عن مكتبات تركيا

عن مكتبات تركيا

نشرت هذه المقالة في ألترا صوت في31 تشرين أول 2015

http://goo.gl/zMB9Fe

قبل قرابة 100 عام كانت فكرة أن يكون التركيّ سائقًا لقطار أو مهندسًا أو موظّفًا في مصرف فكرةً خياليّة في تركيا نفسها كما يذكر إريك زوركر في كتاب تاريخ تركيا الحديث. فقد كان هنالك في قطاع المصارف مثلًا 19 بالمئة فقط من الموظفين المسلمين العثمانيّين في بداية القرن العشرين، والبقية من المسيحيين واليهود. أمّا اليوم، فنرى أن تركيا قد أطلقت أقمارها الصناعيّة محليّة الصنع إلى الفضاء، وصارت في عداد الدّول ذات الاقتصادات الناهضة ونسب النموّ الكبيرة رغم الأزمات الماليّة التي تعصف بالعالم، بل وصارت على أعتاب أن تصبح واحدةً من الدول الصناعية كما أنّها تخطو خطوات جدّية، وإن كانت دومًا غير كافية وغير مكتملة بسبب الأزمات الداخلية والخارجية، لتصبح دولة من دول الرّفاه في المنطقة، وذلك بفضل إمكاناتها ومصادرها الطبيعية والإنسانية.
أنا أعمل في إسطنبول في إحدى الجامعات التي تضمّ واحدة من أكبر المكتبات في إسطنبول وأكثرها شهرة بين الطلّاب والباحثين خاصة في مجال الإنسانيات والعلوم الاجتماعية، ولكنّ هذه المكتبة تضمّ قرابة 350،000 كتاب، وإذا ذهبت إليها بعد الظهر فلن تجد على الأغلب مقعدًا أو طاولة تستقبلك في بعض الأيام نظرًا لتواضع حجمها، مقارنة بعدد الطلاب والباحثين الذين يرتادونها. وحين أسأل الطلّاب في الجامعة عن القراءة على المستويات الشخصيّة فقلّما تكون الإجابات تدلّ على ثقافة قراءة راسخةٍ على مستوى طلّاب الجامعات. وقد دفعني ذلك إلى محاولة الوقوف على بعض الأرقام والإحصائيات المتعلّقة بالأمّية ونسب القراءة وعدد الكتب في تركيا، وما وجدته كان مثيرًا للاهتمام.
كانت تركيا وحتى قبل سقوط السلطنة وإلغاء الخلافة في حالة من الأمّية العامّة مقارنة بجاراتها في أوروبا، حتّى أنّ إريك زوركر، صاحب كتاب تاريخ تركيا الحديث آنف الذكر والذي وُفّق إلى ترجمته عن الإنجليزية الأستاذُ اللبنانيّ عبداللطيف الحارس، يذهب إلى أنّ مصطفى كمال حين اعتمد الحروف اللاتينيّة لم يلقَ معارضة شعبيّة عارمة وذلك أنّ نسبة المتعلمين المسلمين القادرين على القراءة حينها كانت منخفضةً للغاية ومرتكزة في إسطنبول ولم يكن ذلك التغيير ليؤثّر على الحياة اليوميّة للغالبية العظمى من أولئك النّاس الذين لا يجيدون القراءة ولا الكتابة حينها ولم يلتقوا بالدّولة ومؤسساتها أصلًا في حياتهم إلا نادرًا.
أمّا في عصرنا الحاضر، ومع ما حققته تركيا من إنجازات عظيمة على مستوى التعليم ومحو الأمّية منذ تأسيس الجمهوريّة حتى الآن، ومع ارتفاع عدد الجامعات بالأخصّ في السنوات العشرين الماضية، تبقى مسألة القراءة أمرًا مؤرّقًا يتناوله الدارسون وصنّاع القرار نظرًا لتواضع الأرقام في هذا الجانب، خاصّة مع زيادة الهواجس بين المثقفين والناشرين من قضيتي الرقابة الحكوميّة والرقابة الذاتيّة، وهذا ما عبّر عنه متين جلال رئيس اتّحاد الناشرين في تركيا في مقابلة نشرت في نيسان الماضي على موقع الجزيرة تُرك.
بلغ عدد الكتب التي نُشرت في تركيا عام 2011 حسب الاتحاد الدولي للناشرين (43،100) كتاب، قرابة النصف منها ترجمات عن اللغات الإنجليزية والألمانية والفرنسية وغيرها، أما في ألمانيا (نفس عدد السكّان تقريبًا) فقد وصل عدد الكتب التي نشرت في العام نفسه إلى (82،048) كتابًا. الغريب أنّ هذا العددَ قد انخفض في تركيا عام 2012 بنسبة 1%. وربّما لا تكون المقارنة منصفةً هنا، ولكنّها تكشف بلا شكّ عن البون الواسع بين تركيا وغيرها من الدول المتقدّمة في هذا الصدد، خاصّة إذا عرفنا مثلًا أنّ بريطانيا وحدها في العام 2014 كانت تنشر 20 عنوانًا جديدًا في الساعة! وأنّ عدد الكتب الجديدة والطبعات الجديدة من الكتب الصادرة فيها عام 2013 وصل إلى 184،000 كتابًا حسب تقرير الاتحاد الدولي للناشرين.
أمّا المكتبات، فالمكتبة الوطنية التركيّة وفق إحصاءات 2013 تشتمل على أقل من مليون ونصف كتاب، وبلغ عدد المكتبات العامّة في العام نفسه 1118 مكتبة تشتمل على 16 مليون كتاب تقريبًا. كما أنّ هنالك 533 مكتبة جامعيّة يبلغ عدد الكتب فيها 13 مليون ونصف كتاب تقريبًا.
ولو أجرينا مقارنة سريعة مع ألمانيا سنجد ما يلي: هناك خمس مكتبات كبيرة تابعة للمكتبة الوطنية، بمحتويات تبلغ 25 مليون مادّة و 8030 مكتبة عامّة بمحتوى يبلغ 124 مليون مادّة و 510 مكتبات جامعية بمحتوى يبلغ 158 مليون مادّة.
لا شكّ أن تركيا، وخاصّة إسطنبول، عاصمة التاريخ والثقافة تحتاج إلى مكتبات كثيرة وكبيرة تستوعب سكانها وتليق بجمالها وتزيد من حضورها، فالمدينة التي تكاد تختنق بازدحام شوارعها وسرعة وتيرة الحياة فيها تستحقّ أن تتنفّس الصعداء بسعة مكتباتها وتوزّعها العادل في المراكز والأطراف.

Advertisements

حنا أرندت. في ذكرى وفاتها

حنة آرندت.. فيلسوفة تفكيك الشمولية

نشرت هذه المقالة في ألترا صوت في 11 كانون أول2015

http://goo.gl/bJseYb

نشرت هذه المقالة عن بعض أعمال الفيلسوفة حنا أرندت بعد وفاتها في 4 كانون أول 1975 وقد كتبتها صديقتها جوديث شكلار أستاذة العلوم السياسية في جامعة هارفرد، ونشرت أوّل مرة في 27 كانون أوّل 1975، وأعادت صحيفة ذا نيو رببلك نشرها قبل عدّة أيام في ذكرى وفاة أرندت.

إنّه لجدير بحياة الفيلسوف ومماته أن يحوزا أكثر من مجرّد أثر شخصيّ علينا. حين توفّيت حنا أرندت في 4 كانون أول 1975 نعاها أصدقاؤها وطلابها، ولعلّ البعض أدركَ حينها أنّ الثقافة التي تشظّت حالها قد فقدت آخر ألمع أصواتها، فلم يعد هنالك من يتحدث بوضوح وعمق عن تجربة يهود ألمانيا، فقد كانت أرندت من الثلة الباقية من جمهورية روحية كان تاريخها الاجتماعي فظيعًا وعابرًا بقدر ما كان مصدر إشعاع وذا أثر باق على المستوى الفكريّ.

لقد بدأت أرندت عملها فيلسوفةً في موضوع لم يكن مرتبطًا باليهود ولا بالألمان، بل كانت لها أطروحة تناولت فيها مفهوم الحبّ عند سانت أوغسطين، إلا أنّها سرعان ما أدركت أنّه ليس من الممكن المكوث طويلًا عند التاريخ ولذلك انتقلت إلى دراسة حياة أول الممثّلين لعملية الاندماج اليهودي وهي راحيل فارنهاجن (1771-1833). ولم يكن القصد من ذلك كتابة ترجمة عن هذه الشخصية بقدر ما كان محاولة للنظر في وضع تلك المجموعة ومعرفة مآلاته. لقد كرست راحيل حياتها كاملة بعد خروجها من الغيتو لدراسة غوته والتعمق في الشعر الألماني بشكل عام. ولم تتمكن راحيل من التعايش مع يهوديّتها، وهي الهويّة التي كانت تخجل منها، إلا على فراش موتها. ولم يكن من الممكن رؤيتها إنسانة بالمعنى الحقيقي، كما رآها هنريك هاينه، إلا في تلك اللحظة. ورغم أنّ أرندت لا تميل إلى التعاطف مع هذا الضعف الأخلاقي، إلا أنّها لم تكن لتردّ تلك التطلعات الكونية لتلك الحياة الفرديّة. وحين كتبت أرندت بعد عدة سنوات عن روزا لوكسمبرغ، والتي كانت معجبة بها أيّما إعجاب، لم تنس أن تذكر معرفة بطلتها العميقة ومحبتها للشعر الألماني. ولم يكن ذلك كلّ شيء. لقد كانت ثقافة التنشئة الألمانية “البيلدنج” منذ القرن الثامن عشر تمنح من يلتزم بها معرفة كاملة وتعلقا كبيرا بالكلاسيكيات، خاصة بالآداب والفلسفات اليونانية. ومع أنّها لم تنسَ القدس قط، إلا أنّ الحياة الفكريّة لأرندت قد تشكّلت في كل منعطفاتها بذاكرة مرتبطة بأثينا.

وبهذا الإرث شرعت أرندت في عملها كمنظرة في المجال السياسيّ، وكانت التجربة الأكثر قوّة وأبلغ تأثيرًا عندها وعند معاصريها هي تجربة المنفى. ليس من السهل التعبير عن آلام المنفى بشكل مباشر ويكاد يستحيل نقل صورة عن هذه الآلام لمن لم يكابدها. ومع هذا فإنّ أرندت تناولت في أولى مقالاتها السياسية هذا الموضوع، وبطابع فلسفي بحت. وبصرف النظر عمّا كانت تتمتع بها فكرة حقّ الإنسان أمام حقّ الدولة، إلا أنّها ترى أنّه في عالم الدول الوطنية صار عدم الانتماء إلى دولة يعني أنّ الإنسان لا يتمتع بأي حقوق، وبات الانتماء إلى مجتمع سياسي هو الحقّ الأول للإنسان، ومن دون هذه العضويّة يكون الإنسان مشردًا غير مرغوب فيه، أي أنّه يصبح فضلة لا قيمة له. وقد شكّلت تلك المقالة وتحليلها للطريقة التي استحال فيها الإنسان إلى فضلة الأساسَ الذي قام عليه كتابها الأول والأكثر شهرة: أسس التوتاليتارية، والذي لا يتناول بدايات هذا الشكل من أشكال النظام، وإنّما يحلله من ناحية جوهريّة. وقد بحثت أرندت على خطى أرسطو ومونتسكيو عن مبادئ التوتاليتارية لا عن تاريخها. وفي حين كان الخوف هو المبدأ الذي اعتمدت عليها الأنظمة المستبدة القديمة، فإن العنف هو ما اعتمدت عليه الأنظمة التوتاليتارية الحديثة، وهي متميّزة عن سواها ليس لما تمتلكه من أدوات تقنية وتنظيميّة وحسب، ولكن لجوهر التنظيم الذي تقوم عليه أيضًا، إذ إنّ هدف هذه الأنظمة هو العنف كغاية في حد ذاته. ولم يكن ما يحرّك حكّام تلك الأنظمة مصالح ذاتية ولا الأموال ولا زيادة السلطة بقدر ما يحرّكهم رغبةٌ لتحويل الناس إلى أدوات للسلطة منزوعة من شخصيّتها لتستخدم من قبلهم، ولهذا قاموا بوضع آليّات جديدة تمامًا للحكم والسيطرة. لقد كانت أوروبا حين أجهزت الإمبريالية ومعاداة الساميّة على نظام الطبقات والدولة فيها جاهزة للعرقيّة والحرب الطاحنة والأحزاب التوتاليتارية وقادتها. لقد آل عالم الجماهير إلى حتفه. ثم صار من الرائج انتقاد فكرة التوتاليتارية بوصفها اختراعًا من زمن الحرب الباردة صمّم خصيصًا لاستغلال وتوجيه الأفكار المعادية للفاشية من أجل مواجهة روسيا السوفياتية. وبغض النظر عن مقدار الحقيقة في ادعاء كهذا، إلا أنّه لا ينطبق على كتاب أرندت، ذلك أنّ نطاقه كان أوسع مما يوحي به العنوان. فلم يكن الكتاب معنيًا بتناول أشخاص أو حكام بعينهم بقدر ما كان معنيًا بتحليل ديناميكيات تصدّع الحياة العامّة في أوروبا. ووفقًا لهذه النظرة فإن التوتاليتارية تصبح النموذج والاحتمال المستمر لعالم أقل ما يمكن وصفه به هو أنّه فقد نصف عقله.

أمّا كتابها الثاني والأكثر عمقًا فقد كان بعنوان الوضع البشريّ والذي يتناول قصة شبيهة ولكن بنفَس مختلف وأقل تشاؤمًا. إنه بيان لذلك الانعكاس العظيم في القيم الذي يجعل العالم الحديث الوجه الآخر للعصور القديمة. فإن كنا نريد أن نفهم أنفسنا، فإن علينا النظر إليها بمقارنتها مع اليونان، وإن لم نعد قادرين على التفكير مثلهم، فإنّنا أيضًا لن نكون قادرين التفكير من دونهم. ومع أنّ أرندت لم تُظهر تلك النوستالجيا التي كانت شائعة بين مفكري المنفى الآخرين، إلا أنّها كانت تتوق إلى تلك الحكمة الضائعة للفلاسفة القدماء، وذلك لأنهم كانوا يضعون التأمل في أعلى المراتب في حين كانوا ينظرون إلى العمل على أنّه أدنى مراتب السعي البشري، أما نحن ففعلنا العكس وأضعنا وجهتنا ووعينا بذاتنا. لقد كانوا يحتفون بالنشاط العام، أمّا نحن فنسينا أنّ الخصوصيّة ليست إلا حالة من الحرمان المدنيّ. وفي حين كانوا هم ينظرون نظرة ثانوية إلى الأعمال الاقتصادية أصبحنا نحن نعبدها. لقد حافظت المسيحية على الأقل على شيءّ من تلك الحياة المجتمعية التأملية، ولكن العلوم الطبيعية وذلك الجنوح نحو الشكّ بطريقة منهجية موجّهة نحو الذات دمّرت ذلك، وبدل أن تعمل على تحريرنا وضعتنا على محكّ الحتميّة. إننّا نتعلق بالعيشِ فحسب بعد أن تغرّبنا عن عالم الطبيعة والتاريخ، ولم نعد قادرين على إدراك الحقيقة وبتنا محرومين من الإدراك السليم والسلطة والتقاليد. لقد حرمنا أنفسنا من ميراثنا، حتّى بعد غياب تلك الأنظمة المحكومة بالشر الخالص. وما منح كتاب الوضع البشريّ أهميّته ليست الرسالة التي احتواها وإنّما الطريقة التي سلكتها أرندت في بيان آرائها في الكتاب وذلك في نسق من فلسفتها التأمليّة وتاريخ الأفكار والتجربة المشتركة حيث يأتلف ذلك كله في شبكة واحدة تذكّرنا كثيرًا بهيجل.

في الثورة هو الكتاب الأخير في ثلاثيتها في مجال النظرية السياسية. وقد يبدو هذا الكتاب لأول وهلة كأنه احتفاء بتلك الثورة الأمريكية التي نجحت بينما فشل ما سواها. لم يكن الثوار الأمريكيون مضطرين للتعامل مع المسألة الاجتماعية وذلك لأنّهم لم يكونوا في حالةٍ من البؤس، كما لم يكونوا مدفوعين نحو سياسة الشفقة كما كانت الحال عند اليعاقبة فيما أصبح بعد ذلك سياسة العنف. كما أنّ الآباء المؤسسين كانوا قد ساروا على نهج مونتسكيو وكانوا يدركون أنه لا انفصال بين السلطة والحرية. أمّا الفرنسيون فكانوا مخلصين لأفكار روسو وانتقلوا من الحكم الملكي المطلق إلى الحكم الشعبي المطلق باحثين وراء إرادة عامّة بلا قيد. وقد أتاح توزّع السلطة على نطاق واسع أن يقوم الأمريكيون بوضع دستور لهم بأنفسهم بدل أن يُفرض عليهم من سلطة عليا. وبالرغم من هذه الإشادات التي ترد في الكتاب، إلا أنّ أرندت أنهت كتابها بالتنويه إلى ذلك النّوع من الوطنيّة الذي لم يكن مجرّد امتنان المهاجر إلى تلك الأرض. ولعلّ التبرّم بالانحدار المتواصل هو أحد علامات الوطنيّة الأمريكيّة الآن، وهو تبرّم نجده أيضًا لدى أرندت. إنّ النجاحَ الثوريّ قد أغرى بحالةٍ من الفتور الأخلاقيّ والفكريّ وعدم اكتراث بالمشاركة السياسيّة وكان هذا من أسباب النجاح الأولى. وقد رأت أرندت كما رأى من قبلها دي توكفيل أن المؤسسات التطوعية والتأكيد على الحقوق السياسية للأقليات هو أفضل أمل وأعظم قوة للفضيلة العامة في أمريكا. ومن دون هذه الأشكال من الوقاية ضدّ الوهم والكذب والخداع، فإن أولئك الذين يدّعون القدرة على حلّ المشاكل مّمن انتشروا كالوباء في حكوماتنا سينجحون في خلق واقع مضادّ تكون فيه الحكومة هيئة للحساب والناس فيه عوائق لا بدّ من التخلص منهم.

لقد احتلت فكرتا الانحدار والفساد مكانة أساسية في فكر أرندت بوصفهما موضوعة كلاسيكية. وإن كان هتلر قد قدّم الدافع المباشر، فإنّ أفلاطون وأرسطو هما أساسان سابقان من أسس فلسفتها. ولم تكن أرندت لتعقد مقارنات سخيفة بين جمهورية فايمر الألمانيّة وأمريكا، ولكنها لم تكن لتتحول إلى النظرية السياسية لولا النظر في حال تلك الجمهورية ولما انتقلت لدراسة سياسة العنف كميدان رئيس لأبحاثها. إن الفلسفة السياسيّة فكرة مأساوية، ومن دون امتلاك شعور درامي بالمصير والتحوّل لا يمكن لأي مفكّر الانتقال إلى هذا الموضوع البغيض. لقد كانت قوة المنطق وازدراء الوهم هما ما دفعا أرندت للنظر بحذر إلى الواقع السياسيّ. ولا شكّ أنّها حققت نصرًا فكريًا عظيمًا من أجل أن تقدّم ما تعدّه هي فكرا متناسقًا ومفهومًا للآخرين، وقد كان هذا نصرًا على المستوى الشخصيّ لها، وعلى مستوى الخطاب السياسيّ المفتوح وتقاليده أيضًا.

بندكت أندرسن والمجتمعات المتخيلة

بندكت أندرسن

1936-2015

بندكت أندرسن و

سانديبتو داسغوبتا، أستاذ الحضارات المعاصرة في جامعة كولومبيا.
ترجمة محمد زيدان

نشرت في ألترا صوت 28 كانون أول 2015

http://goo.gl/iWeLV7

يرتبط اسم بندكت أندرسن بكتابه الشهير “الجماعات المتخيّلة” وهو ذلك الكتاب الأثير الذي تحدّث فيه عن القوميّة وبزوغها في العالم الحديث وهو واحد من بين أهمّ الكتب الأكاديميّة التي ظهرت في منتصف القرن العشرين.
أمّا في أوساط الباحثين والأكاديميين في أندونيسيا، حيث توفّي في الثالث عشر من الشهر الجاري، فقد كان يعرف أندرسن أساسًا بأنّه أستاذٌ مختصّ بالدراسات الأندونيسيّة، أو لعلّنا نقول هنا “أندونيسيّاتيّ”.
لقد كانت أندونيسيا موضوع دراسات أندرسن في مرحلة الدكتوراه، وقد تناول أوّل إصدار له كتبه مع عدد من زملائه من جامعة كورنل أحداث المذابح التي راح ضحيتها 600 ألف أندونيسي بين عام 1965 و 1966 في فترة استبداد اليسار الشيوعيّ في البلاد والتي انتهت بوصول الجنرال سوهارتو إلى سدّة الحكم عبر انقلاب عسكريّ. وقد تسبّب كتابه هذا في منعه من دخول أندونيسيا إلى أن تنحّى سوهارتو عن الحكم عام 1998 وكان أندرسن قد نعته “بالمستبدّ من الدرجة الثانية”، وهو وصف ظلّ عالقًا في أذهان الكثيرين.
عنيَ أندرسن بمنطقة جنوب شرق آسيا بشكل عام، وكان يتقن الأندونيسية والجاويّة، كما كان يتحدّث باللغتين الأساسيتين في الفلبين وتايلاند وهما لغة تاغالوغ والتايلندية، وكتب بغزارة عن سياسة وثقافة وآداب هذه البلدان الثلاثة.
ومن خلال ما حازه من فهم ومعرفة عميقة وواسعة بالتطورات السياسية في جنوب شرق آسيا تمكّن أندرسن من وضع الكتاب الذي سيخلّد اسمه، فقد كان مطّلعًا على تفاصيل الأوضاع السياسية في دول العالم الثالث بعد مرحلة الاستعمار وكان شاهدًا واعيًا على مركزيّة القوميّة ولاسيّما في المشاريع السياسيّة التقدّميّة الاشتراكيّة والمناهضة للإمبرياليّة، بل ولعلّها تجاوزتها في بعض الأحيان. وقد بدأ أندرسن كتابه “المجتمعات المتخيّلة” بالإشارة إلى الحروب التي اندلعت بين فيتنام والصين، وهما دولتان تنتميان إلى المعسكر الاشتراكيّ الثوريّ، ولكنهما كانتا تتنازعان على أسس قوميّة.
لقد وجد أندرسن أنّ الماركسيّة- التي كان الأقرب إليها سياسيًا وفكريًا- عجزت عن تقديم تحليل وافٍ لظاهرة القوميّة، بل عجزت حتّى عن التعامل بجديّة معها، وهذا الحكم يسري على الماركسيّة وسواها من النظريات والحركات الفكريّة السياسيّة. يقول أندرسن: “بدا لي أن الإخفاق في الإمساك بتلابيب القوميّة ذلك الإمساك العميق ليس مقتصرًا على الماركسيّة بأي حال من الأحوال، ويمكن، بل يجب، توجيه النقد ذاته إلى الليبرالية التقليدية، وعلى الهامش إلى النزعة المحافظة التقليدية.”
أما النتيجة فكانت تلك الحالة العجيبة التي تشكّل فيها ظاهرة بعينها معظم الخطاب السياسيّ القائم فعلًا حول العالم بالرغم من شحّ التأملات النظرية حولها، فالقوميّة لم تنتج مفكّرين كبارًا من طراز هوبز أو توكفيل أو ماركس أو فيبر كما يقول أندرسن في كتابه.
لقد كان “المجتمعات المتخيّلة” عنوان الكتاب والإطار المفهومي الذي حاول أندرسن من خلاله ردم الفجوة التنظيريّة في موضوع القوميّة. لقد رأى أندرسن أنّ القوميّة تولّد مشاعر من الإخاء والأواصر الوثيقة بين أفراد مجتمع ما، رغم أنّهم لم ولن يلتقوا فيما بينهم أبدًا، ولهذا فإنّ هذه الأمّة تتشكّل عبر عمليّات من التخيّل. ورغم بساطة هذا التعريف إلا أنّ النطاق الذي يستدعيه هائل للغاية، ويكمن إنجاز أندرسن في هذا الكتاب في مقدرته على الخوض في غمار هذا النطاق بخطى عميقة وثابتة.
يرى الكتاب أنّ من شروط تشكّل القوميّة هو ذلك الفراغ الذي تركه تراجع وجود الجماعة الدينيّة. ولكنّ أندرسن قد كان في هذا الدين الجديد رجلًا بلا كنيسة، فقد ولد في الصين، من أصل إيرلندي إنجليزي، ودرس في إنجلترا والولايات المتحدة، وعمل في أندونيسيا ووقع في غرامها.
وبخلاف صورة الملحد الصلف الذي لا يرى في الدين سوى دليلٍ على جهالة الناس، لم يكن أندرسن يستاء من الحكايات والرموز الدينية التي كان يدرسها، كما أنّه لم يستخدم كلمة “متخيّل” ليدلّ على أمر خاطئ أو وهميّ، وإنما كان يسعى بكل ما لديه من فضول قارئ نهمٍ لحكايةٍ مشوّقة إلى فهم البنى المختلفة لفعل التخيّل هذا وأفقه الإبداعيّ.
كان أندرسن يدرك أنّ وصفنا لأمر ما بأنّه مركّب اجتماعيّ لن يقدّم جديدًا، ولكنّ الأمر المذهل والأكثر أهمّية هو تفصيل المنطق الذي ينطوي عليه هذه المركّب. لقد لاحظ أندرسن كما أسلفنا أنّ غالبيّة الأفراد في جماعاتهم لا يلتقون بعضهم البعض، ولا شكّ أنّ عمليّات التخيّل التي تخلق الجماعات وتمنحها ذلك الشعور بالوحدة والمعنى هي عمليّات ذات طبيعة سياسيّة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وذلك الإصرار على فهم الطريقة التي تسلكها بعض السرديّات في الاستحواذ علينا، والإمكانات الكامنة في تلك السرديّات، هو بحدّ ذاته مشروع سياسيّ.
لهذه “الجماعات المتخيّلة” قصّة يشترك في بنائها العديد من الأطراف، أهمّها الرواية والصحيفة، وقد كانت رأسماليّة الطباعة كفيلة بمنح دور نجوميّ للكلمة المطبوعة في هذه القصّة. لقد قامت تقنية الطباعة بقدرتها على توفير أعداد كبيرة من الكتب وتحمّس الرأسمالية في البحث عن أسواق لبيعها على تكوّن مجتمعات قارئة بلغة واحدة هي اللغة المحليّة، وقد كان هذا أساسًا في تشكيل الوعي “القوميّ” الجديد.
بالإضافة إلى اهتمام أندرسن بتحليل هذا المركّب وسرديّاته، فإنه قد أبدى كذلك قدرًا كبيرًا من الاهتمام بالعناصر الأدبية للرواية والصحيفة، والعالم الذي خلقته تلك الكلمات. لقد درس أندرسن بنية تلك السرديّات وحبكاتها كي يدلّنا على الطريقة التي وفّرت بها تلك الروايات القدرة أمام الناس على تخيّل زمان ومكان مشتركين بذلك القدر من “الثقة اللافتة بجماعةٍ غُفلٍ تشكّل غفليّتها العلامة المميّزة للأمم الحديثة.”
إن النطاق الواسع للموادّ التي عرضها أندرسن وتنقّل بينها بثقة عالية خلال الكتاب قد جعلت من “الجماعات المتخيّلة” واحدًا من تلك الكتب النادرة التي احتلت مكانة لا تُدانى عبر التخصصات والمسالك الأكاديميّة. أضف إلى ذلك أنّه ومن دون ادّعاءات فارغةٍ قد تمكّن من الخروج من عباءة أفكار سائدة ممّا عرّضه لانتقادات واسعة من العديدين، ولعلّ هذا ما نجده في مراجعة أحدهم للكتاب حين قال إنّه أكثر ماركسيّة ليكون ليبراليًّا وأكثر ليبراليّة من أن يكون ماركسيًّا.
ولكنّ القيمة التي يمثّلها هذا الكتاب ليست في تبنّي الخطّ الصحيح من القوميّة، ماركسيّة أو ليبرالية، وإنمّا تكمن قيمته في أنّه فتح أبوابًا للتفكير بمنهجيّة مختلفة في شأن القوميّة. فالكتب الجيّدة تقدّم لنا آراء مقنعة، أمّا الكتب العظيمة فتولّد أسئلة جديدة ينشغل بها الأكاديميون والقرّاء، ولا شكّ في أنّ كتاب أندرسن ينتمي إلى هذه الفئة العظيمة من الكتب.
صدر كتاب “الجماعات المتخيّلة” عام 1983، ولم يلبثت طويلًا حتى شهد العالم بأسره تغيرًا واسعًا في السياسات القوميّة وتناولها الأكاديميّ. فقد شهدنا في الفترة التي تلت صدور الكتاب مرحلة من الصراعات في أوروبا الشرقية بعد انهيار جدار برلين، وصعود التكتلات اليمينية العرق-قوميّة مما كشف وجهًا من السياسة القوميّة أشدّ قتامةً مما تصوّره أندرسن. وبعيدًا عن الغرب فقد وُجّهت الكثير من الانتقادات للمشاريع القوميّة في مرحلة ما بعد الاستعمار وما حدث من تأييد اليسار لهذه المشاريع، وهو أمر كان كفيلًا بالإضرار بتلك السمة التقدّمية التي ألفاها أندرسن في القوميّة في العالم الثالث.
في هذا السياق نجد أنّ الاحترام الأكاديمي الذي يكنّه أندرسن للقوميّة قد ظهر للبعض على أنّه مشوب بالرومانسيّة، حتّى إنّ البعض قد تساءل عمّا إذا كان أندرسن نفسه في خضمّ دراسته للسلطة المغرية للمخيال القوميّ قد وقع هو الآخر تحت تأثير هذا الإغراء.
في عمل لاحق له حاول أندرسن أن يجيب عن هذه التساؤلات وذلك عبر التفريق بين القوميّة وسياسات الإثنيّة، حيث دعى تلك الأخيرة “الابن غير الشرعيّ للقوميّة”. تعتمد سياسة الإثنية بشكل كبير على عضويّة الفرد في طبقات محدودة وثابتة يلزمه الانتماء إليها وإلا كان عرضة للاستثناء والتهميش. أمّا النطاق التخيّلي للقوميّة فقد اشتمل على إمكان العالميّة، إذ يفتح التخيّل آفاقًا جعلت أندرسن نفسه يرى أنّ أندونيسيا هي الوطن الأقرب إليه.
قد يتساءل المرء عمّا إذا كان هذا التمييز يتوافق مع أي سياسة قوميّة قائمة اليوم، ولكنّه من غير الإنصاف على أيّة حال أن نصف محاولة أندرسن في بيان الإمكانات التحررية والتقدمية للممارسة التخيّليّة التي تؤسس الجماعة التي ندعوها الأمّة.
لعلّه من الأفضل النظر إلى ما يولّده كتاب أندرسن من أمل يحمله ذلك الفضول الفكريّ العميق حول الطريقة التي يفهم بها الناس في عصرنا الحديث عوالمهم، والالتزام السياسي بالرؤى التي تسعى نحو التحرر. وهل ثمّة أسباب أفضل للأمل من هذه، وهل ثمّة حافز للمفكر أسمى منها؟

المصدر: https://www.jacobinmag.com/2015/12/benedict-anderson-obituary-imagined-communities-nationalism-indonesia/

قراءة شاعر ميّت

نشرت الترجمة في العربي الجديد 29 كانون أول2015

http://goo.gl/GTgMQS

قراءة شاعر ميّت
سأكتب دائماً عن الأحياء
بحواسّي
حبّة رمان، أصوات الريح، الشاي
وأحياناً بما وراء ذلك
الحب، الحدود، البحر
وحتّى النادر الغريب

وحين أمَلُّ
ألتقطُ كتابك
وأتأمّل الموت

في منتصف الليل
تقرض الفئران الوقت
في إحدى الزوايا المظلمة
وتقضم سطورك

أو لعلّها جذورٌ
تمتدّ عميقاً
لتعثر على عنوانها

أمرٌ ما يتجاوز الحواسّ
يقلب الأشياء على أعقابها
فيمسي العنوان أبعد
مِنْ أن تُدرك العين مداه
ولا يسعُ السطورَ أن تكون أعمق

ما زلتُ هنا، لكنّك رحلت
لا شيء أشد غرابة
من أن أقرأ ترجمتي
لقصائدك
سأكتب دائماً عن الأحياء

يدٌ شبحية
(في ذكرى شاعر)
الأسماء أساطير باقية
أسطر تتسلل إلى ثقب المفتاح

إصبع سبّابة يرسل شرراً
ويحصد صفحة من النثر

الكلمات تُقرأ على التلاميذ
تصفر عبر نفق مظلم

على رقعة الشطرنج
يفقد بيدق ذراعه

رأس قلم يتعثّر على مخطوطة
مكتوبة بيد شبحية

* Chris Song Zijiang شاعر صينيّ من مواليد غوانغدونغ عام 1985 ويقيم اليوم في هونغ كونغ. صدرت له مجموعتان شعريتان، وترجمَ أكثر من عشرين مجموعة شعرية بين الصينية والإنجليزية.

تأبين بلغرافيا

هذه ترجمة لمقتطف صغير من رواية تأبين بلغرافيا للكاتب الإنجليزي نيكولاس بلنكو، وأعتقد أنّ النسخة الإنجليزية لم تنشر حتى الآن!! عملنا على هذه الترجمة في مجموعة من المترجمين المهتمين بالترجمة الأدبية في ورشة عمل في القاهرة بالتعاون مع المركز الثقافي البريطاني فيها والمركز القومي للترجمة، وذلك قبل أعوام عديدة، في العام 2010. كان الأستاذ المشرف على مجموعتنا هو ثائر ديب المترجم السوري المعروف، وكانت أيامًا لطيفة تعلمت فيها الكثير من الأمور. إليكم الترجمة

   وصل ووكر شقته في بِمليكو قبل ساعة من الوقت الذي كان ينبغي أن يبدأ فيه تأبين هَنيمان. شقّ طريقه عبر كومة من النشرات الإعلانية وقوائم الوجبات السريعة خلف بابه، وألقى حقيبة سفره في الردهة. داخل لوحة المفاتيح، وجد مفتاح السّخان ودفعه إلى الأسفل. بعد عشر دقائق، أدرك أنّ السّخان مُعَطَّلٌ، فما من ماء ساخن. غلى قليلاً من الماء وملأ المغسلة المربّعة في حمّامه. كان قد اشترى هذه الشقّة قبل ستة أعوام ولا يزال يحسّ أنها شقّة تلك المرأة المولعة بالقطط التي كانت تقطنها قبله وجار عليها الزمن. بل إن عنايته بالشقق التي اسـتأجرها في الخارج كانت أشدّ بكثير من عنايته بهذا المكان الذي يملكه بالفعل.

    بينما كان يحلق، راح يفكر بلوك هَنيمان، مع أنّه لم يكن في الأمر ما يستحق الاهتمام. كانا قد التقيا في إسرائيل، حين كان كلاهما يعملان تحت غطاء شركة الفضاء البريطانية. وذات مساء، في حانةٍ في حيفا، أخرج هَنيمان قنبلة بلاستيكية صغيرة وراح يَبْرُمُها مثل خُذْروف بين زجاجات البيرة وسط الطاولة. توقف قلب ووكر عن الخفقان للحظة، كانت كافية ليدرك أنّ القنبلة الصغيرة ليست حقيقية، بل نموذجٌ للعرض صُمِّمَ ليُبَيّن ما تحويه القنبلة العنقودية. والآن، بينما كان يدفع بقعةً من الماء الصافي بين رغوة الصابون والشعيرات الخشنة في مغسلته، راح يتمنى لو أنّه استطاع أن يفلت من تأبين هَنيمان. وإنْ بدا ذلك فظّاً، أمكنه أن يسأل لِمَ أقيم التأبين أصلاً، دون أن يعلم والدا هَنيمان؟ فالعائلة كانت قد أقامت لهنيمان جنازةً ريفيةً هادئةً في شروبشاير، قبل ثلاثة أسابيع.

   تصاعدت سحابة غبار من الكرسي عندما جلس فيه ووكر ببذلة الحداد السوداء، وراح يتصل من هاتفه المنزلي بسالي، زوجته السابقة، التي ردّت لحظة فقد كلَّ أملٍ في أن تردّ. بدت سالي هشّةً رغم الحيوية الظاهرة في صوتها، واعترفت بأنّها قلقةٌ حيال محاولتهم قضاء عطلة عائلية أولّ مرّة بعد الطلاق، لكنّها ألحّت على أنّ ما يشغلها أكثر هو جَرْجَرةُ صبيين في وقتٍ باكر إلى القطار من ليمنجتون سبا، ثمّ عبر لندن للطيران إلى دَبْروﭭنِك.

   سألها ووكر: “لماذا نأخذ الولد الثاني؟ هل يخاف إيثن من قضاء وقت طويل وحده معنا؟”

   اعترفت سالي: “لم تكن تلك فكرة إيثن. بل فكرتي. حَسِبْتُ أنَّ من الأفضل أن يكون معنا صمام أمان، يضمن أن يكون واحدنا مهذّباً مع الآخر. لعلنا نتجنب الصراخ بوجود أحد أصدقاء إيثن”.

    “أقلقةٌ إلى هذا الحدّ، يا سال؟”

   “لا أعلم. لا أستطيع التفكير، فأنا حامل”.

    “ياه؟ وهل كان تفكيركِ سليماً قبل أن تحملي؟”

   لو استطاع أن يمسك لسانه وحسب! سمع سالي تأخذ نفساً بطيئاً، بل كاد يسمع صوتها وهي تعدّ إلى العشرة قبل أن تقول: “أرأيتَ، يا ليف، ها قد عدنا؟”

   اعتذر لها، لكنّه وقد أفسد الجوَّ أصبحت بقية المكالمة مقتضبة وجافة. ولم يبقَ سوى أن ينتهيا من التفاصيل: مطار جيتويك، الثانية بعد الظهر، عند مكتب الخطوط الجوية البريطانية. غير أنّ سالي سألته ثانيةً، في آخر المكالمة، إن كان متأكداً من أنّ دَبروﭭنك مكان مناسب لقضاء صبيين العطلة. فقال لها إنّها مكان مناسب للجميع، وأطلقت سالي تلك النكتة المكرورة عن ضرورة إحضار السطل والرفش. وفي الصمت الذي أعقب المكالمة، ألقى ووكر برأسه إلى الخلف وراح يحدّق في تشققات السقف الشبيهة بخيوط العنكبوت. حاول أن يتذكر إن كان لديه ما يصلح لباساً للعطلة. كان في الدروج المثقلة في غرفة نومه سروال سباحة أسود لامع، أقصَرُ وأكشَفُ من أن يُلبس على الشاطئ، أو ربما في أيّ مكان. ولا  شكّ أنه سيفوح برائحة الخزامى والعفن، مثل أيّ شيء آخر في هذه الشقّة. سيكون عليه، إذاً، أن يشتري ثياب بحر جديدة، في المطار.

   عندما وصل الكنيسة، توقف عند عربة المراقبة البيضاء كي تؤخذ له صورة ويتمّ التحقق من هويته. كان اثنان من ضباط وكالة الاستخبارات السرية (SIS) يقفان عند البوابة، بسماعتيهما اللامعتين ونظارتيهما الشمسيتين اللتين تخفيان أعينهما. داخل الكنيسة، مدّ يده إلى الجُرن الصغير ورسمَ علامة الصليب، ومسّ جبهته برأس إصبعه البارد. وما إن اتخذ مكانه، حتى ترددت أنغام “السلام لك يا مريم” في أرجاء الكنيسة.

   كان سِرْ مايكل جالساً أمامه ببضعة صفوف، إلى جانب زوجته ميرايا. وحين رأته رفع لها يده. بدت متقشفةً، وقد وضعت طرحةً سوداء وبالغت في شدّ شعرها إلى الخلف، حتى إنّ ووكر راح  يشكّ في أنّها تستطيع الابتسام لو أرادت أن تبتسم. كان سِرْ مايكل راكعاً للصلاة بقربها. وحين نهض، التمعتْ فضّةُ سبحته وهو يلوّحها بسرعة وبراعة حول يده و يلقي بها في جيبه. التقت عينا ووكر وسِرْ مايكل في نظرةٍ خاطفة، قطعها التفات هذا الأخير ثانيةً إلى برنامج الحفل.

   لطالما تملّك ووكر إحساسٌ شديد بالغربة بين حشود زملائه الضباط، وكان منهم مئتا رجل وامرأة في الكنيسة ذلك المساء. لم تكن لدى ووكر أيّة خبرة عسكرية قبل التحاقه بـ وكالة الاستخبارات السرية، ولا حتى خبرة الأغرار؛ لم يحرز أيّة بطولات رياضية؛ وإذا ما كانت شهاداته كثيرة إلا أنّه لم يكن من خريجي أكسبريدج؛ و لم يدنُ منه البتة أستاذٌ للكلاسيكيات بربطة عنق مبقعة بالبيض، كي يدعوه إلى لقاءٍ غامض في شارعٍ متفرع من الپول مول. وآخر ما كان يمكن توقّعه هو أن يكون ووكر صنيعةَ رجلٍ مثل سِرْ مايكل. غير أنّه في سنواته الثمان كضابط عمليات، كان قد أظهر ما يشبه العبقرية في أعمال التجسس، من اختراق المنظمات الأخرى إلى توظيف المال الفاسد وغسل الأموال. وكانت ميرايا قد سألته مرّة ما الذي يجيده أيضاً. فقال لها إنّه يجيد اتّقاء الرصاص، فإذا ما اضطر إلى الردّ على إطلاق النار أصاب شيئاً ما لا محالة. ويعرف أيضاً أنّ أغلب نوبات التسمم الغذائي يتسبب بها الشخص لنفسه وتعلّم أن يغسل يديه مثل طبيب قبل كلّ وجبة، فيحكّ بعنايةٍ راحة يده برؤوس أصابع اليد الأخرى ويفرك الداخل من كلّ رسغ. ويمكنه أن يزيل غبارَ مدينةٍ من أنفه بتنشّق الماء إلى منخريه وتمخّطه من جديد. ويعرف متى يصافح رجلاً، ومتى يقبّله، وكَمْ مرّة. ويستطيع أن يجد متجراً يبيع النيو يوركر حيثما كان في هذه الدنيا. وسألها عن وقع ذلك في نفسها، فردّتْ: يا لقدراتك الخارقة!

   وميرايا ريدموند ابنة رجل ألماني وامرأة إسبانية. ولعلّها ورثت عن والدها بشرتها الشاحبة، أمّا شفتاها المكتنزتان الشبيهتان بقوس كيوبيد وشعرها الأسود الفاحم فلا بدّ أنها أخذتهما عن والدتها، مع أنّ شعرها لم يعد بلونه الأصلي. وكانت ميرايا قد التقت سِرْ مايكل في ألمانيا الشرقية. كان ضابطاً ميدانياً في وكالة الاستخبارات السرية، وحين ارتدّت، ارتدّت كي تكون معه. وقد جَعَلَتْهَا قصّتُها هذه أشدّ بريقاً من ووكر، لكنّه لم يكن يقلّ عنها غرابة وطرافة. كان في الرابعة والعشرين من عمره حين تقدّم بطلب إلى وكالة الاستخبارات السرية، وقد أعدّه على وجه السرعة عقب جلسة ليلية متأخرة في مكتبة الجامعة. كان قد تزوج وأنجب ولداً وهو لا يزال فتىً يافعاًً. وكان ينهي رسالة الدكتوراه حين استيقظ على حقيقة حاجته إلى وظيفة كيما يعيل أسرته. ولم يُطل التفكير؛ فهو لم يكتب الطلب إلى وكالة الاستخبارات السرية إلا بعد إرساله طلبات إلى كلّ شركة خطرت في باله. كان ذلك في أواسط تسعينيات القرن العشرين، حين كان البشر لا يزالون يرسلون طلبات الوظائف بالبريد. راحتِ المغلفات تتكوّم فوق مكتبه، وبينما كان ينظر إلى العناوين-بين، شِلْ، إنرون، ليمان برَذرز– أخذ يفكر: أليست الوظيفة الأروع، حقّاً، أن يكون جاسوساً. وهكذا دبّج رسالة أخيرة ضمّنها السيرة الذاتية التي سبق أن استعملها في الطلبات جميعها. كان هذا بعد انتقال وكالة الاستخبارات السرية إلى الهرم على نهر التايمز. حين بات جميع البريطانيين يعرفون العنوان.

   أثنى الرجال الثلاثة في لجنة المقابلة على حيطة ووكر حين أخبرهم أنّ أحداً لم يعلم بطلبه. لم يقل لهم إنّ ما دفعه إلى التكتّم هو غرابة أن يتقدّم المرء بطلب كي يصبح جاسوساً. بعد ذلك، دُعي للالتحاق بدورة تدريبية أولية، بدت أشبه باكتشاف أسرار جديدة في لعبة ﭭيديو. وكلما مضى في اللعبة، وأحرز نقاطاً أعلى، بدت له الحياة أشدّ إثارة، مع أنّ الأشياء التي تبدو جذّابة في الرابعة العشرين يمكن أن تفقد بريقها بتقدّم العمر. ليته تمسك بقليل مما كان لديه قبل أن يدخل الوكالة: زوجته، مثلاً.

   نهض سِرْ مايكل واتجه إلى الممر بهدوء، يكاد لا يطأ البلاط المزخرف في طريقه إلى المِقْرَأ الأوسط. بدأ رثاءه بتذكير الجمع أنّ هنيمان كان قد ابتدأ خدمته في البحرية الملكية. وبعد استذكار بضع عبارات من مراسم الدفن في البحر- “يوم يلفظ البحر موتاه”- أكمل بالمزمور التسعين، أو الصلاة لموسى: “يا ربُّ، ملجأً كنتَ لنا في دَوْرٍ فَدَوْر. من قبل أن تولَدَ الجبالُ، أو أَبْدَأْتَ الأرضَ والمسكونة، منذ الأزلِ إلى الأبد، أنتَ الله. ترجعُ الإنسانَ إلى الغبار، وتقول: ارجعوا، يا بني آدم. لأنّ ألفَ سنةٍ في عينيك مثلَ يوم ِ أمس ِ بعدما عبرَ، وكهزيع ٍمن الليل”. وقد صاحب هذه الكلمات دويٌّ خفيض لقطارات الأنفاق وهي تمرّ تحت الكنيسة. وسوى ذلك، لم يكن غير الصمت. أسند مايكل رؤوس أصابعه على الكتاب المقدس المفتوح ومال نحو الجمع، وقال: “تخبرنا هذه الصلاة أنّ الربّ يرجعنا إلى الغبار: إلى الفناء المحقق في عالم يتشظى. بيد أنه يقصد أيضاً أن يهدّئ من روعنا. فإذا ما استطعنا أن نمدّ أبصارنا أبعد من الحطام الذي يكتنفنا، لربما نرمق ما هو كلّيّ وأبديّ. الرب حافظنا، وبإيماننا نعلم أن الأبدية مصيرنا”.

دعوة إلى تغيير الأسئلة

شيرين أمير معظمي

نظرة جديدة: دعوة إلى تغيير الأسئلة

ترجمة عن الإنجليزية: محمد زيدان

نشرت الترجمة في نون بوست 3 يوليو 2015

http://goo.gl/kg1nLu

 

تواصل معي قبل بضعة أيّام محرّر إحدى الصحف وطلب منّي كتابة مقال يوضّح لماذا لم تتحوّل الثقافة الإسلامية إلى العلمانية كما حصل مع الثقافة المسيحية الأوروبية.

ولا بدّ أنّ أقول إن إجابة أيّ سؤال يتعلق بالعلمانية في “الثقافة الإسلامية” لن تكون ممكنة إلا من خلال التعرّض أوًلا بالنقد والردّ لعدد من الأفكار المسبقة التي نجدها عند الكثيرين منّا، ذلك أنّ السؤال يكرّر افتراض جود مكوّن مسيحي أوروبيّ متمايز، جرت عليه عملية العلمنة. لكنّ الأمر ليس بهذه البساطة.

باختصار:

  • يظهر أنّ الغالبية الساحقة من الأوروبيين يقبلون تحكم الدولة بالدين وإدارتها له في المجال العام
  • المسلمون مطالبون من جهة بقبول قيم التحرر الأوروبية إلا أنهّم يتعرضون بالمقابل إلى الرفض المستمر ويُنظر إليهم دومًا على أنّهم أشرار أو مشتبه بهم
  • المسلمون متهمون حتى تثبت براءتهم، وعليهم دومًا أن يثبتوا ولاءهم للنهج الأوروبي. ولكن من الذي يا ترى سيكون الحكم في هذا الاختبار؟

هذه الأسئلة تطرح باستمرار في السياق الأوروبي العام، وجميع وسائل الإعلام لا تنفكّ تطالعنا بأمور لتفحص مستوى تماشي الإسلام مع القيم الليبرالية والعلمانية. هل يمكن إصلاح الإسلام؟ هل يمكن أن يتسق مع قيم العلمانية في المجتمعات الأوروبية؟ هل المسلمون قادرون على الاندماج في أوروبا؟ ألا يستطيع المسلمون تحمّل المزاح؟

غير أنّ هذه الأسئلة خاطئة، وينبع خطؤها من فشلها في تحديد، عدا عن تعرية، إطار الهيمنة التي تطرح هذه الأسئلة ضمنه. هذا الإطار الذي يقيس مدى انسجام المسلمين مع قيم النظام الليبرالي العلماني.

إنّها الأسئلة الخاطئة لأنها تتنكّر للعديد من السياقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي يعيش المسلمون إسلامهم ضمنها ويفسرونه وفق تأثيراتها. كما أنّها ليست الأسئلة الصحيحة لأنها تستدعي إجابات من شأنها أن “تستثني” المسلمين أو تحكم بأنهم “غير مختلفين”.

ما أريد أن أقوله هنا ليس بالأمر الجديد، فقد توصّل إليه العديدون من قبلي، ولكن يلزم تكراره لأنّ هذه الأسئلة وأمثالها تقوم بشكل مباشر أو غير مباشر بتشكيل النقاشات العامة بخصوص المسلمين في أوروبا، ومن هنا تنبع أهمّية تكرار النظر في وظيفتها والآثار التي تترتب عليها.

عادة ما يظهر الإسلام على أنّه فاعل بذاته أو كأنّه شخص قائم في مكان ما، ويتم التعامل معه على أنّه أمر ناجز ومكتمل، وعليه فإنّه يخضع للإقصاء الرمزيّ. لهذه الأسئلة طريق واحد لا غير: إنها تنزع الصفة السياسيّة عن قضايا مبدئية وتوجّه اتهامات من طرف واحد لتقول: ما مشكلة الإسلام؟

وحتى لو تقدمنا بإجابة غير سلبية وقلنا إنّ المسلمين في أوروبا يمضون قدمًا نحو العلمانية وأن معظمهم ينسجمون مع قيم النظام الليبرالي العلماني، إلا أنّ الطريقة التي طرحت بها الأسئلة لا تنال نصيبًا وافرًا من التحليل.

في الحين الذي نرى السياسيين فيه يدّعون بحماسة بالغة أنّ “الإسلام جزء من أوروبا” لا يلحظ الكثيرون تلك السمة الأبويّة للسياسة المعاصرة المتعلقة بالإسلام هناك. فهذه الحفاوة تنضوي على الفكرة التقليدية التي تدعو إلى ضرورة التعامل مع المهاجرين باعتبارهم ضيوفًا، فبالرغم من الترحيب بهم إلا أنّهم لا ينفكّون عن كونهم مجرّد ضيوف عابرين.

أضف إلى ذلك أنّ هذه الفكرة القائلة بأنّ الإسلام جزء من أوروبا عادة ما ترتبط بعدد من الشروط، إذ يبدو المسلمون أنّهم ضمن برنامج إطلاق سراح مشروط وأنّ عليهم إثبات ولائهم للأسس التي قامت عليها أوروبا. ولكن كيف يمكن أن يكون للشخص ولاء لأمرٍ هو في ذاته متضارب وهشّ ومتغير؟ ومن ذا الذي يحقّ له يا ترى التقرير بشأن هذا الولاء؟ إنّ الأمر أشبه باتخاذ قرار حول من يمكنه أن يشارك، ومتى يشارك وكيف يشارك.

تجلى هذا الأمر بوضوح بعد هجمات باريس، فقد انتشر في البداية شعور بالتكاتف حين قام المسلمون منظماتٍ وأفرادًا باستنكار الإرهاب الحاصل باسم الإسلام، ولكن بعدها بوهلة بدأت المطالبات من المجتمع الفرنسي بضرورة تبني الأسس الليبرالية للنظام العلماني للبلاد.

لم يكن استنكار الإرهاب والعنف كافيًا ليحصل المواطن المسلم على اعتراف بأنّه عضو كامل العضوية في المجتمع. ويبدو أنّه لن يتم الاعتراف بالمسلمين كأعضاء كاملي العضوية في مجتمعهم إلا إذا اتّسق تدينهم مع بعض الأفكار المتعلقة بالتدين المعلمن وأن يكون هذا الأمر على رؤوس الأشهاد، كأن يهتفوا في الشوارع مثلًا قائلين: “أنا تشارلي”.

الأمر الإشكالي الآخر هو أن يُطلب من المسلمين تبني قيم الليبرالية الأوروبية في حين يتم التعامل معهم بالرفض والشيطنة والاتهام والنظر إليهم على أنّهم في حاجة ماسّة للإصلاح. هذا هو التناقض التقليدي التي تنضوي عليها عملية الدمج هذه والتي تتمظهر في مسألة “مسلم أوروبا”.

هذا الشكل من الرفض بالإضافة إلى الحالة الاجتماعية المتدنّية أمران يشعر بهما المسلمون، خاصّة أولئك الذين يظهرون ممارستهم للإسلام في المجتمع. وفي حال استمرّت آليات الإقصاء البنيويّة هذه من دون الوقوف عليها وتعريتها فإن المبادئ المتعلقة بالاندماج في المجتمع ستبقى عناصر في مشروع حضاري شعاره: “كن مسلمًا ولكن ابق بعيدًا عن أعيننا”.

حتى هذا الحديث الذي عاد إلى الساحة مجدّدا عن “الإسلام الأوروبي” يعود بنا عنده تفحصه إلى النقطة ذاتها: “كن مسلمًا ولكن على طريقتنا” أي “كن كما نودّ نحن أنفسنا أن نكون”.

هنالك جانب آخر لهذا الاستجواب الذي يخضع له المسلمون من طرف واحد: إنه يجعل من الممكن بعث الحياة مجدّدا في نزعة كونية كانت قد علقت خضمّ أزمة كبيرة. لا بدّ أن يتّضح تمامًا أنّ العلاقة التي تربط السياسة بالدين في أوروبا أكثر تعقيدًا مما قد توحي به فكرة العلمنة للوهلة الأولى.

إن العلمنة كأداة رسميّة تستهدف فصل الدولة عن الدين هي أمر كان وما يزال يشوبه الكثير من التعقيد والتضارب، ذلك لأنّها تقوم على وجود خط يتم رسمه بين مساحات السياسي والديني. والقضية هنا هي أنّ مثل هذه الخطوط لا يمكن أن تكون محايدة ولا ثابتة كما أنّها تقوم على هرميّة من نوع ما. إنها خطوط تعجّ بالافتراضات التي لا تنتهي كما أنّها تتسم بالحركة والديناميكية.

لذلك علينا أن نسأل كذلك عن سبب تكرار هذه القصّة عن المسيحية المروَّضة والمعلمنة، والتي يفترض البعض أن تكون نموذجًا يمكن للإسلام أن يسير على هديه، خاصّة حين يكون “الآخر” معنيًا بالأمر، مع أنّ هنالك العديد من الخلافات العميقة التي تتعلق بالأسس التي قامت عليها أوروبا والقيم السائدة فيها.

إن الفكرة التي يطرحها جيل أنيدجار بأنّ أوروبا قد شكّلت وعرّفت نفسها من خلال استحضار الآخر اليهودي أو المسلم على أنّه الخارجي أو العدو الداخلي قد توضّح الكثير مما أرمي إليه هنا.

لا بدّ أن نستمر في انتقاد الخبث التي تنضوي عليه هذه الأسئلة، علينا أن نغيّر وجهتها وأن نظهر كيف أنّ سؤال المتعلق بالمسلم يشير بالضرورة إلى أسئلة أخرى. ما الاحتمالات والفجوات التي يمكن أن نعثر عليها في المبادئ والقيم التي تمثلها أوروبا؟

ما وظيفة عملية الاستجواب هذه التي يخضع لما المسلمون باستمرار ليجيبوا على الأسئلة ذاتها التي لا تتغير؟ وكيف لهذه الأسئلة أن تشكّل الظروف الذي يكون فيه الكلام ممكنا؟

ما هي أشكال العنف السياسي والمعرفي التي ترتبط بمثل هذه الدعوات وآليات الإقصاء التي ترتبط بها؟ إلى أيّ مدى ينجح تكرار هذه الأسئلة في إخفاء هذه الأنماط من التحكم والسلطة؟

إنّ السؤال لن يكون متعلقًا بإنشاء الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي سافر خلالها المسلمون إلى أوروبا، فالماضي الاستعماري لا يمكن أن يخفى على أحد ولا يمكن استثناؤه من هذا النقاش. علينا كذلك أن نسأل عن مقدار الارتباط الوجداني هناك بقيم الليبرالية والعلمانية التي يفترض أنّها توفّر منظومة محايدة منصفة حين يُسأل المسلمون عن إمكان الاندماج لديهم في المجتمع الأوروبي.

في كل مرّة يطرح فيها السؤال المشروع عن السبب الذي يدعو الناس إلى ارتكاب الجرائم باسم الدين لا بدّ أن ننظر بجدّية أكثر إلى تلك العلاقة بالعلمانية التي ترتبط بحدّ كبير بالعاطفة والتجسّد الواقعي لها.

لا شكّ في أنّ الكثير من المسلمين المتدينين قد شعروا بالإهانة بسبب الرسوم التي انتشرت، إلا أنّه يلزمنا كذلك أن نفكر بجدّية أكبر بالمكونات العاطفية المرتبطة بالأفكار العلمانية وتمثلاتها في أوروبا.

إن العلمانيّ، وإن بدا هنا تناقض في هذه العبارة، صار أمرًا مفترضًا إلى الحدّ الذي بات فيه معظم الأوروبيين يقبلون تحكّم الدولة بالدين وتنظيم شؤونه في المجال العام من دون أية تحفّظات.

يظهر ذلك في النقاش الذي لا ينقطع حول ممارسة المسلم لشعائره في الأماكن العامّة أو المؤسسات التابعة للدولة في أوروبا. وفي كلّ مرّة ينجم عن هذه النقاشات مشاعر متباينة بين السخرية والمقت أو الكراهية العلنيّة لهذه الأشكال الشاذّة من التديّن.

إنّ هذه القضية المتعلقة بمركّب علمانيّ عميق يدعونا إلى توسيع مداركنا والتوقف عن طرح الأسئلة على المسلمين من طرف واحد لنعرف رأيهم عن الدين في دولة علمانية وفق حكم القانون، وأن نبدأ التعامل مع التمظهرات العلمانية على أنّها مواقف مكتسبة أو مفروضة على شكل ممارسات وتعلقات وجدانية لا نعيرها اهتمامًا بسبب طبيعتها الكامنة.

إن توسيع مداركنا بهذه الصورة لا يفترض بالضرورة انتقال اللوم من طرف إلى آخر، ولكنّها تجعل أي نظر وتجاوب مع القضيّة أكثر تعقيدًا نظرًا لزيادة التعقيد في الأسئلة.

وهكذا لن يكون السؤال عن إمكانية اندماج المسلمين في “أوروبا متخيّلة”، بل سيكون علينا أن نسأل من جهة أخرى عن إمكانية المؤسسات والقيم والمبادئ الأوروبية على التأقلم مع الواقع الذي يفرض تعدّدية دينية وثقافيّة لا مفرّ منها.

على تلال الله

مراجعة

المجلة الثقافية-الجامعة الأردنية

ترجمة محمد زيدان


على تلال الله

لعلّ أكثرَ اللحظات إشراقاً في رواية على تلال الله للروائيّ إبراهيم فوّال هي ما لهجت به عباراتُ يوسف صافي – الشخصيةِ الرئيسية في الرواية – وهو ماثل أمام أمّه يَعدُها أن لا ينسى الوطن، حين قال لها بلهجة صادقة: ” اعلمي يا أمي أن ضميرَ العالمِ لا بدَّ أن يتحرك، لا بدّ أنْ يستيقظ، وهذا ما سنقوم به. ليس هذا وعداً فارغاً ولا عهداً أقطعُه هكذا على عَجَل. لا بدَّ أنْ نعود، هذا وعدي لك، وأقسم ُعلى هذا بعزّتك وعزةِ كلِّ أمّ تبكي هذه الليلة”. كان هذا العهد الذي قطعَه يوسف قد أزال الستارَ عن قصة بطولية كانتِ الشجاعةُ والقوة اللتان فاقتا كلَّ تقدير أبرزَ عناوينها. إنّها قصة لم تفتأ تتكررُ في كلِّ بيتٍ فلسطيني وكلِّ ذاكرة فلسطينية. إنّها قصةٌ يعيشها الفلسطينيون حتى هذه اللحظة.

تقدم لنا رواية على تلال الله وصفاً لمجتمع ريفيّ تجمع بين أفراده رابطة متينة ويعرف باسم “أرض الله” وكان هذا في السنوات الأُوَل من التاريخ الفلسطيني. وتخبرنا الرواية عن “أرض الله” كما يراها أحد الشبان الفلسطينين، وهو يوسف صافي، الذي كان ينظر بعيني العاجز للأحداث الفاجعة التي رزأت الفلسطينيين في العام 1947 و 1948، ويصوّر لنا الكاتب شمسَ فلسطين وقد أفلت وكيف قامت دولةُ إسرائيل وما تبع ذلك من آثار على أرض الله. ولا يكتفي الكاتب بعرض المأساة الفلسطينية، بل يتناول كذلك المحن الشخصية التي قاساها يوسف وهو يواجه الخسارة الوشيكة لأرضه ولأعز أحبابه، فهي قصة فتىً فلسطيني يعيش مرحلة عصيبة تدفعه لأن يعاهد على ألا يترك أرضه بالرغم مما لاح أمامه من العقبات الجسام التي تحول بينه وبين ذلك. إنها قصة يمتزج فيها الحب والأسى والنكسة واليأس ولها خيوط تربطها بقصص شخصية لجميع الفلسطينيين الذي خسروا حياتهم ومنازلهم في العامين 1947 و 1948.

يكابد يوسف خلال هذه الرواية محناً على المستوى الشخصي جعلت منه رجلاً لا يرضى إلا أن يرد الشرف والكرامة لعائلته ولشعب فلسطين قاطبةً -بعد أن كان صبياً يافعاً مفعماً بحيوية الشباب- وهذا ما يجعله رمزاً للروح والعزيمة في فلسطين.

كان يوسف يعيش في أرض الله، محبوباً بين جميع أهلها، وكان يبلغ من العمر سبع عشرة عاماً. كان والده طبيباً له سمعة طيبة في هذه البلدة. كان صيف عام 1947 قد جلب معه نسيمَ أملٍ لعائلة صافي، إلا أنّ نذير الخوف بدا حاضراً، خاصةً حين أشار الراوي إلى أنه “آخر صيف سعيد” تشهده فلسطين. كان يوسف مسيحياً إلا إنه كان يقضي معظم وقته مع أقرب أصدقائه وكان أحدهما مسلماً واسمه أمين، والآخر يهودياً واسمه إسحق وكان كلاهما يقطن بأرض الله، وقد اختار الراوي هذه العلاقة الثلاثية ليدلّل على الوحدة التي تجمع الأديان الثلاثة والتي تقضي على جوانب الخلاف وتجعل الهوية الفلسطينية هي الرابط بينهم. كان العالم الذي يحيا فيه يوسف مرتبطاً بشكل وثيق بأرض الله ومن يسكنها ولا سيّما أصدقاؤه المقربون؛ أمين و إسحاق، وعازف العود الضرير، وجمال، وسلوى طويل، الذي أخذ حبُّها بعقله. كان لأرض الله سحرٌ خاص ليوسف وأصدقائه، فترى أجملَ ما عندهم أن يستمتعوا بصحبة أهل البلدة والتجول في أحياءها. كل زاوية من أرض الله تحكي قصة من حياة يوسف، فهنالك قهوة الفردوس التي كان يجلس فيها يوسف حين طرق سمعه لأول مرة قرار تقسيم فلسطين الذي أقرته الأمم المتحدة وبدأ بحشد الدعم مع ابن عمه باسم. أما محل نشوان للبوظة فهو المكان الذي التقت فيه سلمى بيوسف وأخبرته بأنها قد خُطبت، ومن مكتبة عارف كانت ترد ليوسف أنباء الحرب المستعرة، وكانت سينما فريال هي الوجهة التي يلوذ إليها لينظر إلى محيّا سلوى دون أن يشعر به أحد، وانتهاءً بالساحة وهي المنطقة التي يشهد فيها يوسفُ موتَ إسحاق دون أن يقدر على فعل أي شيء.

وتستحق أرض الله منا تركيزاً بشكل خاص لأنّها تمثل اللوحة التي يرسم فوال صوَره عليها. كان وصف البلدة الذي قدمه يوسف مفعماً بالفخر والاعتزاز وعادة ما كان يفاضل بينها وبين ما يجاورها من مدن. فأرض الله تقع على بعد “30 ميلاً إلى الشمال الغربي من القدس، و 15 ميلاً إلى الشرق من يافا”، وتوصف بأنها عروس المنطقة لما تتميز به من جمال الطبيعة والازدهار والنشاط. كان الفلسطينيون يقصدون أرض الله في فصل الصيف في رحلاتهم، حيث تكون البلدة في هذا الوقت من العام تعج بالسياح ولا تكاد شوارعها تخلو من الناس ليلاً ونهاراً.

بالرغم مما بدت عليه الحياة في أرض الله من سلام وسكينة إلا أن خطراً داهماً كان في الانتظار وكان يوسف أول من يتنبأ بالعاصفة الهوجاء التي ستهب قريباً على بلدته. تحوّل صيف 1947 إلى كارثة بعد أن أصبحت مخططات الصهاينة لاغتصاب فلسطين تشكل تهديداً على أمن من يسكن أرض الله، وانعكس ذلك على أسلوب حياة يوسف التي تحولت بين ليلة وضحاها من السكينة والتناسق إلى الذعر والاضطراب بأقصى صورهما. وقد كان يوسف قلقاً في المقام الأول على مستقبل فلسطين وعما يمكن أن يحدث لأرضه حين تقرر الأمم المتحدة والعالم أجمع أن يتغافلوا عن مأساة الفلسطينيين على أيدي الصهاينة. يواجه يوسف مصيبة تلو الأخرى كالحرب التي باتت شبه مؤكدة والعنف المتصاعد في أرض الله، واحتمال أن تسلب منه أرضه، وخيانة صديقه إسحاق ومصرعه بعد ذلك، والضيق الذي أصابه بعد علمه بخطوبة سلوى ومن ثم الحادثة الأليمة لمقتل والده.

كان من ضمن التجارب المؤلمة الأولى التي تعرض لها يوسف في الرواية ما شهده من الخيانة الفظيعة التي أقدم عليها صديق طفولته إسحاق, وتعرُّضِه للقتل على إثر ذلك. كان يخشى يوسف في وقت مبكر من الرواية أن الحرب القادمة ستنهي الصداقة التي جمعت بينهما، ودفعه ذلك إلى أن يأخذ من أصدقائه العهد على ألا يفرق شيء بينهم. إلا أن هذه الصداقة بدت تتلاشى بصورة تبعث على الأسى بعد هجوم على منزل إسحاق قام به بعض المتظاهرين في ردة فعل غاضبة على مقتل أحد سكان أرض الله على يد إرهابيين صهاينة، وبعد ما رآه يوسف من انقطاع لم يعهده من إسحاق ورحيل الأخير لاحقاً عن أرض الله. مضت عدة أشهر تلقّى يوسف بعدها رسالة من إسحاق أرسلها من تل أبيب يخبره عن مكان إقامته الجديد، وأعقبت هذه الرسالةَ عدةُ رسائل أخرى منه. وبعد برهة من الوقت يقع إسحاق ضمن مجموعة من الصهاينة بين أيدي أهالي أرض الله بعد أن كانوا يعزمون على مهاجمتها ويلقى حتفه على أيدي من قبضوا عليه. حاول يوسف جهده أن ينقذ صديقه من براثن الموت مذكراً أهل أرض الله أن إسحاق كان واحداً منهم، إلا إنه لا يفلح في ذلك. كان لمقتل إسحاق أثر بعيد على نفس يوسف جعله يدرك قسوة الموقف، وكانت هذه الحادثة أول تجربة حقيقية ليوسف مع خسارة شخص من أحبائه. أصبح يوسف بعد مقتل صديقه ينظر إلى الصراع من زاوية أفضل وزالت الغشاوة عن الخطر الحقيقي والذي يشمل احتمال أن يخسر وطنه.

أبدع فوّال حين تحدث عن نضال سكان أرض الله الذين يسعون لحماية بلدهم ضدّ تقدم الصهاينة، حيث يشارك جميع السكان بالعمل لدفع الخطر بأسلوبهم الخاص لإنقاذ مجتمعهم. وقد كان يوسف ضمن الرجال الذين تقدموا للانخراط في صفوف المقاومة ضد الهجمات الصهيونية، ولكنه لم يحمل البندقية في حياته قطّ، لذا كان نوع المساعدة التي كان يقدمها تقتصر على تزويد المقاومين بالغذاء والمؤن الأخرى. لم يكن يوسف ليتخيل يوماً أن يشارك في الهجمات التي كانت تهدف لحماية أرض الله، ولكنه يدرك حجم الرعب الواقع على أهالي البلدة لأنه يملك الشعور نفسه.

خُيّل ليوسف أن ما حصل كان أسوأ ما يمكن أن يتوقعه المرء، إلا أن فاجعة أقضت مضاجع عائلة الصافي عند مقتل والد يوسف بطلقة من أحد الصهاينة. كان وقع هذه المصيبة عنيفاً بشكل شخصي على يوسف الذي راح يبحث عن إجابة لتساؤلات عديدة بشأن القتل الوحشي الذي تعرض له والده، بعد أن تركت هذه الحادثة في نفسه جراحاً يصعب مداواتها ومآسي لا يمكن وصفها. أما أهالي أرض الله فقد أدركوا أنهم قد خسروا بمقتل والد يوسف أحدَ أعظم الرجال الذين عرفتهم أرض الله. يتلقى يوسف بعد ذلك بعدة أيام صاعقة أخرى عند إعلان زواج سلوى، وأدرك من فوره ما يتحتم عليه فعله لينقذ سلوى من براثن زواجٍ أكرهت عليه إكراهاً، إذ ذهب إلى حفل الزفاف ووقف أمام من حضر من الأهل والأصدقاء وأعلن حبه لها. تم إيقاف مراسم الزفاف لينتقل يوسف إلى تحدٍ من نوع آخر، فوالد سلمى الذي أغضبه ما حدث قد اشترط عليه أنه إن أراد أن يتزوج سلوى فليفعل ذلك خلال أسبوع وإلا فلن يقبل به زوجاً لها أبداً. كانت المشكلة الوحيدة التي تحول بين يوسف وتحقيق هذا الأمر هي أن عائلة صافي كانت ما تزال في فترة الحداد، ولم تكن الأعراف الاجتماعية تسمح بعدم إتمامها.

كان النصر حليف يوسف في نهاية المطاف هذه المرة، حيث أتم زواجه من سلوى بعد أن توصلت العائلتان بعد نقاشات طويلة إلى حل وسط بينهما، وتم العرس بسلام وكسب يوسف جولة في نزالات حياته الشخصية. كانت التحديات ما تزال ماثلة في الأفق القريب، فالصهاينة يديرون اللعبة على الساحة الدولية كما يحلو لهم وأصبحوا يهاجمون مئات المدن والبلدات الفلسطينية المجاورة لأرض الله، وتملك الخوف الناس باقتراب موعد انسحاب القوات البريطانية المقرر في الخامس عشر من أيار، لأن انسحابهم كان يعني بالضرورة زيادة الهجمات الصهيونية على القرى والمدن الفلسطينية. تابع يوسف وأهل القرية انسحاب الجيش البريطاني بعيون يلفها الحزن, وانتهت بذلك فترة الانتداب البريطاني على فلسطين وبعدها بساعات أعلن الصهاينة قيام دولة إسرائيل، وأشعل ذلك فتيل حرب في الكثير من المدن كغزة والجليل والقدس، أما أرض الله فأخذت تحصن معاقلها وتجهّز أهل البلد لهجوم خطير من قبل الصهاينة.

إلا أن التطورات أخذت منحى مختلفاً عما توقعه أهالي أرض الله، فلم يكن هنالك هجوم إسرائيلي، بل كان التدخل من نوع آخر، إذ شهدت أرض الله بعد أيام من إعلان قيام دولة إسرائيل أمواجاً من اللاجئين الفلسطينيين المشردين، اجتمع عليهم الجوع والسلب والفاقة ويحمل كل منهم قصصاً من العذاب ومشاعر الحقد على الغاصب. قام يوسف ومعه زوجته سلوى وأمّه ياسمين بتقديم الطعام والشراب والمأوى للاجئين، اللذين اضطر المئات منهم إلى الإقامة في أي نقطة داخل بيت عائلة الصافي أو حوله. كان يوزع يوسف وقتَه بين مساعدة اللاجئين وتقديم ما يلزم لهم، وبين الاستماع إلى قصصهم, وكان يواسيهم بما يقصهم عليهم مما حل به هو من ألم وما تملكه من يأس. وكان من ضمن ما سمعه يوسف أن المدن والبلدات التي تشتهر برجالها البواسل أولي العزم والإقدام قد سقطت بأيدي الصهاينة، وكانت هذه الأنباء أشبه بصاعقة نزلت بيوسف وجعلته على خوف دائم مما يمكن أن يحل بأرض الله.

كان يوسف على موعد في الفصل التاسع والعشرين من الرواية مع العيش مع معاناة اللاجئين من حوله وجهاً لوجه ليستيقظ هو وعائلته قبيل بزوغ الفجر على صوت بعض الانفجارات قريباً منهم، تبعها صوت طرق على الباب. كان في الخارج مجموعة من الجنود الإسرائيليين الذين أجبروا العائلة على إخلاء المنزل وعدم الاقتراب منه. انتُهكت حُرمة المنزل وسلبت عائلة صافي جميعَ ما تملكه، وتكرر المشهد مع بقية العائلات الفلسطينية في أرض الله. كانت الطريق نحو ملجأ آمن رحلة شاقة تكتنفها المخاطر ولا يصل إلى ذلك المكان سوى القليل. كان والد سلوى، أنتون طويل، أول من يسقط في هذه الطريق ولم يتمكن أحد من إنقاذه، فترك وحيداً لا يغطيه سوى عباءةٌ وحطةٌ بيضاء.

يستمر مسلسل المعاناة في حياة يوسف الذي أصبح النضال يعني بالنسبة إليه أن يحافظ على عائلته، ولكن حتى هذا لم يتحقق له بعد أن تفرَّق شملُ العائلة خلال النكبة. أضنى يوسف نفسه في البحث عن سلوى وأمه ولكنه لم يجد أثراً لهما. مضت عدة أيام، وتبين أن أمه ياسمين في أريحا، أما سلوى فلا خبر عنها. يهاجر كلٌّ من يوسفَ وأمّه إلى عمَّان يحدوهُ الأملُ بأن يلتئم الشملُ مع سلوى هناك, وأضحى كسيرَ الخاطرِ تختلجه أحاسيسُ القلق والهجران والأسى، وبدا المستقبل أمامه شاحباً لا يُرتجى منه خير، كيفَ لا وهو لا يدري إلى أيّ منزل يأوي هو وعائلته؟

قد تكون قصة يوسف غيضاً يسيراً من فيض قصص معاناة الفلسطينيين التي مروا بها وما زالوا، إلا إنها تتميز بما تشتمل عليه من أبعاد شخصية قريبة لكل فلسطيني وذلك بما تعرضه لنا من صور المأساة والعذاب والفاقة، وهي صور عايشها جميع الفلسطينيين في تلك الفترة.

تتبوأ سلوى مكانةً مميزة بين شخصيات الرواية التي لها أثر عميق على تطور شخصية يوسف وتحولها، ولا بد من الاهتمام بها بشكل خاص، فهي القوة التي شكلت هوية يوسف وشخصيته. عاشت سلوى وعائلتها في أرض الله منذ أجيال عديدة، تماماً كعائلة يوسف، وكانت قد أحبته كما أحبها، إلا أن أعراف المجتمع كانت دائماً تحول بينهما. لم تكن سلوى مجرد امرأة ملكت على يوسف شغاف قلبه بل كانت في الرواية رمزاً يمثل الشعب الفلسطيني. تكلل حبهما لبعضهما بالزواج بعد صراعات مريرة ليكونا معاً، وقد نجح فوّال في تصوير هذه الوحدة التي جمعت بينهما ليشير إلى أن فلسطين وشعب فلسطين في وحدة أبدية أمام الله وأمام العالم. كان يوسف يرى ارتباطاً لا سبيل لفصله بين سلوى وفلسطين حيث يقول: “إن سلوى وفلسطين هما تمام ثالوث روحه” ، وفي هذا المجاز الديني إشارةٌ إلى أنّ فلسطين وسلوى سيّان ليوسف، فكلاهما مقدّسٌ ولا ينفصلان. ويظهر لنا في الرواية مدى الثبات في العلاقة التي تربط يوسف بسلوى وأنها بالفعل علاقة لا تنقضي، فتراه يقسم أن لا ينقض عهد الحب الذي بينهما حين أخبرته بأمر خطبتها، وحين تزوجها عاهدها بأن لا يتخلى عن الأرض التي تعلق قلبُه وقلبُها بترابها, ولما فرق النزوح بينهما، أخذ يوسف على نفسه أن لا يألو جهداً في العثور عليها.

ومن أبرز الجوانب في رواية فوّال إبداعه في وصف الشخصية الرئيسية في الرواية وهو يوسف، حيث كان من أهم ملامح الجاذبية في شخصيته إيمانه الراسخ بأنّ السلام ممكن لو تمكن طرفا الصراع من الحوار بصدر منشرح وعقل متفتح. كان جانب البراءة في شخصية هذا الشاب يضفي عليه سحراً مميزاً، خاصة أنّ تمَسُّكه بالسلام امتزج مع عاطفته الجياشة التي تربطه بالبشرية جمعاء، وهي العاطفة ذاتها التي يكنّها في قلبه لكل فرد من شعب فلسطين. وللقارئ أن يلحظَ هذا التعاطف حين يبكي يوسف مقتلَ صديقه اليهودي إسحاق وتعاطفه مع عائلة الشعلان، بالرغم من أن جميع من في أرض الله كانوا يرغبون في قتله لمحاولته مهاجمة البلدة. “كان يوسف مشغولَ البال قلقاً على عائلة إسحاق. لم يعرف من نقل الخبر لأمّه، ولم يدر كيف كانت ردة فعل أبيه. كان يوسف يفكر في حال ذويه في مصابهم بمقتل ابنهم وقنوطهم لما حل بهم”. ونلحظ أن الكاتب هنا قد جانب إلى حدّ ما واقعيةَ الحياة ومعطيات الصراع, خاصة في تلك الفترة المبكرة من النكبة الفلسطينية، وأضفى صبغة مثالية انطبع عليها فّوال فيما يبدو وعبّر عنها من خلال يوسف، الذي جمّد أحاسيسه وانفعالاته وكاد الراوي يجعله في مصافّ الكمّل من بني قومه. أما الصورة التي رسمها الكاتب ليوسف كشخص يقف عاجزاً أمام المصائب فتتغير في مواقفَ كثيرة حين يحاول التأقلم مع المأساة التي يعانيها أفراد الشعب أثناء الحرب. وراح يوسف بعد وقوع مجزرة دير ياسين يسائل نفسه وكأنه لم يعد واثقاً من جدوى الحل السلمي، خصوصاً وهو ينقّب هنا وهناك عن أخبار ضحايا المذبحة. ويتجلى هذا التردد في الفصل الثامن عشر حيث يقول الراوي: “أصبح قلبه تمزقه الحيرة الآن، فكيف يمكنه أن يناصر الحل السلمي بعد ما قرأ عن هول ما حصل؟ لكنه لا يزال يعتقد أن الحل لا يكمن في القتال”. وإن هذا النضوج السلمي في شخصية يوسف لهو أمر غريب مستهجن في الفترة التي تتناولها الرواية، وفي هذا مثالٌ آخر على طغيان العاطفة المثالية والسذاجة التاريخية في بعض أجزاء رواية الفوال.

وتتكلف الرواية أحياناً وهي تصور لنا يوسفَ شخصاً ذا مشاعر مرهفةٍ في ربيع شبابه يحاول جاهداً أن يصل إلى معنى وراء حالة العدوانية الصاعدة التي تطوق الأجواء حوله. وتمضي الرواية لترينا كيف أصبحَ يدرك الخطر الذي يحيق بمنزله ويقسم أن لا يتخلى عن بلده، وهو عهد أخذه على نفسه أمام الله وزوجته سلوى. كانت ثقته بأنه سيعود مع سلوى إلى أرض الله ليرى بيته من جديد هي القوة التي أبقته صامداً دون يأس من الحياة. ومما ميز يوسف عن الشخصيات الأخرى ذلك الشعور بالارتياع حين رأى الأرض التي عشقها قد أضحت منطقة حرب وصراع. يذهب يوسف إلى القدس الشريف مع أمه التي رغبت في الاطمئنان على والديها ويجد نفسه عرضة للنيران الإسرائيلية، حيث شهدت القدس قصفاً عنيفاً بالقنابل حصد أرواح 27 مواطناً. لم يتمكن يوسف أثناء هذه المحنة إلا أن يشعر بالأسى لما حل في المدينة المقدسة من دمار وقتل؛ “لقد علم في قرارة ذاته أن النهاية قد حلت على المدينة المقدسة”. كانت الروح الإنسانية المليئة بالعطف والشفقة هو ما جعله ينال محبة جميع من حوله من أقارب وأصدقاء.

لا تزال شخصية يوسف تأسرنا بما يمتلكه من فهم عميق وذوق مرهف وبصيرة نافذة. فترى القارئ مثلاً وقد أعجبه من هذا الفتى ما يملكه من حب لجميع الفلسطينيين وتقبّل وتقدير لهم غيرَ واضع في معيار حكمه ما يدين به هؤلاء الناس. ويتضح لنا هذا من خلال ما يشعر به يوسف بعد أن عاين قصف القدس في الجزء الذي نقرأ فيه ما اختلج في صدره من أحساسيس تجاه المدينة المقدسة وأهميتها الدينية. لكنّها في كثير من الأحيان شخصية الكاتب ذاته التي تحسبها تتمثل في يوسف وما يفكر به وما يسعى إليه، وكأنه ليس هو الفتى ابن السبع عشرة عاماً، بل رجل يعيش في عالم من المُثلِ لا يكاد أحد يشاركه فيه، وهذا هو موطن التكلف في رواية تتناول أحداث النكبة.

ولدى فوّال قدرةٌ على المزج بين التاريخ الواقعي لفلسطين في العامين 1947 و 1948 وعنصر الخيال الروائي في عمل واحد، بحيث يخرج لنا صورة  لواحدة من قصص الألم الفلسطيني العديدة في تلك الفترة. كما تميّز فوال حين تمكن من وصف ردة فعل الفلسطينيين لبعض الأحداث التاريخية، فهو يضع أمام القارئ بعض النقاط التاريخية كقرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين و انتهاء الانتداب البريطاني عليها وما تلا ذلك من إعلان قيام دولة إسرائيل في صيف 1948. ونذكر أيضاً وصف الكاتب الدقيق بأسلوبه المؤثر لمجزرة دير ياسين في نيسان 1948. كان معظم أهالي أرض الله يحاولون التأقلم مع حقيقة ما جرى في المجزرة، إلا أن يوسف عبر عن مشاعر حزنه بشكل مختلف، فذهب إلى الصلاة وطلب إلى الأب مايكل أن يعلن الحداد على ضحايا المجزرة بأن يقوم بدق أجراس كنسية القديس جورج الكاثوليكية خلال الليل. كما يدفع فوال بقارئه للربط بين الأحداث ليزيل الغطاء عن بعض الوقائع التاريخية ويكشف العلاقة بينها، فمجزرة دير ياسين على سبيل المثال ترتبط بشكل مباشر مع نكبة 1948 والتي شهدت إخلاء 400 بلدة في فلسطين بشكل كامل. وكانت بلدة أرض الله في الرواية إحدى هذه البلدات التي اغتصبها الصهاينة وأجبروا أهلَها على تركها بما فيها خلال النكبة. كان معظم أهالي أرض الله يخشون من تكرار دير ياسين في بلدتهم وهذا ما كان يدور في خلدهم حين قام الجنود الصهاينة بمهاجمة البلدة، وهذا الخوف هو الذي يفسر رحيل بعض الفلسطينيين من قراهم حيث دب الرعب في قلوب الجميع بعد المجزرة، إذ توقعوا مجزرة مماثلة في ربيع 1984. كما تظهر مهارة الكاتب في ربطه بين قصة أرض الله وسكانها مع تاريخ فلسطين مما أعطى يوسف وقصته صبغة واقعية تتجاوز الزمان والمكان وتترك أثراً على القراء على اختلاف مشاربهم وخلفياتهم.

تمنح رواية على تلال الله قارئها مفتاحاً لما استغلق عليه بشأن فلسطين والصراع على أرضها، فالكاتب يروي قصة أرض الله، قصةَ بلدةٍ فلسطينية تمثل كل فلسطين، ويوسف صافي رمزِ الروح الفلسطينية التي لا تفنى ولا تنكسر.