كيف خسر أردوغان الليبراليين؟

كيف خسر أردوغان الليبراليين؟

نشرت هذه المقالة المترجمة في ألترا صوت في 22 تشرين الثاني 2015

http://goo.gl/VRqLoi

لقد كانت تركيا قبل خمس سنوات النّجمة اللامعة في العالم الإسلامي، وصارت محلّ إعجاب الشرق والغرب على السواء بفضل اقتصادها المزدهر وديمقراطيتها التي تخطو خطوات جريئةً إلى الأمام، ما جعلها تنجح في وضع حدّ لتدخّل الجيش في السياسة وتجاوز مخاوفها القديمة بشأن الأقليّات، كما قرّرت كذلك أن “تصفّر” مشاكلها مع دول الجوار.

هذا وقد تحقّق هذا النجاح المذهل أثناء حكم حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان وهو الحزب الذي يشار إليه غالبًا بأنه حزب “الإسلاميين المعتدلين”. وهكذا ذهبَ الكثيرون من الناس حول العالم وفي تركيا، وأنا منهم، إلى التصديق بأن “تركيا الجديدة” هي المعادلة المتكاملة المنتظرة بين الإسلام والديمقراطية الليبرالية.

شيءٌ ما قد تغيّر

أمّا اليوم فقد خسرت تركيا شيئًا من ذلك الألق، إذ يتكرر في وسائل الإعلام الدولية أنباء عمّا يجري فيها من تقييد للإعلام المعارض، وتراجع حكم القانون، وزيادة المخاوف من الحكم الاستبداديّ.

وقد وثّق تقرير التقدّم الصادر عن الاتحاد الأوروبي للعام 2015- الذي كان من قبل يمتدح الإصلاحات التركية، وجودَ تراجع كبير في مجالات حرية الرأي وحريّة التجمهر في تركيا.

ولعل هذا ما دفع عبدالله غل، الرئيسَ السابق للبلاد ورفيق أردوغان في تأسيس حزب العدالة والتنمية، إلى أن يشير إشارة عابرةً في شباط 2014 إلى أن “نور تركيا لم يعد يشعّ كما كان يشعّ في الماضي”.

ولكن لم هذا؟ وما الذي تغيّر؟

إن المنافحين بتصلّب عن أردوغان- وهم المسيطرون على مساحة كبيرة من الإعلام التركيّ الآن، ويرغبون في السيطرة على المزيد- يقدّمون ردّا مبسّطًا على مثل هذا السؤال، فيقولون إنّ أردوغان هو الرجل الذي تجرّأ على تحدّي سادة الشرّ في العالم- الصهاينة وحلفاؤهم- وهو الذي يدافع عن المضطهدين، ومنهم الفلسطينيون، وهذا ما جعل البعض يحاول الانقلاب عليه كي يقلقلوا الأمن في تركيا.

وعليه فإنّ قوى التآمر هذه هي التي أغرت الإعلام الغربي بالانقلاب ضدّ أردوغان، بل وحرّكت كذلك طوابيرها الخامسة داخل تركيا- كالليبراليين، علمًا أنّهم قد دعموا العدالة والتنمية لعقد من الزمن على الأقل ضدّ التيّار الكمالي المتشدّد من علمانيّي تركيا.

أمّا بالنسبة لي ولغيري من الليبراليين الأتراك، ممن علقوا الكثير من الآمال على فترة حكم العدالة والتنمية، فإنّ هذه السرديّة “الأردوغانيّة” التي سارت في الفترة الماضية هي أساس المشكلة، حيث تجري شيطنة جميع من يعارض أو حتّى ينتقد هذا الرئيس ذي النّفوذ الكبير واتهامه بأنّه جزء من مؤامرة خبيثة تستهدف تركيا نفسها.

هذا الخطاب الذي لا يتوانى عن وسم المعارضة السياسية بالخيانة العظمى، هو المعلم الأبرز للنظم الاستبدادية لا الديمقراطية.

لا وجود لمعارضة شرعيّة

لا عجبَ أنّ معارضة الليبراليين لأردوغان بشكل عامّ لم تبدأ في واقع الأمر بسبب مواقفه الجريئة على الساحة الدوليّة- مثل موقفه الصائب حين ندّد بجرائم الحرب الإسرائيلية في غزّة عام 2009- أو بسبب اختيار تركيا التصويت ب “لا” على قرار العقوبات التي فرضها مجلس الأمن عام 2010 على إيران.

ولو كنّا نرغب في الحديث عن نقطة فاصلة، فلعلها ستكون مظاهرات غيزي بارك في حزيران عام 2013 والتي أثارت حنق أردوغان وتصدّى لها بالقبضة الحديدية من جهة وبترويج نظريات المؤامرة من جهة أخرى. ومنذ تلك الفترة أضحت المعارضة العدوّ الداخليّ وجزءًا من “محور الشر”، وهذه هي اللغة التي تعكس الأساليب التي اعتادت عليها من قبل المؤسسة الكماليّة والتي عارضها الليبراليون على الدوام.

المثير في الأمر أنّ هذا الأسلوب الهجوميّ في التعاطي السياسيّ يوصف من قبل أنصار أردوغان بأنّه تحقيقٌ للديمقراطية- ولكنها نوع خاصّ من الديمقراطية. فبما أنّ أردوغان منتخب بالأغلبية، فإنه يمثّل “الإرادة الوطنية”، ولذا فإنّه لا يمكن التظاهر ضدّه في الشوارع أو ملاحقته وفق أيّ قانون أو حكم أو مبدأ.

وهكذا يصبح أي توجيه قضائيّ للسياسة نوعًا من “الوصاية” على “الإرادة الوطنيّة”- وهذه هي الحجة التي استخدمت ضد المحكمة الدستورية في السنة الماضية حين أبطلت قرار الحكومة بحجب تويتر.

نرى كذلك أنّه يُراد لجميع وسائل الإعلام أن تخضع لهذه “الإرادة الوطنية”- القائمة في الرئيس- وإلا تعرّضت للشيطنة والتخوين إن لم تفعل. فأصحاب القنوات الإعلامية المعارضة يتلقون التهديدات بالتعرض لغرامات جسيمة تتعلق بالتهربات الضريبية، أو الخضوع لتحقيقات محيّرة بخصوص تهم ذات علاقة بالإرهاب.

النتيجة هي تغيّر الهيئات الإدارية في ثمانية من أكبر الصحف التركية خلال بضع سنوات، حيث تحوّلت من صحف شبه محايدة أو معارضة إلى قنواتٍ لترويج البروباغاندا الحكوميّة من دون أيّ مواربة.

ديمقراطية غير ليبرالية

هكذا تحوّلت “ديمقراطيّة” تركيا إلى “ديمقراطية غير ليبرالية” تقوم فيها حكومة شعبية منتخبة بالحدّ من الحريّات المدنيّة والتأثير على سلطة القانون.

هذا لا يعني بطبيعة الحال أنّ أردوغان مخطئ في كلّ ما يفعل، أو أنّ كل الاتهامات التي تكال إليه صحيحة دومًا. قد تكون سياسته فيما يتعلق بسوريا موضوع نقاش وجدل، ولكنّه لم يقدّم الدعم لتنظيم الدولة، بل دعمَ تنظيمات إسلاميّة أخرى وقفت في وجه داعش ونظام الأسد، كما أنّ سياسة تركيا في احتضان أكثر من مليوني لاجئ سوريّ ليست أقلّ من أن توصف بأنّها نبيلة.

ليس أردوغان مخطئًا في حذره من “تنظيم موازٍ” داخل الدولة، إلا أنّ حربه الانتقاميّة التي لا هوادة فيها ضد حركة غولن بأسرها، وضد العمّال الكردستانيّ مؤخرًا، قد تشكّل تهديدًا حقيقيًا لتركيا.

وكما أنّ لأردوغان الكثير من المناصرين المتعصّبين فإنّ له في المقابل العديد من المعارضين المتشدّدين أيضًا، ولا شكّ في أنّ بروباغاندا كلا الطرفين منفصلة عن واقع الأمر في البلاد.

إنّ استبداد أردوغان واعتماده على خطاب “هُم” في مقابل “نحن” وسياسة إنشاء صنم جديد- تشتمل على تهميش شخصيتين من مؤسسي الحزب، وهما عبدالله غل والنائب السابق لرئيس الوزراء، بولنت أرنتش- هي ما جعل تركيا تخسر “بريقها اللامع”.

يحزنني أن أرى الأمور وقد انحدرت إلى هذا المستوى، ولو أنّ أردوغان لم يسعَ إلى بسط سيطرته الواسعة على المجتمع بهذا الشكل لما تعرّضَ لردّات الفعل هذه، ولما صار له هذا الحجم من الأعداء “من الداخل”.

الحال الآن هي أنّ أردوغان سيبقى على رأس السلطة حتى العام 2019 على الأقل، ولو أنّه يقدّم نموذجًا آخر من ذكائه السياسيّ المشهود له من خلال السعي إلى مصالحة وطنيّة (وإن كان يصعب توقّع ذلك الآن) بدلًا من مواصلة سعيه إلى السيطرة المطلقة، فإنّ ذلك سيكون موضع ترحيب.

ويمكن لرئيس الوزراء أحمد داود أوغلو، وهو أكثر اعتدالًا من أردوغان، أن يؤدي دورًا مهمًا في التخفيف من حالة الخصام في المجتمع التركيّ، وإن كان ذلك يعتمد على المساحة التي يتيحها له أردوغان لقيادة المشهد في تركيا.

يجب في الوقت ذاته على أطياف المعارضة أن تواجه فشلها وتعيد ترتيب أوراقها لتقديم رؤى جديدة، مع تجنب تبنّي نهج من معارضة أردوغان بناء على ردّات فعل، ولا جنوح نوستالجيّ للحقبة الكماليّة، ولكن من خلال النظر إلى تركيا “جديدة” يتمتع فيها جميع المواطنين بالحرية والمساواة والاحترام.

هذه هي النظرة التي قدّمها أردوغان في بداية الأمر، وبدا لوهلة أنّه عازم على تحقيقها، ولكنّه مع الأسف لم يفعل.

مصطفى أكيول (1977) صحفيّ وكاتب تركيّ، يكتب في النيويورك تايمز والمونيتور والجزيرة الإنجليزية. له كتاب بعنوان (Islam without Extremes) و كتاب آخر عن القضية الكردية بعنوان (The Kurdish Question: What Went Wrong).

Advertisements

في إسطنبول معرض للكتاب العربي

في إسطنبول.. معرض للكتاب العربي

في إسطنبول.. معرض للكتاب العربي

نشرت هذه المقالة في ألترا صوت في 8 تشرين الثاني 2015

http://goo.gl/qx0tCd

في أحيانٍ ليست قليلةً يكون فرط التناول الإعلاميّ لأمرٍ أو حدثٍ ما علامة على مبالغة بشأنه أو تضخيم لأهمّيته، ولوهلة راودني هذا الشعور وأنا أتابع الزخم الكبير لأخبار معرض الكتاب العربي الأوّل من نوعه في إسطنبول والذي نظّمه وأشرف عليه الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ولكنّ زيارةً أولى للمعرض المقام في موقع مميزّ للمدينة القديمة في طرفها الأوروبي قرب القرن الذهبيّ وفي زقاق صغير مقابل جامع السلطان أحمد، كشفتْ أنّ وراء هذه الحملة الإعلاميّة والدعوات العريضة لمتابعة المعرض إنجازًا حقيقيًّا لا بدّ من الوقوف عنده، وخطوة أولى قد تضع إسطنبول في بؤرة المشهد الثقافيّ العربيّ المعاصر.

بداية لا بدّ أن أذكر أنّ المعرض يخرج عن الصورة التقليديّة لمعارض الكتاب، فالموقع وإن كان في القلب من إسطنبول إلا أنّه قاعة متوسّطة تنفتح على حجرتين صغيرتين عرضت فيها الكتب عرضًا طوليًّا فتشعر كأنّك داخل مكتبة لا معرض، فليس ثمة طاولات عرض إلا القليل، وبقيّة الكتب معروضة على رفوفٍ تحيط بجدران القاعة الرئيسية أو على الأرض. كما أنّ الشبكة العربيّة هي التي حصلت على الكتب من دور النشر الأخرى، وبعض موظفي الشبكة هم الذين يعملون على عرضها وبيعها، وهم ثلاثةٌ أو أربعة فقط ولا تكاد تلحظهم. وقد أتيحت لي الفرصة للحديث حول هذا الأمر مع محمد سعيد، مدير المعرض ومدير الفروع في الشبكة العربية، فأخبرني بدايةً أنّه كان يفترض أن يعقد المعرض في آب الماضي، ولكنّ الظروف السياسيّة والأمنيّة في تركيا والتحضير للانتخابات المبكّرة حالت دون الحصول على قاعة كبيرة مناسبة لمعرض بهذا الحجم من بلديّة إسطنبول فانتهى الأمر إلى هذه القاعة الصغيرة، والتي ضاقت على الرغم من جمالها وقدم بنائها بعدد الزوّار الكبير، وذلك لتجنّب مزيد من التكاليف.

وعند سؤاله عن سبب هذا الإقبال الكبير أجاب محمّد بأنّ هنالك داعيًا عاطفيًّا يدعو أولئك العرب المقيمين في إسطنبول والذين تركوا بلادهم لأسباب أمنيّة وسياسيّة إلى البحث عن الكتاب العربيّ. فالمعرض يقدّم 5000 عنوان من 50 دار نشر عربية وهو موجّه للعدد الكبير والمتزايد من الشباب المثقفين والفاعلين في الحراك الإعلامي والسياسيّ من سوريا ومصر واليمن وليبيا والعراق وفلسطين والسودان وغيرها من الدول العربية الذين اتخذوا إسطنبول مقامًا لهم، كرهًا أو طوعًا، وذلك لما يتوفّر في هذه الدولة من هامشٍ أوسع للعمل والحراك، خاصّة أنّ هذه الفئة من الشباب تتوق لشراء ما يروي عطشهم للكتاب العربيّ وهم في هذه المدينة.

وقد يتنبّه الزائر للمعرض إلى غياب كتب العلوم الشرعيّة من تفسير وحديث وفقه وسير وغير ذلك، وهذا ما انتقدته شريحة واسعة من الزوّار الأتراك الذين يهتمّون بهذا النّوع من الكتب، خاصة من طلاب كليّات الإلهيّات التي تزيد عن مئة كليّة في تركيا ومعظمها تقدّم دروسًا باللغة العربيّة. ففي حديث لألترا صوت مع عبد الصمد ألتِن، وهو طالب تركيّ يدرس الإلهيات في إسطنبول، قال إنّه لم يجد ضالّته من الكتب التي يهتمّ بها، وقد سمعت هذه الملاحظة من عدد غير قليلٍ من الطلاب والطالبات الأتراك أثناء تواجدي هنالك وحديثي إليهم.

كما غابت عن المعرض كتب الأطفال، وكان ذلك نقصًا أساسيًّا فيه خيّب الكثير من الزوّار، العرب والأتراك، الذين أتوا مع أطفالهم بحثًا عن كتب تعليمية وقصص للناشئة والأطفال لتشجيعهم على القراءة باللغة العربيّة وسدّ الفراغ الحاصل لديهم بسبب ابتعادهم عن بيئات التعلّم العربيّة في المدارس التركية ولكنّهم أيضًا لم يجدوا ما جاؤوا من أجله.

والتقيت في المعرض بالدكتور برهان كوروغلو، وهو أستاذ للفلسفة الإسلامية في جامعة باهتشه شهير في إسطنبول، فأثنى على المبادرة وأكّد على أهمّيتها. وتحدّث الدكتور برهان لألترا صوت عن الازدياد الكبير في عدد المهتمّين بالدراسات العربيّة في تركيا، وأهمّية معرض كهذا للاطلاع على آخر المؤلفات العربيّة، بالإضافة إلى ضرورة مثل هذه الفعاليات كوسائل للقاء والتفاعل بين العرب والأتراك على الصعيد الثقافيّ، بدلا من انحصارها في الجانب السياسي والإنسانيّ. كما ذكر الدكتور برهان أنّ في مثل هذه الفعاليات دلالة على أنّ إسطنبول تعود إلى سابق مجدها كحاضنة للثقافات المختلفة من الغرب والشرق، وأنّ هذا الانفتاح على الثقافة العربيّة من شأنه كذلك أن يشجّع حركة الترجمة والتي اشتكى من ضعفها بين اللغتين التركية والعربيّة، خاصّة فيما ينقل إلى العربيّة من أعمال فكرية وفلسفيّة باللغة التركيّة.

يصاحب المعرضَ برنامج ثقافيّ من عدد من المحاضرات تقدّمها بعض الأسماء المهمّة في الساحة الفكرية والإعلامية العربيّة، وكانت البداية مع محاضرة لهبة رؤوف عزّت من مصر، وثمّة محاضرات أخرى لمحمّد مختار الشنقيطي عن كتابه الأخير حول أثر الحروب الصليبية على العلاقات السنية الشيعية، وجمال خاشقجي وأيمن نور عن الأوضاع الراهنة في مصر، بالإضافة إلى أسماء أخرى منها سيف الدين عبد الفتاح وبرهان غليون وأبو يعرب المرزوقي وياسين الحاج صالح وغيرهم.

ما يزال من المبكّر الحديث عن مدى نجاح هذا المعرض في اليوم الثاني من انطلاقه، ولكنّه بلا شكّ نقطة تحسب للشبكة العربيّة التي رعت هذه الفعالية ودورِ النشر العربيّة التي تعاونت معها، كما أنّ نجاحه لو تحقق سيحسب للجالية العربيّة في إسطنبول، التي ورغم كل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة، من لجوء وشتات وغياب للاستقرار، ما تزال تجد في الكتابِ فسحة من أملٍ وطريقًا للتغيير.

خطّ النهاية

قلب العالم ضعيف، هكذا وصف أحد الأصدقاء هذه الصورة.

worldgp

لم أكتب عن آخر ركضة لي في الأسبوع التاسع والأخير من البرنامج. شغلت قليلًا، كنت جذلًا إلى حدّ لا يترك مجالًا للكتابة. لقد تخرّجت! هذا هو الوصف الذي تحصل عليه في المنتدى الإلكتروني الخاص بالبرنامج، حيث يضعون بجانب اسمك إن أتممته وصف “خرّيج”، وشعرت بسعادة بالغة لأنني تمكّنت من إتمام شيء كان قد صعب عليّ في البداية أن أفهم سبب إصراري عليه. أجمل المعاني تأتينا حين لا نهتمّ بها، حين نغمر أنفسنا تمامًا بحياةٍ ما، فنجد السعادة تتسلّل إلينا حين نضع أيدينا على إنجاز ولو صغر. كنت في كل مرّة أجد نفسي منجزًا شيئًا جديدًا، فأجد السعادة التي تمكنّني على المضيّ قدمًا والتحمّس لركضة جديدة. بين كل تمرين وآخر كانت تردني لحظات من الملل، ولكن بمجرّد ما كنت أضع قدمي خارج المنزل، وأبدأ التمرين، أحصل على دافع جديد للمتابعة، وهكذا دواليك، حتى بدأت أسماء الجري معي، فوجدت رفيقًا يشجعني أكثر، ويبدو أنّ الأمر لن يتوقف الآن، كلانا بات شيه مدمنٍ على الأمر، وصار ببساطة، جزءًا من حياتنا.

ركضت في الأسبوع التاسع 35 دقيقة، مع أنّ البودكاست الأخير يستمر 30 دقيقة، ولكنّي بفورة حماسة بعث عليها كما أسلفت شعور طفولي بالإنجاز، تابعت الركض خمس دقائق أخرى، حتى أتممت خمسة كيلومترات ونصف. أتذكّر أول أسبوعين، كان الركض لخمس دقائق فقط يذبح صدري ويغلق رئتيّ، كان وزني الثقيل، الذي يقترب من الخمسة الأولى بعد المئة، يجعل من الركض أصعب ما يمكن لجسدي أن يتقبّله. عندما أنهيت الركضة الأخيرة وعدت إلى البيت ماشيًا، رأيت أنّ وزني نزل عن التسعين. فقد خسرت في تسعة أسابيع، 14 كجم، وبت قاب كيلين تقريبًا من الوزن الصحيّ.

اركض للحياة
اركض للحياة

سأركض الآن ثلاث مرّات في الأسبوع، 30 دقيقة في كل ركضة، وسأتعلّم أشياء جديدة في الركض. بدأت الآن برنامجًا جديدًا يساعد في زيادة السرعة، والقدرة على التحمّل، بدأت به المرّة الماضية وركضت فيه 35 دقيقة ولكن لمسافة تتجاوز 6 كم.

لست أسعى إلى أن آخذ الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك، ولكن لا أدري ما الذي سيحدث معي بعد شهرين من الآن. سأستمرّ في هذا البرنامج، سأحاول أن أزيد من المسافة التي أقطعها والسرعة التي أركض بها، سأضع هدفًا جديدًا لأركض 10 كم في الشهرين أو الثلاثة القادمين، ولكن ربما يكون هذا التدريب في العطل وحسب، كل ما أريده الآن هو أن أستمر في الركض 30 دقيقة ثلاث مرات في الأسبوع.

كانت هذه نهاية موفّقة لهذا العام على المستوى الشخصيّ. لا أملك أن أقول إنّه عام جميل، وإنّما فيه أشياء جميلة. نظرت قبل لحظة من النافذة، الجو ماطر في إسطنبول،  ورأيت رجلًا يسير مع خرافه يرعاها.  لعلّ عالمه أجمل من عالمنا.

اركضوا تصحّوا

Screenshots_2014-12-23-18-09-09

أسبوع على البدء

كنت قد عزمت حين شرعت في برنامج الجري هذا أن أضع سجلّا لكل ركضة. صحيح أنني لم أتمكّن من ذلك، ولكنّي سعيد بأني كتبت بعض الأشياء السريعة والمتقطعة في الأسابيع الماضية. لم أكن أتوقّع أن الجري سيدفعني إلى مزيد من الكتابة في مدوّنتي الخاصّة.

في الأمس، كانت الركضة الثالثة من الأسبوع الثامن. 28 دقيقة، كانت أسرع وأسهل مما سبقها. حتّى شككت في نفسي أثناء الركض، بدأت أحدث نفسي، هل أركض بشكل صحيح؟ هل سرعتي جيدة؟ هل أنا أركض أصلًا؟ كان شعورًا مشجعًا أنّ التعب كان أقل بكثير مقارنة بالركضتين السابقتين من الأسبوع الثامن. بصراحة، الركض بعد العمل ليس بالأمر السهل، كما أنّ الركض في إسطنبول، في الشوارع العامّة، قد يشكّل صعوبة من نوع خاص. إسطنبول ليست مدينة صديقة للركض ولا للدراجات الهوائية، ليس بعد على أيّة حال، أعتقد أن هذا الأمر يتغيّر بشكل تدريجي، وإن كانت البدايات في الأحياء الأكثر رقيّا بطبيعة الحال.

إذن غدا يبدأ الأسبوع التاسع والأخير، وبعدها أبدأ حياة لا أترك فيها الركض أبدًا، إن شاء الله.

اركضوا_تصحّوا

الركضة الثالثة الأسبوع الثامن 28 min 4.5 km
الركضة الثالثة الأسبوع الثامن
28 min
4.5 km

الأسبوع الثامن/2

كتب أحد الأصدقاء قائلًا إنّه يرجو مما يكتبه البعض ومما ينشر من صور في وسائل التواصل الاجتماعي أن يكونوا سعيدين حقّا بقدر ما تدلّ عليه كتاباتهم أو صورهم. عادة ما يكون التعبير عن السعادة كتابةً أمرًا تحوم حوله الشبهات، ويعكّر صفوه شعور عامّ بأنّ السعادة أمر بعيد المنال، بالأخصّ عنّا نحن. أمّا التعبير عن الحزن فهو الآخر مشوب بتعكيرات أخرى، تجعل المعبّر عنه، لو انتظر وتأنّى، يفضّل كتمه في سرّه والإحجام عن نشره.

الكتابة أمر صعب، وأصعب ما فيه أن تكون في انتظار قارئ ما. كل ما نحتاجه في كتابتنا أن نكتب لنا نحن، أن نعيش لحظةً شخصيّة بعيدًا عن أعين الآخرين وردود أفعالهم. لك الحقّ في حفظ حكاياتك، كتابتها، تذكّرها، التعلّم منها. لك الحقّ في تعلّم الكتابة، في العيش مع لغتك وكلماتك، في تعلّمها ومعرفة مفرداتها وتحليل حروفها. لم تقرأ العقّاد والرافعي والطهطاوي وميخائيل نعيمة وجبران بعد؟ لا تقلق، انخرط بكتابة نفسك، وستجدها منساقة تتعلّم طوعًا مما كتب السابقون. ألم تقرأ في بطون الأدب وأخبار المتأدّبين والشعراء الأوائل،؟ لا عليك، عشقك للغتك سيحطّ بك يومًا ما في ديوان شاعر منهم، أو رسالة أديب بينهم، وستهديك الكتابة إلى مزيد من القراءة.

أجد المصداق الواقعيّ لهذا الشعور أثناء الترجمة، حين أنشغل بترجمة كتاب أو نص طويل، فأستغرق بالترجمة، أصل إلى نقطة لا أستطيع عندها أن أترجم سطرًا آخر، فلا تتجدّد الروح في ذهني المترجم سوى بالقراءة، فأقرأ في وحي الرافعيّ أو أتنقّل بين فصول “جواهر الأدب” للهاشمي، أو أجد نفسي بين قصائد لدنقل أو درويش، أو حتّى أذهب لبعض ما ينشر في الصفحة الثقافيّة في العربي الجديد إن كان المكان الذي أترجم فيه خلوًا من الكتب. وربّما هذا ما يزعج زوجتي في بعض الأحيان، فترى كتبًا متراكمة على مكتبي، فتقول لي، أحقّا تقرأ في كل هذه الكتب؟؟ في آنٍ معًا؟ والجواب أنْ نعم، القراءة هي السرّ الذي يدفعني للترجمة، وهي الزاد الذي يجعلني مترجمًا يطمح لأن يفعل شيئًا في عالمه. أذكر حين ترجمت كتاب “فلسطين تاريخ شخصي” وقد ترجمت معظم فصوله في مكتبة شومان، أنني كنت أحمل معي جزءًا من المعجم الوسيط، وكتاب وحي القلم للرافعي، فأقرأ ساعتين أو أكثر، ثم أباشر بالترجمة، فكنت أشعر أن شيئًا من روح الرافعيّ تتسلّل إلى قلمي. الأمر يشبه الإحماء قبل الرياضة، وكلامَ المدرّب الذي يحفّزك على إنهاء تدريبك وعدم الاستسلام، فكان إحمائي للترجمة بالقراءة المكثّفة.

وكذا الأمر في الكتابة، كلما قرأتَ أكثر كَبُر ونما شيطان قلمك أو ملاكه، سمّه ما تشاء. كل ما أريد قوله هو أنّنا نشرّق ونغرّب بعيدًا عن لغتنا في كل يوم، ولا أجد شيئًا كالكتابة يعيدنا إلينا وإليها.

حين شرعت في الكتابة هذا الصباح، لم أكن أقصد أن أكتب كلّ ما سبق، إنّما كنت أريد أن أخبركم بأنني على وشك الانتهاء من الأسبوع الثامن من برنامج الركض، سأركض غدًا الركضة الأخيرة منه، ثم أشرع في الأسبوع التاسع والأخير من البرنامج الأوّل. أركض الآن 28 دقيقة بشكل متواصل، بعد أن كانت ثلاث دقائق فقط كفيلة بقطع نفسي. سعادةً ورضًا، بتّ مؤمنًا بأنّ للرياضة أثرًا عجيبًا على النّفس، إذ يقلّ التوتّر، ويزيد الإنتاج، وتخفّف عن نفسك من ضغوط الحياة متجنّبًا الهروب من لظى الروتين وضغط العمل إلى لهب الفحم والدخان والأرجيلة.

#اركضوا_تصحّوا

الأسبوع الثامن الركضة الثانية
الأسبوع الثامن الركضة الثانية

اركضوا عباد الله

أجد نوعًا من تحدّ في الاستمرار في الكتابة عن هذا التغيير الجديد في حياتي. دخلت في الأسبوع الثامن من برنامج الجري البديع هذا، وبدأت أجد نفسي أكثر حرصًا على متابعته حتى أنهيه أو أهلك دونه، وربما أشفعه ببرامج أخرى تبقيني على الطريق. أنهيت اليوم الأسبوع السابع، بركضة لمدة 25 دقيقة كاملة، تسبقها خمس دقائق من المشي السريع للإحماء وتعقبها خمس دقائق مثلها: أي بمجموع 35 دقيقة ولمسافة تتراواح بين 4 و 5 كم، حسب السرعة التي أركض بها. كانت سرعتي اليوم جيدة مقارنة بالركضة الثانية من الأسبوع السابع، ولكني لم أستخدم أي برنامج لتعقب الركض ولذلك لم أعرف المسافة التي قطعتها، ولكني أحسبها أكثر من 5 كم. والصورة التي أرفقتها هي الركضة الثانية من الأسبوع السابع.

يوم السبت سأبدأ الأسبوع الثامن، وسأختار مكانًا جديدًا هذه المرّة للتغيير. أسماء ما زالت تركض معي، وهذا في ذاته حافز عظيم.

سأكون قادرًا بعد نهاية البرنامج على الركض مدة 30 دقيقة كاملة ولمسافة 5 كم أو أكثر، وهذا أمر لم أكن أحلم فيه حتّى.

رياضة الجري، في زعمي، تفتح نافذة على إنسانٍ ضائع تائه بين هذه الشحوم التي التصقت بنا، تعطي فرصة أخرى، تمنح معنىً غائبًا، تهب جسدًا سليمًا أو تصحح آخر.

اركضوا عباد الله، اركضوا تصحّوا.

Week 7 completed
Week 7 completed

طرقنا الباب

طرقت باب الأسبوع السابع، راكضًا، في الأمس القريب. كان أحدًا مشمسًا لطيفًا، أهل إسطنبول وجدوا أنفسهم قرب الساحل، الجميع خرجوا ليستمتعوا بشمس ظهرت على عجل في بداية كانون الأول. ذهبت إلى الساحل قرب قصر بيلار بيك “سيد الأسياد” وهو قصر صغير جميل له ساحة ساحرة يرتادها أهل إسطنبول والزائرون لتناول الإفطار في الصباحات الهادئة، وربما لجولة في القصر الصيفيّ المطلّ على الخليج.

وجدت نفسي أثناء الركض مضطرًا لتغيير مساري كي أتجنب الازدحام، فكانت الطريق أصعب وأرهقت أكثر من أي مرّة، لكني تابعت وركضت قرابة نصف ساعة توقفت خلالها أقل من دقيقة بعد أن أنهيت طريقًا صاعدًا كادت روحي تزهق حين ركضته مرّتين كي أعود إلى مكان سيارتي، وأمشي لخمس دقائق أخيرة بعد إتمام جولة الركض.

كان لتغيير المكان أثر جيد عليّ، كما أنّ وجود أسماء معي هذه المرة أيضًا جعل الأمر أسهل وأكثر إمتاعًا.

جميع جولات الركض في الأسبوع السابع عبارة عن جولات من 25 دقيقة بدون توقّف، ويستمر الأمر كذلك حتى الأسبوع التاسع، حيث نتم الثلاثين دقيقة، وهي مدّة كافية تقريبًا لركض ما يقارب خمسة كيلومترات عند اتباع سرعة معينة. غير أنّ الهدف ليس المسافة، وإنما الوقت. 30 دقيقة في اليوم كافية لتذكّرك بأنّ لجسدك عليك حقًا.

 اركضوا تصحّوا واكتبوا حكاياتكم  الصغيرة، فالماشي يدرك ما لا يدركه من جلست به همّته، والراكض يدرك ما لا يدركه الماشي

كIMG_20141207_150633