكرر في الغد-

الوجه، قبل أن يختفي من الصورة،

سيفقد تجاعيده.

حين يرحل أحدهم

كل شيءٍ كان لابد أن يعود.

قصائد الجهاديين

جوانا باراتشزوك

ترجمة محمد زيدان

نشرت الترجمة في موقع حبر في 18 أيلول2015

قصائد الجهاديين

لمّا توافد المقاتلون من شمال القوقاز وصولًا إلى سوريًا عام 2012 جلبوا معهم تقليدًا عجيبًا اشتُهر بينهم ألا وهو الأشعار الجهادية، وترى في مواقعهم الإلكترونية وصفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي أشعارًا جديدة باللغة الروسية عن سوريا، كما ويتناقلون فيما بينهم بعض الأشعار التي صارت من “الكلاسيكيات” لديهم والتي تتكلم عن المتمردين في شمال القوقاز.
للوهلة الأولى قد تبدو كتابة الشعر هواية تدعو للغرابة عند الحديث عن جهاديين إسلاميين، ولكنّ تلك الأشعار في الواقع تعدّ من الوسائل المهمّة التي يعبّر فيها بعض هؤلاء عن مشاعرهم وأفكارهم، من حزنٍ ورثاء وغضب وغيره، مما قد يعدّ أمرًا مبتدعًا عند البعض الآخر وفق العقائد الصلبة للدولة الإسلامية وغيرها من الجماعات المسلّحة في سوريا.
كما أنّ هذه الأشعار تقدّم وجهة نظرٍ عن العالم. ففي حين كانت الأعمال القديمة تركّز في المقام الأول على التمرّد المحليّ ضد القوات الروسية شمال القوقاز، فإنّ الأشعار التي تُكتب في السياق السوريّ الراهن تضع القرّاء أمام عالم أوسع لما يراه كتّابها من حالة الجهاد العالميّ.
هنالك أيضًا أشعارٌ تكتبها المرأة في مثل هذه الدوائر، كزوجات المقاتلين أو منْ ترمّلن بعدهم، وهي أشعارٌ تتناول عادة حكايا مختلفة ومشاعر شخصيّة عن تجربةِ أن تكون المرأة زوجة لمقاتل وعن كيفيّة التعامل مع فقده إن فُقدَ وقُتل.
ومن هذه الأشعار ما كتبته امرأة تكنّي نفسها “أمّ محمد” وعنوان قصيدتها “زوجة شهيد”، ونُشرت في الثامن من آب من العام الجاري في إحدى المجموعات التي يديرها أفراد ينسبون أنفسهم إلى تنظيم الدولة على منصة التواصل الاجتماعي (VKontakte). نجد في هذه القصيدة شعورًا بالفجيعة والإحباط بعد مرور عامٍ على خسارة زوجها في سوريا، وتتحدّث بوضوح عن مصابها مُستصعبةً التصبّر على فراقه:
وهكذا، مضى أول عام
وقلبي يحسبه مجرّد يوم
أعيش حياتي بين الناس أسعى
أن أكون مثل الآخرين.

وفي مقطع مثير للجدلَ، بل ويبعث على الصدمة بالأحرى نجد أمّ محمّد تقول إنّ الله يزلزل حياة بعض البشر ويبتليهم بالمصائب من دون سبب ظاهر، تمامًا كما يفعل حين يغيّر المناخ أو يقلّب الفصول:

أفكّر ناظرة في السماء
إنّ الله يغيّر كل شيءٍ في طرفة عين
ويصرّف أقدار البشر
كما يصرّف الليل والنهار
اليوم كان هانئًا جميلًا
والعالم في الغد قد أعرض عنك.

ومن المعروف أنّ المرأة في الإسلام لها عدّة شرعيّة بعد وفاة زوجها وقبل أن تتزوّج من غيره، ولكنّ أمّ محمّد تعلن في شِعرها أنّها لن تتزوج أحدًا بعد زوجها الذي سقط في القتال:
هكذا مضى أول عام، وتتبدّل الأزمان
ولكنّ قلبي لن يتغيّر
ولن يسكنه غيرك
إلى أن تفارقني الحياة
أمّا أشعار الرجال فتتعامل في غالبيتها مع قضيّة “مجاهدي الكنبة” ويقصدون أولئك الذين يتحدثون عن “الجهاد” في سوريا على وسائل التواصل الاجتماعي من دون أن ينضمّوا إلى تنظيم الدولة أو غيرها من التنظيمات الجهادية. وفي قصيدة بعنوان “أهل الإنترنت” لاقت صدى كبيرًا على موقع VKontakte جاء ذمّ هؤلاء:
أنتم يا محاربو الفيسبوك
جنودَ جيش الواتس أب أنتم
يا شيوخ جوجل
إنّكم في حلقة مفرغة هائمون
اضغطوا على الزاوية العليا في يمين الشاشة

وهنالك قصيدة أخرى نشرها في الحادي عشر من آب الماضي شخص يدعو نفسه جندالله الأنغوشي يسأل فيها أحد “مجاهدي الكنبة” عن سبب إحجامه عن السعي للجهاد:

إذن لم لا تعبأ بالقتال ولا تتعطّش له؟
لعلّك تخشى الموت؟
ألم تعلم أنّ الله مع المجاهدين!
… كثيرون بالجهاد يحلمون
ولكنّهم يدعون الله
وأعينهم تفيض من الدمع!

هذه الثيمات التي تتحدث عن “مجاهدي الكنبة” وتلك التي تدعو “المسلمين الصادقين” ليهبّوا إلى الجهاد ليست جديدة في الأشعار الجهادية المكتوبة بالروسيّة. هنالك قصائد مشابهة أخرى كتبها مقاتلون في شمال القوقاز تعبّر عن الغضب والحنق على أولئك الذين يفضّلون الراحة في البيوت على قتال “شياطين الروس”، وهي قصائد تربط بين “الجهاد” وشرف الوطن عند الشيشاني.
وفي قصيدة أخرى نشرت في 22 آب الماضي يتجلّى فيها الخوف والغضب على لسان أحد المقاتلين الشيشان في أحد مخيّمات الاعتقال الروسية في حربي الشيشان الأولى والثانية، حيث يقول الجندي الروسي لأحد المقاتلين الشيشان وهو بين الموت والحياة:

أيّها الشيشانيّ، لقد خسرت المعركة
انظر إليك، إنك تثير الشفقة، بالكاد تحيا
نظراتك الزائغة
إنني هنا، أنا قائدك وأنا السيّد!

نرى صورًا أخرى في قصائد جديدة تُنسب إلى جهاديين في سوريا تدعو أهل شمال القوقاز للجهاد والدفاع عن المسلمين لا في أرضهم وحسب بل وفي العالم أجمع. ولكنّ القصائد قديمَها وجديدَها تركّز على وصف شكلٍ مثاليّ من أشكال الرجولة القوقازية، كما نرى في هذه القصيدة المنسوبة لأسد الله أبو زكريا أحد المقاتلين في إمارة القوقاز في قبردينو-بلقاريا:

النساء سيقاتلن العدّو
والجبناء في بيوتهم جالسون
نريد البكاء، ولكن ما في المآقي من دموع
أين أنتم يا رجال القوقاز!!!؟

هنالك قصائد جهادية في شمال القوقاز في مديح كبار القادة وأمراء الجهاد. فهنالك قصيدة كتبت عام 2013 وتنسب لأحمد الداغستاني، وهو الاسم الحركي (والمستعار) لأحد مقاتلي إمارة القوقاز وهو في سجنه في روسيا، ويمدح فيها قائده آنذاك أبو عثمان عمروف، يصفه فيها براعي الإمارة والأخ الحقيقي.
كما كتب الداغستاني قصيدة من جزئين في مديح أسامة بن لادن (وكان هو الآخر يكتب الشعر) ويرى أنّه في غاية الرضا لأنّه قد عاش تحت راية “المجاهد أسامة” حتّى لو كان هو في روسيا.
وهذا ما نراه كذلك عند الجيل الجديد من شعراء الجهاديّة في سوريا والذين يذكرون في شعرهم مناقب قادتهم ولاسيّما أبو بكر البغدادي، خاصّة أنّهم يحاربون فعلًا في صفّه ويعيشون في عالمه.
ففي قصيدة بعنوان “الدولة الإسلامية” والتي ظهرت مؤخرًا في 26 آب الماضي يرد مدحٌ للبغدادي وللقائد العسكري لتنظيم الدولة أبو عمر الشيشاني للدلالة على أنّ مقاتلي شمال القوقاز قد صاروا في مصافّ القيادة على ساحة الجهاد العالمي. ويؤكّد الشاعر في قصيدته على أنّ الشيشان لم يعودوا على هامش نزاع شمال القوقاز وحسب ويَعِدُ أنّه ورفاقه سيجتمعون يومًا على جبل عرفات و”ستصدح تكبيراتهم عليه يوم الحجّ الأكبر”.

الجبناء والتاريخ نظرات حول الحروب ودوافعها

 

الجبناء والتاريخ.. نظرات حول الحروب ودوافعها 

كريس والش: مدير برنامج فنّ الكتابة في العلوم والفنون في جامعة بوسطن، وصاحب كتاب “الجبن: تاريخ مختصر” الصادر عن مطبعة جامعة برينستن عام 2014.

ترجمة بتصرّف: محمّد زيدان

نشرت الترجمة في ألترا صوت في 19 تشرين أول 2015

http://goo.gl/IAVQHw

المجد للأمّة الباسلة،

هلمّوا فلنتحدّ سويّا،

نحن للوطن فداء.

عليكم بالسّلاح أيا أهاليّ!

نحارب والروح على الأكفّ

من أجل وحدتنا.

فلنتكاتف بكلّ شجاعة،

انهضوا! انهضو!ا انهضوا!

يا ملايين الشعب بقلبٍ واحد،

مدافع العدوّ لا نهابها،

تقدّموا!

تقدّموا!

تقدّموا!

لن نحتاج سوى دقيقتين اثنتين لنؤلّف بين مجموعة من الأناشيد الوطنيّة، كما فعلت في المثال السابق الذي يجمع مقاطع من النشيد الوطنيّ من فنزويلا وتركيا وإيطاليا وميانمار وأستراليا والصين وفرنسا، ونرى مقدار الاحتفاء بالبسالة العسكريّة. وسيستغرق الأمر منّي بضعة دقائق أخرى لاقتبس مئةً مثلها من مئة نشيد وطني من بلدان أخرى. أليس يقول الأفغان في بلادهم “كلّ أبنائك شجعان” وفي زيمبابوي ينشدون “بتضحيات أبطالنا نسمو ونفاخر.”

ولكنّ الأبطال الأشاوس الذين كُتبت هذه الأناشيد زهوًّا وافتخارًا بهم لم تتملّكهم بالضرورة تلك الرغبة في أن يكونوا في مصافّ العظماء من أهل الشجاعة والبأس، قلّة وحسب من امتلكوا هذا الشعور، ولكنّ الغالبيّة كانوا “يحاربون دفاعًا عن الجمهوريّة” (كمبوديا) خيفةَ أن يوصفوا بالجبن. لقد كتب يوجين سليدج متحدّثًا عن نفسه وأصدقاءَ له في قوّات المارينز الأمريكية في الحرب العالميّة الثانية يقول: “أقسى تلك الهواجس التي سيطرت علينا هي أنّ خوفنا من أداء مهمّاتنا أثناء القتال قد يظهر على وجوهنا حين تصفرّ.” ولكنّهم تمالكوا أنفسهم وتجنّبوا هذا العار. ونجد تيم أوبرين في مجموعته القصصيّة “ما حملوا من أشياء” والتي تحدّث فيها عن تجربته القتالية في حرب فيتنام يقول إنّ أثقل عبءٍ حمله الجنود هو “ذلك السرّ المشترك عن جبنهم”. وكان التخوّف من انكشاف ذلك السرّ هو “الذي حملهم إلى الحرب في المقام الأول، لا يحدوهم شيء من تلك الأفكار العظيمة، أو أحلام العظمة والشرف الرفيع، كلّ ما أرادوه هو تجنّب وصمة العار… لم يكن للأمر علاقة بالشجاعة ولا بالبأس في الحرب، كل ما في الأمر هو الرعبُ من أن يُقال عنهم جبناء.”

ليندن جونسن أثناء زيارة القوات الأمريكية في إحدى القواعد العسكرية في فيتنام في 26 تشرين أول 1966.

لا ذكرَ للجبناء في الأناشيد الوطنيّة، ولا عجب، وقلّما تصل قصص الجبناء إلى سجلات التاريخ. وفي هذا يشير ماكس هاستينجز، ذلك المؤرخ العسكريّ البارز ويقول: “لم أجدْ في أيّ مذكّرات حربيّة أمريكيّة أو بريطانيّة أيّ ذكرٍ صريح لحادثةٍ تروي فرار الجنود هلعًا في مواجهة ما، وهو أمر يحصل بطبيعة الحال ولو أحيانًا.” وهنالك مثل إسباني يختصر الأمر ليخبرنا “عن الجبناء ليس ثمّة ما يُكتب”.

ولكنّ العجيب هو أنّ فكرة الجبن قد أهملها حتّى الباحثون الأكاديميون وما يزالون. صحيحٌ أنّ الحرب تقوم نزاعًا على أرضٍ أو مصادر أو سلطة، ولكنّ هنالك اعتبارات أخرى للحرب غير هذه. يحدّثنا المؤرخ روبرت كاغان في كتابه “عن أصول الحرب وحفظ السلام” عن أمورٍ من قبيل الشرف أو العار بالأحرى، لها عميق الأثر في هذا السياق. إنّ الأمم لا تحارب كي تظهر شجاعتها، مثلها في ذلك مثل الجنود أنفسهم، ولعل الدافع الأكبر هو دفع عار الجبن عنها. لقد كان أوبرين مرغمًا على الذهاب إلى فيتنام لأنّه خشي أن تنطبق عليه تلك الكلمات التي قالها الرئيس الأمريكي ليندن جونسون: “إن تركت الحرب وسمحت للشيوعيين بالاستيلاء على فيتنام الجنوبيّة فسأكون جبانًا في عيون الآخرين وسيظنّ الآخرون أنّ الأمّة الأمريكيّة ترضى بالدنيّة.”

قوّة الجبناء

على الرّغم من قدرة الجبن على التواري والتستّر، إلا أنّه لا يصعب تتبّع ظهور هذه الفكرة بشكل قويّ في التاريخ الأمريكيّ. ولنبدأ من يوليو/تمّوز 1775 حين خضع اثنان من الجنود لمحاكمة عسكريّة بعد معركة بانكر هيل. وعند النطق بالأحكام على الجنديّين تحدّث الجنرال جورج واشنطن عن الجبن ووصفه يقول: “إنّها أشنع جريمة من بين الجرائم إن صدرت عن جنديّ، وأشدّها ضررًا على الجيش، وهي آخر ما يمكن العفو عنه، ذلك أنّ الجبن عادةً إن تجلّى في جنديّ واحد فإنّه ينذر بهلاك الجيش بأكمله…”. وبعد عامٍ أو أكثر من كلمات واشنطن هذه، وفي مرحلةٍ من الضعف والهزيمة كانت تمرّ بها قوّات حرب الاستقلال الأمريكية، نشر طوماس باين مجموعة من المقالات بعنوان “المصيبة” مفتتحًا بعبارته المشهورة السائرة: “هذه أوقات تُبلى فيها أرواح الرجال”، ولكنّه يبثّ في السطر الثاني الأقلّ شهرة شيئًا من احتقارٍ للجبن ويسير على ذلك في بقيّة المقالة، فيقول: إنّ الجنودَ الذين اعتادوا الربيع والوطنيين الذين لا يعرفون من الوطنيّة إلا شمسها الوديعة سينسلّون من خدمة وطنهم في وقت المصائب.”

ولكنّ قلق الثوّار الأمريكيين من ظهور الجبن فيهم قد حدّ منه اقتناعُهم بأنّ الإنجليزَ أكثر جبنًا، مع أنّ الإنجليز كذلك كانوا يظنّون أنّ الثوّار جبناء في عمومهم، وهذا ما جعلهم يرون أنّ بالإمكان هزيمتهم بأقلّ عددٍ من الجنود والعتاد.

وقد يصعبُ عليّ أن أبالغ في تقدير مدى انتشارِ خطاب الجبن وترسّخه في المرحلة التي سبقت الحرب الأهلية وحتّى في خضمّها. فمع أنّ المواجهة لمّا احتدمت بين قوات الاتّحاديين وقوات الكونفدراليين في الحرب الأهليّة جعلت كلّ طرف يعيدُ النّظر بمقدار الجبن عن خصمه، إلّا أنّ الجنود لم يتخلّصوا من عقد الجبن، وهذا ما يلاحظه جيمس مكفرسُن في دراسته عن دوافع الحرب الأهليّة الأمريكيّة، حيث قال: “لقد كانوا مشغولين دومًا بدفع تهمة الجبن عن أنفسهم وتجنّب أن يلحق عارٌ كهذا بهم.” وكانت المحاكم العسكريّة التي وقف فيها الجبناء متّهمين أمرًا شائعًا ومعروفًا، وكانت تنتهي بمشاهد من الذلّة وتودي بالمتّهم إلى السجن والأشغال الشاقّة، بل وكان جزاء البعض منهم التعذيب أو حتّى الإعدام.

بعد عدّة عقود جاء دور ألمانيا في الحرب العالميّة الأولى عام 1914 وكلّنا نعلم الأسباب المعقّدة التي أدّت إلى إعلان الحرب حينها، ولكن علينا أن نذكرَ أيضًا أنّ أحد تلك الأسباب هو قلق قيصر ألمانيا من أن يظهر بمظهر الجبان، ولعلّنا نجدُ ذلك جليًّا فيما جاء على لسانه عقبَ اغتيال صديقه فرانز فرديناند حين قال مردّدًا: “لن أجبنَ هذه المرّة.. لن أجبن هذه المرّة.” وحين اندلعت الحرب الكبرى في أوروبا وبقي الأمريكيّون في البداية على الحياد ولم يتدخّلوا فيها خرجَ تيدي روزفلت واتّهم الرئيس الأمريكي حينها، وودرو ويلسن، بأنّه زعيم “ثلّة من الجبناء.” وجاء الردّ من ويسلن مدندنًا حول الفكرة نفسها، فقال: “لن أورّط نفسي في حربٍ كلّما قام أحد أعضاء الكونغرس أو مجلس الشيوخ غاضبًا ووصفني بالجبان.” ولكنّه أذعنَ في نهاية المطاف وتوجّه إلى مجلس الشيوخ طالبًا منهم إعلان الحرب، وصار التحذير من عار الجبن وخزيه من أهمّ الوسائل لتجنيد الناس وتعبئة الدولة.

خشيَ الأمريكيّون العدوّ في الحرب العالمية الثانية، ولكنّهم ما فتئوا ينعتونهم بالجبناء أيضًا. حدثَ عشيّةَ غزو صقليّة عام 1943 أنْ قام الجنرال جورج باتون مخاطبًا الجنود الأمريكيين ذوي الأصول الألمانيّة والإيطالية قائلًا لهم إنّ أجدادهم قد تحلّوا بالشجاعة حين تركوا أوروبا بحثًا عن الحريّة- وتلك هي صورة الشجاعة التي تتناقض مع جبن الأعداء أمامهم وخنوعهم أمام الاستبداد. ووضّح يقول: “… أمّا أجداد هؤلاء الذين سنقضي عليهم فلم يكن لديهم من مؤونة الشجاعة ما يكفي للتضحية وفضّلوا أن يعيشوا حياة العبيد.” وفي هذه الحملة وقعت تلك الحادثة الشهيرة حين صفع باتون جنديًا من جنوده أنهكته المعارك ونعته بالجبان، وتكرّرت هذه الحادثة مرّتين. أمّا في ألمانيا وروسيا في تلك الفترة فقد كان الإعدام مصير عشرات الآلاف من الجنود الذين فرّوا من الخدمة أو ارتكبوا أفعالًا توصف بالجبن كإبداء الاستعداد للاستسلام للعدوّ.

وفي العام 1975 أعلنت الولايات المتّحدة انسحابها من فيتنام، كما ستفعل في بيروت عام 1983 والصومال عام 1993، وهي أمثلة اعتمد عليها أسامة بن لادن في حديث له عام 1996 للتدليل على جبن الأمريكيين، مؤكّدًا كذلك أنّ الجبن عند المسلمين “هو ما يقف حائلًا دون نهوضِهم في وجه التواجد العسكريّ الأمريكي في بلاد الحرمين”، ولأنّ الأمريكيين جبناء أصلًا فإنّ هذا يعطي الأمل بالانتصار عليهم في رأيه. واستمرّ الأمر حتى هجمات الحادي عشر من سبتمبر، فنهض جورج بوش الابن وهيلاري كلنتون والعديد من الأمريكيين ليصفوا تلك الهجمات بأنها أعمال جبانة، فبدأ المنطق ذاته مرّة أخرى: ما فعله الإرهابيون كان مجرّد عمل أرعن وجبان، وجبنُ هؤلاء الإرهابيين دليل على أنّ بالإمكان القضاء عليهم، كما أنّه سيكون من الجبن أن لا نهاجمهم ونردّ لهم الصاع صاعين.

وتكرّرت ثيمة الاتّهام بالجبن أو الخشية منه كثيرًا منذ ذلك الحين. ففي مطلع العام 2002 أثناء احتلال أفغانستان ألقى الجيش الأمريكي منشورات عليها صورةٌ لابن لادن يظهر فيها حليق الذقن كاشف الرأس يرتدي بدلةً أنيقة كرجال الأعمال، مكتوبٌ عليها بالبشتونية: “المجرم الجبان أسامة بن لادن قد تخلّى عنكم”، وهنالك نسخة أخرى بالإنجليزية أنتجتها وزارة الدفاع لتستهلك أمريكيًّا.

أمّا داعش فلم تنسَ كذلك أن توظّف هذه الفكرة في حملتها وليس أدلّ على ذلك من مقال ظهر في مجلّة إنجليزية تنسب إليها جاء في مطلعها: “إنّ أمريكا في أشدّ لحظات خورها وجبنها قد أكّدت لشعبها أنّها لن تقحم نفسها في الحرب مباشرة ضد الدولة الإسلامية ولكنّها ستعتمد على عملائها من المرتدّين في المنطقة.” ثم تصف المقالة أولئك “العملاء” أنفسهم بأنّهم “مقاتلون مخنّثون من حزب العمّال الكردستاني والبشمرجة.”

التطلّع إلى الشجاعة

إنّ الاعتقاد بجبن الآخر والخوف في الآن ذاته من الاتّهام بذلك ممّن هم في طرفه يؤدّيان إلى خلق حالة من الثّقة قد تصل إلى الطيش أحيانًا. فربّ حربٍ اندلعت لدفع هذه التهمة، وربّ حرب استمرّت لإثبات عكسها، علمًا أنّ هذا النسق موجود وشائع بل ولعلّه يكون من السّمات الأساسية التي يجري اللعب عليها في كلّ حرب. وليس عار الجبن بأمرٍ يخشاه رجالات الحرب والجنود وحسب. فها هو ذا غاندي يعلن أنّه يفضّل العنف على الجبن إن وقع الاختيار بينهما، وتابع يقول: “إنني أفضّل أن أرى الهند تحاربُ دفاعًا عن شرفها على أن تصبح أو تبقى عاجزةً جبانة أمام ما حلّ بها عار.”

ما الذي يا ترى يمنح هذه الفكرة قوّتها ومن أين تستقي سطلتها؟ صحيحٌ أنّ التقاليد الشعبية والعقائد العسكرية حول العالم تعرّف لنا الجبن بأنّه أنْ يتخلّف المرء عن أداء مهمّة ما بسبب فرط الخوف، ولكنّ هذا التعريف ينضوي على إشكالات عديدة؛ فما هو الواجب ومن الذي يحدّده ومن الذي يفرضه؟ وماذا يحصل لو تضاربت المهام؟ وأليسَ تحديد فرطِ الخوف حكمًا شخصيًّا؟

قد تسهل الإجابة على هذه التساؤلات عند داعش، فالواجب هو ما يفرضه “شرع ربّ العالمين” لأنّ “دولة الإسلام قامت، وبدا العزّ المهيب” وذلك بفضل “رجال أوفياء لا يهابون الحروبَ” كما يقولون في نشيدهم المشهور “أمتي قد لاح فجر“.

ولكنّ الأمر ليس بهذه البساطة في الولايات المتّحدة، أو يجدر بالأحرى أن لا يكون كذلك. فالأمريكيون يصدحون كذلك بأنّ بلادهم هي موطن الشجعان، ولكنّ بعضهم يعلمون كذلك أنّ الخوفَ من الحرب فيه شيء من الحكمة، وأنّ الواجبَ حين يحتّم إرسال جنود إلى المعارك، فإنّ الصّدمة والهلع قد يحطّمان أشجع الرجال، وهذا لا يعني أنّهم جبناء. يعلّمنا التاريخ أنّ خوف المرء من أن يكون جبانًا أو يظهر كذلك قد يورده المهالك، كما تظهر لنا خبراتنا في عصرنا هذا أنّ استخدام فكرة الجبن والتخويف منها لم تزد الطين إلا بلّة في الكثير من الأحوال.

إنّ قضيّة الجبن عصيّة على التحديد وتشوبها الكثير من التناقضات؛ إنّها تدفع البعض للتفكير ربّما بأنّ ما قامت به الولايات المتّحدة من انسحاب من العراق وأفغانستان يثبت ما قاله ابن لادن عن جبن الأمريكيين وأنّ أمريكا بسياستها الخارجية ستجعل من نفسها مجرّد دولة ديمقراطيّة استهلاكيّة معزولة عن بقيّة العالم كما رأى ذلك ألكسيس دي توكفيل قبل فترة طويلة. وقد يسأل البعض عن استعداد الولايات المتحدة للخوض في الحروب وهل أنّ هذا عائدٌ إلى ذلك الخوف الزائد، حتّى لو كان خوض الحرب يعني لها الآن إرسال أعداد أقل من الجنود وزيادة أعداد تلك الطائرات بلا طيّار؟ هذا ما يقوله الآخرون عنّا على الأقل، وهذا ما يجدر بنا التفكير به بشكل أعمق للإجابة عليه. علينا أن نعيد التفكير بحقيقة واجباتنا وحقيقة الأمن الذي نريده لنا ولحلفائنا، أن نفكّر بالدستور والقوانين والتاريخ والمستقبل. وختامًا، يبدو لي أنّ فكرة الجبن رغم إعراضنا عن النّظر فيها والبحث عنها ما تزال خطيرة جدّ خطيرة.

حنا أرندت. في ذكرى وفاتها

حنة آرندت.. فيلسوفة تفكيك الشمولية

نشرت هذه المقالة في ألترا صوت في 11 كانون أول2015

http://goo.gl/bJseYb

نشرت هذه المقالة عن بعض أعمال الفيلسوفة حنا أرندت بعد وفاتها في 4 كانون أول 1975 وقد كتبتها صديقتها جوديث شكلار أستاذة العلوم السياسية في جامعة هارفرد، ونشرت أوّل مرة في 27 كانون أوّل 1975، وأعادت صحيفة ذا نيو رببلك نشرها قبل عدّة أيام في ذكرى وفاة أرندت.

إنّه لجدير بحياة الفيلسوف ومماته أن يحوزا أكثر من مجرّد أثر شخصيّ علينا. حين توفّيت حنا أرندت في 4 كانون أول 1975 نعاها أصدقاؤها وطلابها، ولعلّ البعض أدركَ حينها أنّ الثقافة التي تشظّت حالها قد فقدت آخر ألمع أصواتها، فلم يعد هنالك من يتحدث بوضوح وعمق عن تجربة يهود ألمانيا، فقد كانت أرندت من الثلة الباقية من جمهورية روحية كان تاريخها الاجتماعي فظيعًا وعابرًا بقدر ما كان مصدر إشعاع وذا أثر باق على المستوى الفكريّ.

لقد بدأت أرندت عملها فيلسوفةً في موضوع لم يكن مرتبطًا باليهود ولا بالألمان، بل كانت لها أطروحة تناولت فيها مفهوم الحبّ عند سانت أوغسطين، إلا أنّها سرعان ما أدركت أنّه ليس من الممكن المكوث طويلًا عند التاريخ ولذلك انتقلت إلى دراسة حياة أول الممثّلين لعملية الاندماج اليهودي وهي راحيل فارنهاجن (1771-1833). ولم يكن القصد من ذلك كتابة ترجمة عن هذه الشخصية بقدر ما كان محاولة للنظر في وضع تلك المجموعة ومعرفة مآلاته. لقد كرست راحيل حياتها كاملة بعد خروجها من الغيتو لدراسة غوته والتعمق في الشعر الألماني بشكل عام. ولم تتمكن راحيل من التعايش مع يهوديّتها، وهي الهويّة التي كانت تخجل منها، إلا على فراش موتها. ولم يكن من الممكن رؤيتها إنسانة بالمعنى الحقيقي، كما رآها هنريك هاينه، إلا في تلك اللحظة. ورغم أنّ أرندت لا تميل إلى التعاطف مع هذا الضعف الأخلاقي، إلا أنّها لم تكن لتردّ تلك التطلعات الكونية لتلك الحياة الفرديّة. وحين كتبت أرندت بعد عدة سنوات عن روزا لوكسمبرغ، والتي كانت معجبة بها أيّما إعجاب، لم تنس أن تذكر معرفة بطلتها العميقة ومحبتها للشعر الألماني. ولم يكن ذلك كلّ شيء. لقد كانت ثقافة التنشئة الألمانية “البيلدنج” منذ القرن الثامن عشر تمنح من يلتزم بها معرفة كاملة وتعلقا كبيرا بالكلاسيكيات، خاصة بالآداب والفلسفات اليونانية. ومع أنّها لم تنسَ القدس قط، إلا أنّ الحياة الفكريّة لأرندت قد تشكّلت في كل منعطفاتها بذاكرة مرتبطة بأثينا.

وبهذا الإرث شرعت أرندت في عملها كمنظرة في المجال السياسيّ، وكانت التجربة الأكثر قوّة وأبلغ تأثيرًا عندها وعند معاصريها هي تجربة المنفى. ليس من السهل التعبير عن آلام المنفى بشكل مباشر ويكاد يستحيل نقل صورة عن هذه الآلام لمن لم يكابدها. ومع هذا فإنّ أرندت تناولت في أولى مقالاتها السياسية هذا الموضوع، وبطابع فلسفي بحت. وبصرف النظر عمّا كانت تتمتع بها فكرة حقّ الإنسان أمام حقّ الدولة، إلا أنّها ترى أنّه في عالم الدول الوطنية صار عدم الانتماء إلى دولة يعني أنّ الإنسان لا يتمتع بأي حقوق، وبات الانتماء إلى مجتمع سياسي هو الحقّ الأول للإنسان، ومن دون هذه العضويّة يكون الإنسان مشردًا غير مرغوب فيه، أي أنّه يصبح فضلة لا قيمة له. وقد شكّلت تلك المقالة وتحليلها للطريقة التي استحال فيها الإنسان إلى فضلة الأساسَ الذي قام عليه كتابها الأول والأكثر شهرة: أسس التوتاليتارية، والذي لا يتناول بدايات هذا الشكل من أشكال النظام، وإنّما يحلله من ناحية جوهريّة. وقد بحثت أرندت على خطى أرسطو ومونتسكيو عن مبادئ التوتاليتارية لا عن تاريخها. وفي حين كان الخوف هو المبدأ الذي اعتمدت عليها الأنظمة المستبدة القديمة، فإن العنف هو ما اعتمدت عليه الأنظمة التوتاليتارية الحديثة، وهي متميّزة عن سواها ليس لما تمتلكه من أدوات تقنية وتنظيميّة وحسب، ولكن لجوهر التنظيم الذي تقوم عليه أيضًا، إذ إنّ هدف هذه الأنظمة هو العنف كغاية في حد ذاته. ولم يكن ما يحرّك حكّام تلك الأنظمة مصالح ذاتية ولا الأموال ولا زيادة السلطة بقدر ما يحرّكهم رغبةٌ لتحويل الناس إلى أدوات للسلطة منزوعة من شخصيّتها لتستخدم من قبلهم، ولهذا قاموا بوضع آليّات جديدة تمامًا للحكم والسيطرة. لقد كانت أوروبا حين أجهزت الإمبريالية ومعاداة الساميّة على نظام الطبقات والدولة فيها جاهزة للعرقيّة والحرب الطاحنة والأحزاب التوتاليتارية وقادتها. لقد آل عالم الجماهير إلى حتفه. ثم صار من الرائج انتقاد فكرة التوتاليتارية بوصفها اختراعًا من زمن الحرب الباردة صمّم خصيصًا لاستغلال وتوجيه الأفكار المعادية للفاشية من أجل مواجهة روسيا السوفياتية. وبغض النظر عن مقدار الحقيقة في ادعاء كهذا، إلا أنّه لا ينطبق على كتاب أرندت، ذلك أنّ نطاقه كان أوسع مما يوحي به العنوان. فلم يكن الكتاب معنيًا بتناول أشخاص أو حكام بعينهم بقدر ما كان معنيًا بتحليل ديناميكيات تصدّع الحياة العامّة في أوروبا. ووفقًا لهذه النظرة فإن التوتاليتارية تصبح النموذج والاحتمال المستمر لعالم أقل ما يمكن وصفه به هو أنّه فقد نصف عقله.

أمّا كتابها الثاني والأكثر عمقًا فقد كان بعنوان الوضع البشريّ والذي يتناول قصة شبيهة ولكن بنفَس مختلف وأقل تشاؤمًا. إنه بيان لذلك الانعكاس العظيم في القيم الذي يجعل العالم الحديث الوجه الآخر للعصور القديمة. فإن كنا نريد أن نفهم أنفسنا، فإن علينا النظر إليها بمقارنتها مع اليونان، وإن لم نعد قادرين على التفكير مثلهم، فإنّنا أيضًا لن نكون قادرين التفكير من دونهم. ومع أنّ أرندت لم تُظهر تلك النوستالجيا التي كانت شائعة بين مفكري المنفى الآخرين، إلا أنّها كانت تتوق إلى تلك الحكمة الضائعة للفلاسفة القدماء، وذلك لأنهم كانوا يضعون التأمل في أعلى المراتب في حين كانوا ينظرون إلى العمل على أنّه أدنى مراتب السعي البشري، أما نحن ففعلنا العكس وأضعنا وجهتنا ووعينا بذاتنا. لقد كانوا يحتفون بالنشاط العام، أمّا نحن فنسينا أنّ الخصوصيّة ليست إلا حالة من الحرمان المدنيّ. وفي حين كانوا هم ينظرون نظرة ثانوية إلى الأعمال الاقتصادية أصبحنا نحن نعبدها. لقد حافظت المسيحية على الأقل على شيءّ من تلك الحياة المجتمعية التأملية، ولكن العلوم الطبيعية وذلك الجنوح نحو الشكّ بطريقة منهجية موجّهة نحو الذات دمّرت ذلك، وبدل أن تعمل على تحريرنا وضعتنا على محكّ الحتميّة. إننّا نتعلق بالعيشِ فحسب بعد أن تغرّبنا عن عالم الطبيعة والتاريخ، ولم نعد قادرين على إدراك الحقيقة وبتنا محرومين من الإدراك السليم والسلطة والتقاليد. لقد حرمنا أنفسنا من ميراثنا، حتّى بعد غياب تلك الأنظمة المحكومة بالشر الخالص. وما منح كتاب الوضع البشريّ أهميّته ليست الرسالة التي احتواها وإنّما الطريقة التي سلكتها أرندت في بيان آرائها في الكتاب وذلك في نسق من فلسفتها التأمليّة وتاريخ الأفكار والتجربة المشتركة حيث يأتلف ذلك كله في شبكة واحدة تذكّرنا كثيرًا بهيجل.

في الثورة هو الكتاب الأخير في ثلاثيتها في مجال النظرية السياسية. وقد يبدو هذا الكتاب لأول وهلة كأنه احتفاء بتلك الثورة الأمريكية التي نجحت بينما فشل ما سواها. لم يكن الثوار الأمريكيون مضطرين للتعامل مع المسألة الاجتماعية وذلك لأنّهم لم يكونوا في حالةٍ من البؤس، كما لم يكونوا مدفوعين نحو سياسة الشفقة كما كانت الحال عند اليعاقبة فيما أصبح بعد ذلك سياسة العنف. كما أنّ الآباء المؤسسين كانوا قد ساروا على نهج مونتسكيو وكانوا يدركون أنه لا انفصال بين السلطة والحرية. أمّا الفرنسيون فكانوا مخلصين لأفكار روسو وانتقلوا من الحكم الملكي المطلق إلى الحكم الشعبي المطلق باحثين وراء إرادة عامّة بلا قيد. وقد أتاح توزّع السلطة على نطاق واسع أن يقوم الأمريكيون بوضع دستور لهم بأنفسهم بدل أن يُفرض عليهم من سلطة عليا. وبالرغم من هذه الإشادات التي ترد في الكتاب، إلا أنّ أرندت أنهت كتابها بالتنويه إلى ذلك النّوع من الوطنيّة الذي لم يكن مجرّد امتنان المهاجر إلى تلك الأرض. ولعلّ التبرّم بالانحدار المتواصل هو أحد علامات الوطنيّة الأمريكيّة الآن، وهو تبرّم نجده أيضًا لدى أرندت. إنّ النجاحَ الثوريّ قد أغرى بحالةٍ من الفتور الأخلاقيّ والفكريّ وعدم اكتراث بالمشاركة السياسيّة وكان هذا من أسباب النجاح الأولى. وقد رأت أرندت كما رأى من قبلها دي توكفيل أن المؤسسات التطوعية والتأكيد على الحقوق السياسية للأقليات هو أفضل أمل وأعظم قوة للفضيلة العامة في أمريكا. ومن دون هذه الأشكال من الوقاية ضدّ الوهم والكذب والخداع، فإن أولئك الذين يدّعون القدرة على حلّ المشاكل مّمن انتشروا كالوباء في حكوماتنا سينجحون في خلق واقع مضادّ تكون فيه الحكومة هيئة للحساب والناس فيه عوائق لا بدّ من التخلص منهم.

لقد احتلت فكرتا الانحدار والفساد مكانة أساسية في فكر أرندت بوصفهما موضوعة كلاسيكية. وإن كان هتلر قد قدّم الدافع المباشر، فإنّ أفلاطون وأرسطو هما أساسان سابقان من أسس فلسفتها. ولم تكن أرندت لتعقد مقارنات سخيفة بين جمهورية فايمر الألمانيّة وأمريكا، ولكنها لم تكن لتتحول إلى النظرية السياسية لولا النظر في حال تلك الجمهورية ولما انتقلت لدراسة سياسة العنف كميدان رئيس لأبحاثها. إن الفلسفة السياسيّة فكرة مأساوية، ومن دون امتلاك شعور درامي بالمصير والتحوّل لا يمكن لأي مفكّر الانتقال إلى هذا الموضوع البغيض. لقد كانت قوة المنطق وازدراء الوهم هما ما دفعا أرندت للنظر بحذر إلى الواقع السياسيّ. ولا شكّ أنّها حققت نصرًا فكريًا عظيمًا من أجل أن تقدّم ما تعدّه هي فكرا متناسقًا ومفهومًا للآخرين، وقد كان هذا نصرًا على المستوى الشخصيّ لها، وعلى مستوى الخطاب السياسيّ المفتوح وتقاليده أيضًا.

بندكت أندرسن والمجتمعات المتخيلة

بندكت أندرسن

1936-2015

بندكت أندرسن و

سانديبتو داسغوبتا، أستاذ الحضارات المعاصرة في جامعة كولومبيا.
ترجمة محمد زيدان

نشرت في ألترا صوت 28 كانون أول 2015

http://goo.gl/iWeLV7

يرتبط اسم بندكت أندرسن بكتابه الشهير “الجماعات المتخيّلة” وهو ذلك الكتاب الأثير الذي تحدّث فيه عن القوميّة وبزوغها في العالم الحديث وهو واحد من بين أهمّ الكتب الأكاديميّة التي ظهرت في منتصف القرن العشرين.
أمّا في أوساط الباحثين والأكاديميين في أندونيسيا، حيث توفّي في الثالث عشر من الشهر الجاري، فقد كان يعرف أندرسن أساسًا بأنّه أستاذٌ مختصّ بالدراسات الأندونيسيّة، أو لعلّنا نقول هنا “أندونيسيّاتيّ”.
لقد كانت أندونيسيا موضوع دراسات أندرسن في مرحلة الدكتوراه، وقد تناول أوّل إصدار له كتبه مع عدد من زملائه من جامعة كورنل أحداث المذابح التي راح ضحيتها 600 ألف أندونيسي بين عام 1965 و 1966 في فترة استبداد اليسار الشيوعيّ في البلاد والتي انتهت بوصول الجنرال سوهارتو إلى سدّة الحكم عبر انقلاب عسكريّ. وقد تسبّب كتابه هذا في منعه من دخول أندونيسيا إلى أن تنحّى سوهارتو عن الحكم عام 1998 وكان أندرسن قد نعته “بالمستبدّ من الدرجة الثانية”، وهو وصف ظلّ عالقًا في أذهان الكثيرين.
عنيَ أندرسن بمنطقة جنوب شرق آسيا بشكل عام، وكان يتقن الأندونيسية والجاويّة، كما كان يتحدّث باللغتين الأساسيتين في الفلبين وتايلاند وهما لغة تاغالوغ والتايلندية، وكتب بغزارة عن سياسة وثقافة وآداب هذه البلدان الثلاثة.
ومن خلال ما حازه من فهم ومعرفة عميقة وواسعة بالتطورات السياسية في جنوب شرق آسيا تمكّن أندرسن من وضع الكتاب الذي سيخلّد اسمه، فقد كان مطّلعًا على تفاصيل الأوضاع السياسية في دول العالم الثالث بعد مرحلة الاستعمار وكان شاهدًا واعيًا على مركزيّة القوميّة ولاسيّما في المشاريع السياسيّة التقدّميّة الاشتراكيّة والمناهضة للإمبرياليّة، بل ولعلّها تجاوزتها في بعض الأحيان. وقد بدأ أندرسن كتابه “المجتمعات المتخيّلة” بالإشارة إلى الحروب التي اندلعت بين فيتنام والصين، وهما دولتان تنتميان إلى المعسكر الاشتراكيّ الثوريّ، ولكنهما كانتا تتنازعان على أسس قوميّة.
لقد وجد أندرسن أنّ الماركسيّة- التي كان الأقرب إليها سياسيًا وفكريًا- عجزت عن تقديم تحليل وافٍ لظاهرة القوميّة، بل عجزت حتّى عن التعامل بجديّة معها، وهذا الحكم يسري على الماركسيّة وسواها من النظريات والحركات الفكريّة السياسيّة. يقول أندرسن: “بدا لي أن الإخفاق في الإمساك بتلابيب القوميّة ذلك الإمساك العميق ليس مقتصرًا على الماركسيّة بأي حال من الأحوال، ويمكن، بل يجب، توجيه النقد ذاته إلى الليبرالية التقليدية، وعلى الهامش إلى النزعة المحافظة التقليدية.”
أما النتيجة فكانت تلك الحالة العجيبة التي تشكّل فيها ظاهرة بعينها معظم الخطاب السياسيّ القائم فعلًا حول العالم بالرغم من شحّ التأملات النظرية حولها، فالقوميّة لم تنتج مفكّرين كبارًا من طراز هوبز أو توكفيل أو ماركس أو فيبر كما يقول أندرسن في كتابه.
لقد كان “المجتمعات المتخيّلة” عنوان الكتاب والإطار المفهومي الذي حاول أندرسن من خلاله ردم الفجوة التنظيريّة في موضوع القوميّة. لقد رأى أندرسن أنّ القوميّة تولّد مشاعر من الإخاء والأواصر الوثيقة بين أفراد مجتمع ما، رغم أنّهم لم ولن يلتقوا فيما بينهم أبدًا، ولهذا فإنّ هذه الأمّة تتشكّل عبر عمليّات من التخيّل. ورغم بساطة هذا التعريف إلا أنّ النطاق الذي يستدعيه هائل للغاية، ويكمن إنجاز أندرسن في هذا الكتاب في مقدرته على الخوض في غمار هذا النطاق بخطى عميقة وثابتة.
يرى الكتاب أنّ من شروط تشكّل القوميّة هو ذلك الفراغ الذي تركه تراجع وجود الجماعة الدينيّة. ولكنّ أندرسن قد كان في هذا الدين الجديد رجلًا بلا كنيسة، فقد ولد في الصين، من أصل إيرلندي إنجليزي، ودرس في إنجلترا والولايات المتحدة، وعمل في أندونيسيا ووقع في غرامها.
وبخلاف صورة الملحد الصلف الذي لا يرى في الدين سوى دليلٍ على جهالة الناس، لم يكن أندرسن يستاء من الحكايات والرموز الدينية التي كان يدرسها، كما أنّه لم يستخدم كلمة “متخيّل” ليدلّ على أمر خاطئ أو وهميّ، وإنما كان يسعى بكل ما لديه من فضول قارئ نهمٍ لحكايةٍ مشوّقة إلى فهم البنى المختلفة لفعل التخيّل هذا وأفقه الإبداعيّ.
كان أندرسن يدرك أنّ وصفنا لأمر ما بأنّه مركّب اجتماعيّ لن يقدّم جديدًا، ولكنّ الأمر المذهل والأكثر أهمّية هو تفصيل المنطق الذي ينطوي عليه هذه المركّب. لقد لاحظ أندرسن كما أسلفنا أنّ غالبيّة الأفراد في جماعاتهم لا يلتقون بعضهم البعض، ولا شكّ أنّ عمليّات التخيّل التي تخلق الجماعات وتمنحها ذلك الشعور بالوحدة والمعنى هي عمليّات ذات طبيعة سياسيّة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وذلك الإصرار على فهم الطريقة التي تسلكها بعض السرديّات في الاستحواذ علينا، والإمكانات الكامنة في تلك السرديّات، هو بحدّ ذاته مشروع سياسيّ.
لهذه “الجماعات المتخيّلة” قصّة يشترك في بنائها العديد من الأطراف، أهمّها الرواية والصحيفة، وقد كانت رأسماليّة الطباعة كفيلة بمنح دور نجوميّ للكلمة المطبوعة في هذه القصّة. لقد قامت تقنية الطباعة بقدرتها على توفير أعداد كبيرة من الكتب وتحمّس الرأسمالية في البحث عن أسواق لبيعها على تكوّن مجتمعات قارئة بلغة واحدة هي اللغة المحليّة، وقد كان هذا أساسًا في تشكيل الوعي “القوميّ” الجديد.
بالإضافة إلى اهتمام أندرسن بتحليل هذا المركّب وسرديّاته، فإنه قد أبدى كذلك قدرًا كبيرًا من الاهتمام بالعناصر الأدبية للرواية والصحيفة، والعالم الذي خلقته تلك الكلمات. لقد درس أندرسن بنية تلك السرديّات وحبكاتها كي يدلّنا على الطريقة التي وفّرت بها تلك الروايات القدرة أمام الناس على تخيّل زمان ومكان مشتركين بذلك القدر من “الثقة اللافتة بجماعةٍ غُفلٍ تشكّل غفليّتها العلامة المميّزة للأمم الحديثة.”
إن النطاق الواسع للموادّ التي عرضها أندرسن وتنقّل بينها بثقة عالية خلال الكتاب قد جعلت من “الجماعات المتخيّلة” واحدًا من تلك الكتب النادرة التي احتلت مكانة لا تُدانى عبر التخصصات والمسالك الأكاديميّة. أضف إلى ذلك أنّه ومن دون ادّعاءات فارغةٍ قد تمكّن من الخروج من عباءة أفكار سائدة ممّا عرّضه لانتقادات واسعة من العديدين، ولعلّ هذا ما نجده في مراجعة أحدهم للكتاب حين قال إنّه أكثر ماركسيّة ليكون ليبراليًّا وأكثر ليبراليّة من أن يكون ماركسيًّا.
ولكنّ القيمة التي يمثّلها هذا الكتاب ليست في تبنّي الخطّ الصحيح من القوميّة، ماركسيّة أو ليبرالية، وإنمّا تكمن قيمته في أنّه فتح أبوابًا للتفكير بمنهجيّة مختلفة في شأن القوميّة. فالكتب الجيّدة تقدّم لنا آراء مقنعة، أمّا الكتب العظيمة فتولّد أسئلة جديدة ينشغل بها الأكاديميون والقرّاء، ولا شكّ في أنّ كتاب أندرسن ينتمي إلى هذه الفئة العظيمة من الكتب.
صدر كتاب “الجماعات المتخيّلة” عام 1983، ولم يلبثت طويلًا حتى شهد العالم بأسره تغيرًا واسعًا في السياسات القوميّة وتناولها الأكاديميّ. فقد شهدنا في الفترة التي تلت صدور الكتاب مرحلة من الصراعات في أوروبا الشرقية بعد انهيار جدار برلين، وصعود التكتلات اليمينية العرق-قوميّة مما كشف وجهًا من السياسة القوميّة أشدّ قتامةً مما تصوّره أندرسن. وبعيدًا عن الغرب فقد وُجّهت الكثير من الانتقادات للمشاريع القوميّة في مرحلة ما بعد الاستعمار وما حدث من تأييد اليسار لهذه المشاريع، وهو أمر كان كفيلًا بالإضرار بتلك السمة التقدّمية التي ألفاها أندرسن في القوميّة في العالم الثالث.
في هذا السياق نجد أنّ الاحترام الأكاديمي الذي يكنّه أندرسن للقوميّة قد ظهر للبعض على أنّه مشوب بالرومانسيّة، حتّى إنّ البعض قد تساءل عمّا إذا كان أندرسن نفسه في خضمّ دراسته للسلطة المغرية للمخيال القوميّ قد وقع هو الآخر تحت تأثير هذا الإغراء.
في عمل لاحق له حاول أندرسن أن يجيب عن هذه التساؤلات وذلك عبر التفريق بين القوميّة وسياسات الإثنيّة، حيث دعى تلك الأخيرة “الابن غير الشرعيّ للقوميّة”. تعتمد سياسة الإثنية بشكل كبير على عضويّة الفرد في طبقات محدودة وثابتة يلزمه الانتماء إليها وإلا كان عرضة للاستثناء والتهميش. أمّا النطاق التخيّلي للقوميّة فقد اشتمل على إمكان العالميّة، إذ يفتح التخيّل آفاقًا جعلت أندرسن نفسه يرى أنّ أندونيسيا هي الوطن الأقرب إليه.
قد يتساءل المرء عمّا إذا كان هذا التمييز يتوافق مع أي سياسة قوميّة قائمة اليوم، ولكنّه من غير الإنصاف على أيّة حال أن نصف محاولة أندرسن في بيان الإمكانات التحررية والتقدمية للممارسة التخيّليّة التي تؤسس الجماعة التي ندعوها الأمّة.
لعلّه من الأفضل النظر إلى ما يولّده كتاب أندرسن من أمل يحمله ذلك الفضول الفكريّ العميق حول الطريقة التي يفهم بها الناس في عصرنا الحديث عوالمهم، والالتزام السياسي بالرؤى التي تسعى نحو التحرر. وهل ثمّة أسباب أفضل للأمل من هذه، وهل ثمّة حافز للمفكر أسمى منها؟

المصدر: https://www.jacobinmag.com/2015/12/benedict-anderson-obituary-imagined-communities-nationalism-indonesia/

قراءة شاعر ميّت

نشرت الترجمة في العربي الجديد 29 كانون أول2015

http://goo.gl/GTgMQS

قراءة شاعر ميّت
سأكتب دائماً عن الأحياء
بحواسّي
حبّة رمان، أصوات الريح، الشاي
وأحياناً بما وراء ذلك
الحب، الحدود، البحر
وحتّى النادر الغريب

وحين أمَلُّ
ألتقطُ كتابك
وأتأمّل الموت

في منتصف الليل
تقرض الفئران الوقت
في إحدى الزوايا المظلمة
وتقضم سطورك

أو لعلّها جذورٌ
تمتدّ عميقاً
لتعثر على عنوانها

أمرٌ ما يتجاوز الحواسّ
يقلب الأشياء على أعقابها
فيمسي العنوان أبعد
مِنْ أن تُدرك العين مداه
ولا يسعُ السطورَ أن تكون أعمق

ما زلتُ هنا، لكنّك رحلت
لا شيء أشد غرابة
من أن أقرأ ترجمتي
لقصائدك
سأكتب دائماً عن الأحياء

يدٌ شبحية
(في ذكرى شاعر)
الأسماء أساطير باقية
أسطر تتسلل إلى ثقب المفتاح

إصبع سبّابة يرسل شرراً
ويحصد صفحة من النثر

الكلمات تُقرأ على التلاميذ
تصفر عبر نفق مظلم

على رقعة الشطرنج
يفقد بيدق ذراعه

رأس قلم يتعثّر على مخطوطة
مكتوبة بيد شبحية

* Chris Song Zijiang شاعر صينيّ من مواليد غوانغدونغ عام 1985 ويقيم اليوم في هونغ كونغ. صدرت له مجموعتان شعريتان، وترجمَ أكثر من عشرين مجموعة شعرية بين الصينية والإنجليزية.