قصائد الجهاديين

جوانا باراتشزوك

ترجمة محمد زيدان

نشرت الترجمة في موقع حبر في 18 أيلول2015

قصائد الجهاديين

لمّا توافد المقاتلون من شمال القوقاز وصولًا إلى سوريًا عام 2012 جلبوا معهم تقليدًا عجيبًا اشتُهر بينهم ألا وهو الأشعار الجهادية، وترى في مواقعهم الإلكترونية وصفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي أشعارًا جديدة باللغة الروسية عن سوريا، كما ويتناقلون فيما بينهم بعض الأشعار التي صارت من “الكلاسيكيات” لديهم والتي تتكلم عن المتمردين في شمال القوقاز.
للوهلة الأولى قد تبدو كتابة الشعر هواية تدعو للغرابة عند الحديث عن جهاديين إسلاميين، ولكنّ تلك الأشعار في الواقع تعدّ من الوسائل المهمّة التي يعبّر فيها بعض هؤلاء عن مشاعرهم وأفكارهم، من حزنٍ ورثاء وغضب وغيره، مما قد يعدّ أمرًا مبتدعًا عند البعض الآخر وفق العقائد الصلبة للدولة الإسلامية وغيرها من الجماعات المسلّحة في سوريا.
كما أنّ هذه الأشعار تقدّم وجهة نظرٍ عن العالم. ففي حين كانت الأعمال القديمة تركّز في المقام الأول على التمرّد المحليّ ضد القوات الروسية شمال القوقاز، فإنّ الأشعار التي تُكتب في السياق السوريّ الراهن تضع القرّاء أمام عالم أوسع لما يراه كتّابها من حالة الجهاد العالميّ.
هنالك أيضًا أشعارٌ تكتبها المرأة في مثل هذه الدوائر، كزوجات المقاتلين أو منْ ترمّلن بعدهم، وهي أشعارٌ تتناول عادة حكايا مختلفة ومشاعر شخصيّة عن تجربةِ أن تكون المرأة زوجة لمقاتل وعن كيفيّة التعامل مع فقده إن فُقدَ وقُتل.
ومن هذه الأشعار ما كتبته امرأة تكنّي نفسها “أمّ محمد” وعنوان قصيدتها “زوجة شهيد”، ونُشرت في الثامن من آب من العام الجاري في إحدى المجموعات التي يديرها أفراد ينسبون أنفسهم إلى تنظيم الدولة على منصة التواصل الاجتماعي (VKontakte). نجد في هذه القصيدة شعورًا بالفجيعة والإحباط بعد مرور عامٍ على خسارة زوجها في سوريا، وتتحدّث بوضوح عن مصابها مُستصعبةً التصبّر على فراقه:
وهكذا، مضى أول عام
وقلبي يحسبه مجرّد يوم
أعيش حياتي بين الناس أسعى
أن أكون مثل الآخرين.

وفي مقطع مثير للجدلَ، بل ويبعث على الصدمة بالأحرى نجد أمّ محمّد تقول إنّ الله يزلزل حياة بعض البشر ويبتليهم بالمصائب من دون سبب ظاهر، تمامًا كما يفعل حين يغيّر المناخ أو يقلّب الفصول:

أفكّر ناظرة في السماء
إنّ الله يغيّر كل شيءٍ في طرفة عين
ويصرّف أقدار البشر
كما يصرّف الليل والنهار
اليوم كان هانئًا جميلًا
والعالم في الغد قد أعرض عنك.

ومن المعروف أنّ المرأة في الإسلام لها عدّة شرعيّة بعد وفاة زوجها وقبل أن تتزوّج من غيره، ولكنّ أمّ محمّد تعلن في شِعرها أنّها لن تتزوج أحدًا بعد زوجها الذي سقط في القتال:
هكذا مضى أول عام، وتتبدّل الأزمان
ولكنّ قلبي لن يتغيّر
ولن يسكنه غيرك
إلى أن تفارقني الحياة
أمّا أشعار الرجال فتتعامل في غالبيتها مع قضيّة “مجاهدي الكنبة” ويقصدون أولئك الذين يتحدثون عن “الجهاد” في سوريا على وسائل التواصل الاجتماعي من دون أن ينضمّوا إلى تنظيم الدولة أو غيرها من التنظيمات الجهادية. وفي قصيدة بعنوان “أهل الإنترنت” لاقت صدى كبيرًا على موقع VKontakte جاء ذمّ هؤلاء:
أنتم يا محاربو الفيسبوك
جنودَ جيش الواتس أب أنتم
يا شيوخ جوجل
إنّكم في حلقة مفرغة هائمون
اضغطوا على الزاوية العليا في يمين الشاشة

وهنالك قصيدة أخرى نشرها في الحادي عشر من آب الماضي شخص يدعو نفسه جندالله الأنغوشي يسأل فيها أحد “مجاهدي الكنبة” عن سبب إحجامه عن السعي للجهاد:

إذن لم لا تعبأ بالقتال ولا تتعطّش له؟
لعلّك تخشى الموت؟
ألم تعلم أنّ الله مع المجاهدين!
… كثيرون بالجهاد يحلمون
ولكنّهم يدعون الله
وأعينهم تفيض من الدمع!

هذه الثيمات التي تتحدث عن “مجاهدي الكنبة” وتلك التي تدعو “المسلمين الصادقين” ليهبّوا إلى الجهاد ليست جديدة في الأشعار الجهادية المكتوبة بالروسيّة. هنالك قصائد مشابهة أخرى كتبها مقاتلون في شمال القوقاز تعبّر عن الغضب والحنق على أولئك الذين يفضّلون الراحة في البيوت على قتال “شياطين الروس”، وهي قصائد تربط بين “الجهاد” وشرف الوطن عند الشيشاني.
وفي قصيدة أخرى نشرت في 22 آب الماضي يتجلّى فيها الخوف والغضب على لسان أحد المقاتلين الشيشان في أحد مخيّمات الاعتقال الروسية في حربي الشيشان الأولى والثانية، حيث يقول الجندي الروسي لأحد المقاتلين الشيشان وهو بين الموت والحياة:

أيّها الشيشانيّ، لقد خسرت المعركة
انظر إليك، إنك تثير الشفقة، بالكاد تحيا
نظراتك الزائغة
إنني هنا، أنا قائدك وأنا السيّد!

نرى صورًا أخرى في قصائد جديدة تُنسب إلى جهاديين في سوريا تدعو أهل شمال القوقاز للجهاد والدفاع عن المسلمين لا في أرضهم وحسب بل وفي العالم أجمع. ولكنّ القصائد قديمَها وجديدَها تركّز على وصف شكلٍ مثاليّ من أشكال الرجولة القوقازية، كما نرى في هذه القصيدة المنسوبة لأسد الله أبو زكريا أحد المقاتلين في إمارة القوقاز في قبردينو-بلقاريا:

النساء سيقاتلن العدّو
والجبناء في بيوتهم جالسون
نريد البكاء، ولكن ما في المآقي من دموع
أين أنتم يا رجال القوقاز!!!؟

هنالك قصائد جهادية في شمال القوقاز في مديح كبار القادة وأمراء الجهاد. فهنالك قصيدة كتبت عام 2013 وتنسب لأحمد الداغستاني، وهو الاسم الحركي (والمستعار) لأحد مقاتلي إمارة القوقاز وهو في سجنه في روسيا، ويمدح فيها قائده آنذاك أبو عثمان عمروف، يصفه فيها براعي الإمارة والأخ الحقيقي.
كما كتب الداغستاني قصيدة من جزئين في مديح أسامة بن لادن (وكان هو الآخر يكتب الشعر) ويرى أنّه في غاية الرضا لأنّه قد عاش تحت راية “المجاهد أسامة” حتّى لو كان هو في روسيا.
وهذا ما نراه كذلك عند الجيل الجديد من شعراء الجهاديّة في سوريا والذين يذكرون في شعرهم مناقب قادتهم ولاسيّما أبو بكر البغدادي، خاصّة أنّهم يحاربون فعلًا في صفّه ويعيشون في عالمه.
ففي قصيدة بعنوان “الدولة الإسلامية” والتي ظهرت مؤخرًا في 26 آب الماضي يرد مدحٌ للبغدادي وللقائد العسكري لتنظيم الدولة أبو عمر الشيشاني للدلالة على أنّ مقاتلي شمال القوقاز قد صاروا في مصافّ القيادة على ساحة الجهاد العالمي. ويؤكّد الشاعر في قصيدته على أنّ الشيشان لم يعودوا على هامش نزاع شمال القوقاز وحسب ويَعِدُ أنّه ورفاقه سيجتمعون يومًا على جبل عرفات و”ستصدح تكبيراتهم عليه يوم الحجّ الأكبر”.

فرنسا والعودة إلى حالة الاستثناء

paris 1

جلبير الأشقر

ترجمة محمد زيدان

نشرت الترجمة في موقع حبر في تاريخ 19 تشرين الثاني 2015

فرنسا والعودة إلى حالة الاستثناء

قرّر الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند أن يعلن الحرب على الإرهاب للردّ على الهجمات الإرهابية التي هزّت العاصمة باريس، وهو بهذا يسير على خطى الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن حين أعلن الحرب ضد الهجمات الإرهابية التي ضربت برجي التجارة في قلب نيويورك.

وبإعلان الحرب بهذه الطريقة فإن الرئيس الفرنسيّ قد اختار تجاهل كل تلك الانتقادات التي كيلت من قبل لإدارة الرئيس الأمريكي السابق وهي انتقادات كان تعبّر عنها أغلبيّة الآراء في فرنسا في ذلك الوقت. ويبدو أنّ أولاند قد أعلن الحرب مع أنّ النتائج الكارثيّة لما أسمته إدارة بوش من قبله “حربًا على الإرهاب” قد دعّمت من مواقف المنتقدين لتلك الحرب. حتّى إنّ رجلًا مثل زيغمار غابرييل، نائب المستشارة الألمانيّة ميركل ورئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وهو الحزب الشقيق للاشتراكيين في فرنسا، قد صرّح بأنّ إعلان الحروب على الإرهاب لا يخدم سوى مصالح ما يدعى تنظيم الدولة “داعش”.

قد يبدو لوهلة أنّ خطاب الحرب ليس إلا ردّة فعل عاطفيّة وطريقةً للتعبير عن الاستياء العارم والذي يمكن تفهّمه أمام هجمات مرعبة كتلك التي حصلت في باريس وحصدت أرواح 129 من المدنيين. غير أنّه يلزم أن لا ننساق إلى التصديق بأنّ الأمر صراع بين داعش وفرنسا، فهجوم على شاكلة ذلك الهجوم الذي هزّ أنقرة في العاشر من تشرين الأول الماضي، أو حادثة الطائرة الروسية التي راح ضحيتها 224 من الركاب بعد أن حدث انفجار داخلها فوق سيناء في 31 من الشهر ذاته، أو الهجوم الذي استهدف الضاحية الجنوبية في بيروت وقتل فيه 43 من المواطنين قبل يوم واحد فقط من الهجوم الذي ضرب باريس، وهذه أمثلة قريبةٌ وحسب. ما يتوجّب علينا تذكّره في المقابل هو أنّ هذا الهجوم، وسواه مما ذكرنا، ليس إلا نتيجة للصراع الذي سمحت قوى العالم باستمراره وتدهوره في سوريا.

إنّ ما ترتّب على هذه الهجمات خلال السنوات الماضية يبدو ضئيلًا أمام المأساة الإنسانية التي نشهدها في سوريا. القضيّة الأساسية فيما يتعلق بالضفاف الجنوبية والشرقية للبحر الأبيض المتوسّط، بالمقارنة مع “قلب الظلام” في إفريقيا الوسطى، هي أنّ المآسي التي تصيب الناس هناك عادة ما تمتد في أثرها فينال أوروبا، أو حتّى الولايات المتحدة نصيبًا منها.

إنّ عدم الاكتراث بآلام الآخرين، خاصة ذلك “الآخر”، في مقابل ما أدعوه “التعاطف النرجسيّ” (تجاه أولئك الذين يشبهونا “نحن”) بعد هجمات نيويورك، ستكون له عواقب حتميّة على الغرب حين يكون الأمر متعلقًا بالشرق “الأدنى”، وقد تكون هذه العواقب وخيمة.

لكنّ الخطاب ليس مجرّد قضية دلاليّة وحسب. إنّه خطاب يسعى إلى جعل حالة الاستثناء حالة طبيعية معتادة، رغم أنّها تدعى استثناء. وكلما طالت “الحرب” اكتسب هذا الاستثناء اعتياديّة أكثر. وإنّ الحرب على الإرهاب طويلة بطبيعة الحال لأنّها لا تستهدف دولة بعينها وهكذا فإنّها حرب لا تضع أوزارها بمجرّد إعلان هدنة مع الدولة المعنية أو التوصل لاتفاق سلام معها، أو إعلان استسلامها أو خضوعها للاحتلال، ولكنّها حرب تستهدف تنظيمًا متشعبًا لديه القدرة على إعادة تشكيل نفسه والعودة بمزيد من القوّة.

يجدر بنا أن نلاحظ مسار التحوّل من القاعدة إلى داعش بعد أن كان من المفترض أن يكون “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق” قد هزم في العراق بين العامين 2008 و 2010. ولكن ما دامت الحرب قائمة فسيبقى شبح التنظيمات الإرهابية قادرًا على النهوض من جديد ذلك أنّه يستقي قوّته من الحرب أصلًا. إنّ طبيعة هذه التنظيمات هي التي جعلت الكثيرين من الباحثين والمعلقين، الرافضين للحرب على الإرهاب أو المشجعين عليها على السواء، يتوقّعون بعد هجمات 11/9 أنّ الحرب على الإرهاب ستدوم عقودًا بطولها، ولا شكّ أنّ الأحداث المتتابعة تثبت صحّة ما ذهبوا إليه.

ثمّة لازمة في خطاب الحرب لا تفتأ عن الحضور: لقد قرر فرانسوا أولاند تمرير قانون لتمديد حالة الطوارئ ثلاثة أشهر، مع أنّ القانون قد حدّدها باثني عشر يومًا، كما أنّه يريد إعادة النظر في الدستور الفرنسي من أجل زيادة قائمة الاستثناءات التي تحدّ من القوانين التي تضمن الحالة الديمقراطيّة في البلاد.

ولعلّه من الضروريّ أن نذكّر هنا أنّ هذا الدستور قد أقرّ عام 1958 في أوضاع استثنائية وهو دستور ينصّ على إعطاء صلاحيات كبيرة للدولة في حالة التهديدات الخطيرة عليها ويتيح لها استخدام سلطات استثنائية (المادة 16) أو تقييد بعض الحريّات في التنقّل والسفر (المادة 36). وهكذا أطلقت الحكومة الفرنسيّة يدها الآن لترتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان من تجريد بعض الأفراد من الجنسية الفرنسيّة إن كانوا يحملون جنسيّة أخرى (وهذه هي حال معظم الفرنسيين من أبناء المهاجرين)، والاعتقال من دون توجيه تهم، ومنح صلاحيات واسعة للأجهزة الأمنيّة.

وهنالك ما هو أسوأ أيضًا. فبخلاف ما كان عليه الأمر في هجمات نيويورك، فإن منفذي هجمات باريس في كانون الثاني مطلع العام وفي تشرين الثاني مؤخرًا قد كانوا فرنسيين أو أغلبهم كذلك (ومن هنا ينبع التهديد فيما يتعلق بقضية الجنسيّة الفرنسيّة). وبما أنّ حالة الحرب هي في أصلها حالة استثناء، أي أنّها تعني تعليقًا لاحترام حقوق الإنسان، فإنّ هنالك اختلافًا نوعيًا في الآثار التي تترتب عليها، وذلك بالاعتماد على ما إذا كانت الحرب تشنّ خارج حدود البلاد أو ما إذا كان العدو متربّصًا في الداخل.

لقد كانت الولايات المتحدة قادرة على الرجوع إلى تعزيز الحقوق المدنيّة وذلك بفضل الموقع الجغرافي المتميّز الذي يجعل اختراقها أمرًا صعبًا، ولكنّها تعاملت وما تزال بحالة الاستثناء خارج البلاد، ولعل ازدواج المعايير الأمريكيّة يتجلّى مثلًا في الإصرار على عدم إغلاق معسكر غوانتانامو الذي يمثّل انتهاكًا للسيادة الكوبيّة ذلك أنّ الولايات المتحدة تنظر إليه على أنّه واقع خارج نطاق القانون، مع أنّه لا يبعد سوى مسافة قصيرة عنها. هذا النفاق ينطبق كذلك على ما يقع من قتلٍ للمدنيين وغيرهم باستخدام الطائرات الأمريكية من دون طيّار، حيث صار البنتاغون قاتلًا متسلسلًا من أوحش ما يمكن تصوّره.

ولكن ماذا عن فرنسا؟ إن قضية “الجهاديّة” ليست غريبة عن تاريخها. تعود معرفة فرنسا بالجهاد إلى غزوها الدمويّ للجزائر حين دخل الجيش الفرنسي تلك البلاد قبل قرابة قرنين، مع أنّ جهاد اليوم يختلف نوعيًا عمّا كان في السابق خاصّة في سمته العالميّة الحاليّة. كما واجه الجيش وقوات الأمن الفرنسية نوعًا من الجهاد في المواجهات التي كانت تخوضها جبهة التحرير الوطنيّ الجزائريّة، والتي كانت تصدر صحيفة بعنوان المجاهد.

وقد عمدت فرنسا في خضمّ انخراطها في تلك الحرب الكولونيالية القذرة إلى إقرار قانون عام 1955 يتيح لها فرض حالة الطوارئ. وقد كانت المرّة الأخيرة، قبل الأسبوع الماضي، التي فرضت فيها حالة الطوارئ في كامل فرنسا متعلقة بالظروف التي خلقتها الحرب في الجزائر، وكان ذلك بين العام 1961 و 1963. لقد حدثت في تلك الفترة فظائع رهيبة على الأرض الفرنسية في ظل حالة الطوارئ، عدا عمّا كان يرتكب من جرائم بشكل مستمرّ في الجزائر.

وفرضت حالة الطوارئ على أجزاء في فرنسا فقط في 8 تشرين الثاني 2005، أي قبل عشر سنوات من الآن. ولم تغب عن أحد في ذلك الحين ارتباط ما حصل بحرب الجزائر، فقد كان قطاع واسع من الشباب الذين شاركوا في أعمال الشغب في ضواحي باريس حينها هم نتاج التاريخ الاستعماري الفرنسي الطويل في إفريقيا.

وليس حال كثير من الجهاديين الفرنسيين في السنوات الماضية مختلفًا عن هذا، فهم شباب قد ولدوا في حالة من الحنق المتزايد الذي انفجر مرّة عام 2005 والآمال التي ماتت بعد إطلاق وعود لم تجد من يفي بها. إنّهم من الشباب الذين عانوا ما وصفه رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس بلسانه في لحظة تجلّ سياسيّة عابرة في 20 كانون الثاني من العام الجاري، قائلًا إنّه: “أبارتايد مناطقي واجتماعي وعرقيّ.”

يجب منطقيًا أن يترتب على هذا الاعتراف أن يجري التعامل مع الخطر الإرهابي على المستوى الداخليّ عن طريق ضمان حقوق المواطنين “من أبناء المهاجرين” وتحريرهم على الصعيد المناطقي والاجتماعي والعرقيّ وإنهاء جميع أشكال التمييز التي يعانون منها.

لا بدّ أن يرافق ذلك اتباع سياسة خارجية تبتعد عن الاعتماد على مبيعات الأسلحة والتبجّح العسكري بشكل يذكّر بالدولة الإمبريالية (بخلاف ما تقوم به ألمانيا رغم أنّها تتمتّع باقتصاد أقوى) وتلجأ بدلًا من ذلك إلى سياسة سلميّة تحترم حقوق الإنسان وتلتزم مواثيق الأمم المتحدة التي كانت فرنسا قد شاركت في صياغتها. هذا ما فعله وزير الخارجيّة السويدي، الاشتراكيّ الديمقراطيّ، حين قرر فرض حظر تمتنع بموجبه شركات الأسلحة السويديّة عن بيع الأسلحة للمملكة العربية السعودية.

ثم إنّ التعامل مع خطر الإرهاب يكون عبر تقديم الدعم الحاسم، من دون تدخّل مباشر، لأولئك الرجال والنساء الذين يحاربون من أجل الديمقراطية والتحرر في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ضدّ الأنظمة الاستبدادية، وهذا ينطبق على ممالك وإمارات النفط في الخليج كما ينطبق على الديكتاتوريات البوليسية.

لقد تمكنت ثورات الربيع العربي في العام 2011 من الحدّ من الإرهاب الجهاديّ لفترة من الوقت، ولكنّ فشل هذه الثورات، بتواطؤ من القوى العالميّة الكبرى، هو ما أتاح الفرصة لهذا التيّار للنهوض من جديد وبوحشية غير مسبوقة، مقتاتًا على حالة الإحباط واليأس وضياع الآمال.

الجبناء والتاريخ نظرات حول الحروب ودوافعها

 

الجبناء والتاريخ.. نظرات حول الحروب ودوافعها 

كريس والش: مدير برنامج فنّ الكتابة في العلوم والفنون في جامعة بوسطن، وصاحب كتاب “الجبن: تاريخ مختصر” الصادر عن مطبعة جامعة برينستن عام 2014.

ترجمة بتصرّف: محمّد زيدان

نشرت الترجمة في ألترا صوت في 19 تشرين أول 2015

http://goo.gl/IAVQHw

المجد للأمّة الباسلة،

هلمّوا فلنتحدّ سويّا،

نحن للوطن فداء.

عليكم بالسّلاح أيا أهاليّ!

نحارب والروح على الأكفّ

من أجل وحدتنا.

فلنتكاتف بكلّ شجاعة،

انهضوا! انهضو!ا انهضوا!

يا ملايين الشعب بقلبٍ واحد،

مدافع العدوّ لا نهابها،

تقدّموا!

تقدّموا!

تقدّموا!

لن نحتاج سوى دقيقتين اثنتين لنؤلّف بين مجموعة من الأناشيد الوطنيّة، كما فعلت في المثال السابق الذي يجمع مقاطع من النشيد الوطنيّ من فنزويلا وتركيا وإيطاليا وميانمار وأستراليا والصين وفرنسا، ونرى مقدار الاحتفاء بالبسالة العسكريّة. وسيستغرق الأمر منّي بضعة دقائق أخرى لاقتبس مئةً مثلها من مئة نشيد وطني من بلدان أخرى. أليس يقول الأفغان في بلادهم “كلّ أبنائك شجعان” وفي زيمبابوي ينشدون “بتضحيات أبطالنا نسمو ونفاخر.”

ولكنّ الأبطال الأشاوس الذين كُتبت هذه الأناشيد زهوًّا وافتخارًا بهم لم تتملّكهم بالضرورة تلك الرغبة في أن يكونوا في مصافّ العظماء من أهل الشجاعة والبأس، قلّة وحسب من امتلكوا هذا الشعور، ولكنّ الغالبيّة كانوا “يحاربون دفاعًا عن الجمهوريّة” (كمبوديا) خيفةَ أن يوصفوا بالجبن. لقد كتب يوجين سليدج متحدّثًا عن نفسه وأصدقاءَ له في قوّات المارينز الأمريكية في الحرب العالميّة الثانية يقول: “أقسى تلك الهواجس التي سيطرت علينا هي أنّ خوفنا من أداء مهمّاتنا أثناء القتال قد يظهر على وجوهنا حين تصفرّ.” ولكنّهم تمالكوا أنفسهم وتجنّبوا هذا العار. ونجد تيم أوبرين في مجموعته القصصيّة “ما حملوا من أشياء” والتي تحدّث فيها عن تجربته القتالية في حرب فيتنام يقول إنّ أثقل عبءٍ حمله الجنود هو “ذلك السرّ المشترك عن جبنهم”. وكان التخوّف من انكشاف ذلك السرّ هو “الذي حملهم إلى الحرب في المقام الأول، لا يحدوهم شيء من تلك الأفكار العظيمة، أو أحلام العظمة والشرف الرفيع، كلّ ما أرادوه هو تجنّب وصمة العار… لم يكن للأمر علاقة بالشجاعة ولا بالبأس في الحرب، كل ما في الأمر هو الرعبُ من أن يُقال عنهم جبناء.”

ليندن جونسن أثناء زيارة القوات الأمريكية في إحدى القواعد العسكرية في فيتنام في 26 تشرين أول 1966.

لا ذكرَ للجبناء في الأناشيد الوطنيّة، ولا عجب، وقلّما تصل قصص الجبناء إلى سجلات التاريخ. وفي هذا يشير ماكس هاستينجز، ذلك المؤرخ العسكريّ البارز ويقول: “لم أجدْ في أيّ مذكّرات حربيّة أمريكيّة أو بريطانيّة أيّ ذكرٍ صريح لحادثةٍ تروي فرار الجنود هلعًا في مواجهة ما، وهو أمر يحصل بطبيعة الحال ولو أحيانًا.” وهنالك مثل إسباني يختصر الأمر ليخبرنا “عن الجبناء ليس ثمّة ما يُكتب”.

ولكنّ العجيب هو أنّ فكرة الجبن قد أهملها حتّى الباحثون الأكاديميون وما يزالون. صحيحٌ أنّ الحرب تقوم نزاعًا على أرضٍ أو مصادر أو سلطة، ولكنّ هنالك اعتبارات أخرى للحرب غير هذه. يحدّثنا المؤرخ روبرت كاغان في كتابه “عن أصول الحرب وحفظ السلام” عن أمورٍ من قبيل الشرف أو العار بالأحرى، لها عميق الأثر في هذا السياق. إنّ الأمم لا تحارب كي تظهر شجاعتها، مثلها في ذلك مثل الجنود أنفسهم، ولعل الدافع الأكبر هو دفع عار الجبن عنها. لقد كان أوبرين مرغمًا على الذهاب إلى فيتنام لأنّه خشي أن تنطبق عليه تلك الكلمات التي قالها الرئيس الأمريكي ليندن جونسون: “إن تركت الحرب وسمحت للشيوعيين بالاستيلاء على فيتنام الجنوبيّة فسأكون جبانًا في عيون الآخرين وسيظنّ الآخرون أنّ الأمّة الأمريكيّة ترضى بالدنيّة.”

قوّة الجبناء

على الرّغم من قدرة الجبن على التواري والتستّر، إلا أنّه لا يصعب تتبّع ظهور هذه الفكرة بشكل قويّ في التاريخ الأمريكيّ. ولنبدأ من يوليو/تمّوز 1775 حين خضع اثنان من الجنود لمحاكمة عسكريّة بعد معركة بانكر هيل. وعند النطق بالأحكام على الجنديّين تحدّث الجنرال جورج واشنطن عن الجبن ووصفه يقول: “إنّها أشنع جريمة من بين الجرائم إن صدرت عن جنديّ، وأشدّها ضررًا على الجيش، وهي آخر ما يمكن العفو عنه، ذلك أنّ الجبن عادةً إن تجلّى في جنديّ واحد فإنّه ينذر بهلاك الجيش بأكمله…”. وبعد عامٍ أو أكثر من كلمات واشنطن هذه، وفي مرحلةٍ من الضعف والهزيمة كانت تمرّ بها قوّات حرب الاستقلال الأمريكية، نشر طوماس باين مجموعة من المقالات بعنوان “المصيبة” مفتتحًا بعبارته المشهورة السائرة: “هذه أوقات تُبلى فيها أرواح الرجال”، ولكنّه يبثّ في السطر الثاني الأقلّ شهرة شيئًا من احتقارٍ للجبن ويسير على ذلك في بقيّة المقالة، فيقول: إنّ الجنودَ الذين اعتادوا الربيع والوطنيين الذين لا يعرفون من الوطنيّة إلا شمسها الوديعة سينسلّون من خدمة وطنهم في وقت المصائب.”

ولكنّ قلق الثوّار الأمريكيين من ظهور الجبن فيهم قد حدّ منه اقتناعُهم بأنّ الإنجليزَ أكثر جبنًا، مع أنّ الإنجليز كذلك كانوا يظنّون أنّ الثوّار جبناء في عمومهم، وهذا ما جعلهم يرون أنّ بالإمكان هزيمتهم بأقلّ عددٍ من الجنود والعتاد.

وقد يصعبُ عليّ أن أبالغ في تقدير مدى انتشارِ خطاب الجبن وترسّخه في المرحلة التي سبقت الحرب الأهلية وحتّى في خضمّها. فمع أنّ المواجهة لمّا احتدمت بين قوات الاتّحاديين وقوات الكونفدراليين في الحرب الأهليّة جعلت كلّ طرف يعيدُ النّظر بمقدار الجبن عن خصمه، إلّا أنّ الجنود لم يتخلّصوا من عقد الجبن، وهذا ما يلاحظه جيمس مكفرسُن في دراسته عن دوافع الحرب الأهليّة الأمريكيّة، حيث قال: “لقد كانوا مشغولين دومًا بدفع تهمة الجبن عن أنفسهم وتجنّب أن يلحق عارٌ كهذا بهم.” وكانت المحاكم العسكريّة التي وقف فيها الجبناء متّهمين أمرًا شائعًا ومعروفًا، وكانت تنتهي بمشاهد من الذلّة وتودي بالمتّهم إلى السجن والأشغال الشاقّة، بل وكان جزاء البعض منهم التعذيب أو حتّى الإعدام.

بعد عدّة عقود جاء دور ألمانيا في الحرب العالميّة الأولى عام 1914 وكلّنا نعلم الأسباب المعقّدة التي أدّت إلى إعلان الحرب حينها، ولكن علينا أن نذكرَ أيضًا أنّ أحد تلك الأسباب هو قلق قيصر ألمانيا من أن يظهر بمظهر الجبان، ولعلّنا نجدُ ذلك جليًّا فيما جاء على لسانه عقبَ اغتيال صديقه فرانز فرديناند حين قال مردّدًا: “لن أجبنَ هذه المرّة.. لن أجبن هذه المرّة.” وحين اندلعت الحرب الكبرى في أوروبا وبقي الأمريكيّون في البداية على الحياد ولم يتدخّلوا فيها خرجَ تيدي روزفلت واتّهم الرئيس الأمريكي حينها، وودرو ويلسن، بأنّه زعيم “ثلّة من الجبناء.” وجاء الردّ من ويسلن مدندنًا حول الفكرة نفسها، فقال: “لن أورّط نفسي في حربٍ كلّما قام أحد أعضاء الكونغرس أو مجلس الشيوخ غاضبًا ووصفني بالجبان.” ولكنّه أذعنَ في نهاية المطاف وتوجّه إلى مجلس الشيوخ طالبًا منهم إعلان الحرب، وصار التحذير من عار الجبن وخزيه من أهمّ الوسائل لتجنيد الناس وتعبئة الدولة.

خشيَ الأمريكيّون العدوّ في الحرب العالمية الثانية، ولكنّهم ما فتئوا ينعتونهم بالجبناء أيضًا. حدثَ عشيّةَ غزو صقليّة عام 1943 أنْ قام الجنرال جورج باتون مخاطبًا الجنود الأمريكيين ذوي الأصول الألمانيّة والإيطالية قائلًا لهم إنّ أجدادهم قد تحلّوا بالشجاعة حين تركوا أوروبا بحثًا عن الحريّة- وتلك هي صورة الشجاعة التي تتناقض مع جبن الأعداء أمامهم وخنوعهم أمام الاستبداد. ووضّح يقول: “… أمّا أجداد هؤلاء الذين سنقضي عليهم فلم يكن لديهم من مؤونة الشجاعة ما يكفي للتضحية وفضّلوا أن يعيشوا حياة العبيد.” وفي هذه الحملة وقعت تلك الحادثة الشهيرة حين صفع باتون جنديًا من جنوده أنهكته المعارك ونعته بالجبان، وتكرّرت هذه الحادثة مرّتين. أمّا في ألمانيا وروسيا في تلك الفترة فقد كان الإعدام مصير عشرات الآلاف من الجنود الذين فرّوا من الخدمة أو ارتكبوا أفعالًا توصف بالجبن كإبداء الاستعداد للاستسلام للعدوّ.

وفي العام 1975 أعلنت الولايات المتّحدة انسحابها من فيتنام، كما ستفعل في بيروت عام 1983 والصومال عام 1993، وهي أمثلة اعتمد عليها أسامة بن لادن في حديث له عام 1996 للتدليل على جبن الأمريكيين، مؤكّدًا كذلك أنّ الجبن عند المسلمين “هو ما يقف حائلًا دون نهوضِهم في وجه التواجد العسكريّ الأمريكي في بلاد الحرمين”، ولأنّ الأمريكيين جبناء أصلًا فإنّ هذا يعطي الأمل بالانتصار عليهم في رأيه. واستمرّ الأمر حتى هجمات الحادي عشر من سبتمبر، فنهض جورج بوش الابن وهيلاري كلنتون والعديد من الأمريكيين ليصفوا تلك الهجمات بأنها أعمال جبانة، فبدأ المنطق ذاته مرّة أخرى: ما فعله الإرهابيون كان مجرّد عمل أرعن وجبان، وجبنُ هؤلاء الإرهابيين دليل على أنّ بالإمكان القضاء عليهم، كما أنّه سيكون من الجبن أن لا نهاجمهم ونردّ لهم الصاع صاعين.

وتكرّرت ثيمة الاتّهام بالجبن أو الخشية منه كثيرًا منذ ذلك الحين. ففي مطلع العام 2002 أثناء احتلال أفغانستان ألقى الجيش الأمريكي منشورات عليها صورةٌ لابن لادن يظهر فيها حليق الذقن كاشف الرأس يرتدي بدلةً أنيقة كرجال الأعمال، مكتوبٌ عليها بالبشتونية: “المجرم الجبان أسامة بن لادن قد تخلّى عنكم”، وهنالك نسخة أخرى بالإنجليزية أنتجتها وزارة الدفاع لتستهلك أمريكيًّا.

أمّا داعش فلم تنسَ كذلك أن توظّف هذه الفكرة في حملتها وليس أدلّ على ذلك من مقال ظهر في مجلّة إنجليزية تنسب إليها جاء في مطلعها: “إنّ أمريكا في أشدّ لحظات خورها وجبنها قد أكّدت لشعبها أنّها لن تقحم نفسها في الحرب مباشرة ضد الدولة الإسلامية ولكنّها ستعتمد على عملائها من المرتدّين في المنطقة.” ثم تصف المقالة أولئك “العملاء” أنفسهم بأنّهم “مقاتلون مخنّثون من حزب العمّال الكردستاني والبشمرجة.”

التطلّع إلى الشجاعة

إنّ الاعتقاد بجبن الآخر والخوف في الآن ذاته من الاتّهام بذلك ممّن هم في طرفه يؤدّيان إلى خلق حالة من الثّقة قد تصل إلى الطيش أحيانًا. فربّ حربٍ اندلعت لدفع هذه التهمة، وربّ حرب استمرّت لإثبات عكسها، علمًا أنّ هذا النسق موجود وشائع بل ولعلّه يكون من السّمات الأساسية التي يجري اللعب عليها في كلّ حرب. وليس عار الجبن بأمرٍ يخشاه رجالات الحرب والجنود وحسب. فها هو ذا غاندي يعلن أنّه يفضّل العنف على الجبن إن وقع الاختيار بينهما، وتابع يقول: “إنني أفضّل أن أرى الهند تحاربُ دفاعًا عن شرفها على أن تصبح أو تبقى عاجزةً جبانة أمام ما حلّ بها عار.”

ما الذي يا ترى يمنح هذه الفكرة قوّتها ومن أين تستقي سطلتها؟ صحيحٌ أنّ التقاليد الشعبية والعقائد العسكرية حول العالم تعرّف لنا الجبن بأنّه أنْ يتخلّف المرء عن أداء مهمّة ما بسبب فرط الخوف، ولكنّ هذا التعريف ينضوي على إشكالات عديدة؛ فما هو الواجب ومن الذي يحدّده ومن الذي يفرضه؟ وماذا يحصل لو تضاربت المهام؟ وأليسَ تحديد فرطِ الخوف حكمًا شخصيًّا؟

قد تسهل الإجابة على هذه التساؤلات عند داعش، فالواجب هو ما يفرضه “شرع ربّ العالمين” لأنّ “دولة الإسلام قامت، وبدا العزّ المهيب” وذلك بفضل “رجال أوفياء لا يهابون الحروبَ” كما يقولون في نشيدهم المشهور “أمتي قد لاح فجر“.

ولكنّ الأمر ليس بهذه البساطة في الولايات المتّحدة، أو يجدر بالأحرى أن لا يكون كذلك. فالأمريكيون يصدحون كذلك بأنّ بلادهم هي موطن الشجعان، ولكنّ بعضهم يعلمون كذلك أنّ الخوفَ من الحرب فيه شيء من الحكمة، وأنّ الواجبَ حين يحتّم إرسال جنود إلى المعارك، فإنّ الصّدمة والهلع قد يحطّمان أشجع الرجال، وهذا لا يعني أنّهم جبناء. يعلّمنا التاريخ أنّ خوف المرء من أن يكون جبانًا أو يظهر كذلك قد يورده المهالك، كما تظهر لنا خبراتنا في عصرنا هذا أنّ استخدام فكرة الجبن والتخويف منها لم تزد الطين إلا بلّة في الكثير من الأحوال.

إنّ قضيّة الجبن عصيّة على التحديد وتشوبها الكثير من التناقضات؛ إنّها تدفع البعض للتفكير ربّما بأنّ ما قامت به الولايات المتّحدة من انسحاب من العراق وأفغانستان يثبت ما قاله ابن لادن عن جبن الأمريكيين وأنّ أمريكا بسياستها الخارجية ستجعل من نفسها مجرّد دولة ديمقراطيّة استهلاكيّة معزولة عن بقيّة العالم كما رأى ذلك ألكسيس دي توكفيل قبل فترة طويلة. وقد يسأل البعض عن استعداد الولايات المتحدة للخوض في الحروب وهل أنّ هذا عائدٌ إلى ذلك الخوف الزائد، حتّى لو كان خوض الحرب يعني لها الآن إرسال أعداد أقل من الجنود وزيادة أعداد تلك الطائرات بلا طيّار؟ هذا ما يقوله الآخرون عنّا على الأقل، وهذا ما يجدر بنا التفكير به بشكل أعمق للإجابة عليه. علينا أن نعيد التفكير بحقيقة واجباتنا وحقيقة الأمن الذي نريده لنا ولحلفائنا، أن نفكّر بالدستور والقوانين والتاريخ والمستقبل. وختامًا، يبدو لي أنّ فكرة الجبن رغم إعراضنا عن النّظر فيها والبحث عنها ما تزال خطيرة جدّ خطيرة.

كيف خسر أردوغان الليبراليين؟

كيف خسر أردوغان الليبراليين؟

نشرت هذه المقالة المترجمة في ألترا صوت في 22 تشرين الثاني 2015

http://goo.gl/VRqLoi

لقد كانت تركيا قبل خمس سنوات النّجمة اللامعة في العالم الإسلامي، وصارت محلّ إعجاب الشرق والغرب على السواء بفضل اقتصادها المزدهر وديمقراطيتها التي تخطو خطوات جريئةً إلى الأمام، ما جعلها تنجح في وضع حدّ لتدخّل الجيش في السياسة وتجاوز مخاوفها القديمة بشأن الأقليّات، كما قرّرت كذلك أن “تصفّر” مشاكلها مع دول الجوار.

هذا وقد تحقّق هذا النجاح المذهل أثناء حكم حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان وهو الحزب الذي يشار إليه غالبًا بأنه حزب “الإسلاميين المعتدلين”. وهكذا ذهبَ الكثيرون من الناس حول العالم وفي تركيا، وأنا منهم، إلى التصديق بأن “تركيا الجديدة” هي المعادلة المتكاملة المنتظرة بين الإسلام والديمقراطية الليبرالية.

شيءٌ ما قد تغيّر

أمّا اليوم فقد خسرت تركيا شيئًا من ذلك الألق، إذ يتكرر في وسائل الإعلام الدولية أنباء عمّا يجري فيها من تقييد للإعلام المعارض، وتراجع حكم القانون، وزيادة المخاوف من الحكم الاستبداديّ.

وقد وثّق تقرير التقدّم الصادر عن الاتحاد الأوروبي للعام 2015- الذي كان من قبل يمتدح الإصلاحات التركية، وجودَ تراجع كبير في مجالات حرية الرأي وحريّة التجمهر في تركيا.

ولعل هذا ما دفع عبدالله غل، الرئيسَ السابق للبلاد ورفيق أردوغان في تأسيس حزب العدالة والتنمية، إلى أن يشير إشارة عابرةً في شباط 2014 إلى أن “نور تركيا لم يعد يشعّ كما كان يشعّ في الماضي”.

ولكن لم هذا؟ وما الذي تغيّر؟

إن المنافحين بتصلّب عن أردوغان- وهم المسيطرون على مساحة كبيرة من الإعلام التركيّ الآن، ويرغبون في السيطرة على المزيد- يقدّمون ردّا مبسّطًا على مثل هذا السؤال، فيقولون إنّ أردوغان هو الرجل الذي تجرّأ على تحدّي سادة الشرّ في العالم- الصهاينة وحلفاؤهم- وهو الذي يدافع عن المضطهدين، ومنهم الفلسطينيون، وهذا ما جعل البعض يحاول الانقلاب عليه كي يقلقلوا الأمن في تركيا.

وعليه فإنّ قوى التآمر هذه هي التي أغرت الإعلام الغربي بالانقلاب ضدّ أردوغان، بل وحرّكت كذلك طوابيرها الخامسة داخل تركيا- كالليبراليين، علمًا أنّهم قد دعموا العدالة والتنمية لعقد من الزمن على الأقل ضدّ التيّار الكمالي المتشدّد من علمانيّي تركيا.

أمّا بالنسبة لي ولغيري من الليبراليين الأتراك، ممن علقوا الكثير من الآمال على فترة حكم العدالة والتنمية، فإنّ هذه السرديّة “الأردوغانيّة” التي سارت في الفترة الماضية هي أساس المشكلة، حيث تجري شيطنة جميع من يعارض أو حتّى ينتقد هذا الرئيس ذي النّفوذ الكبير واتهامه بأنّه جزء من مؤامرة خبيثة تستهدف تركيا نفسها.

هذا الخطاب الذي لا يتوانى عن وسم المعارضة السياسية بالخيانة العظمى، هو المعلم الأبرز للنظم الاستبدادية لا الديمقراطية.

لا وجود لمعارضة شرعيّة

لا عجبَ أنّ معارضة الليبراليين لأردوغان بشكل عامّ لم تبدأ في واقع الأمر بسبب مواقفه الجريئة على الساحة الدوليّة- مثل موقفه الصائب حين ندّد بجرائم الحرب الإسرائيلية في غزّة عام 2009- أو بسبب اختيار تركيا التصويت ب “لا” على قرار العقوبات التي فرضها مجلس الأمن عام 2010 على إيران.

ولو كنّا نرغب في الحديث عن نقطة فاصلة، فلعلها ستكون مظاهرات غيزي بارك في حزيران عام 2013 والتي أثارت حنق أردوغان وتصدّى لها بالقبضة الحديدية من جهة وبترويج نظريات المؤامرة من جهة أخرى. ومنذ تلك الفترة أضحت المعارضة العدوّ الداخليّ وجزءًا من “محور الشر”، وهذه هي اللغة التي تعكس الأساليب التي اعتادت عليها من قبل المؤسسة الكماليّة والتي عارضها الليبراليون على الدوام.

المثير في الأمر أنّ هذا الأسلوب الهجوميّ في التعاطي السياسيّ يوصف من قبل أنصار أردوغان بأنّه تحقيقٌ للديمقراطية- ولكنها نوع خاصّ من الديمقراطية. فبما أنّ أردوغان منتخب بالأغلبية، فإنه يمثّل “الإرادة الوطنية”، ولذا فإنّه لا يمكن التظاهر ضدّه في الشوارع أو ملاحقته وفق أيّ قانون أو حكم أو مبدأ.

وهكذا يصبح أي توجيه قضائيّ للسياسة نوعًا من “الوصاية” على “الإرادة الوطنيّة”- وهذه هي الحجة التي استخدمت ضد المحكمة الدستورية في السنة الماضية حين أبطلت قرار الحكومة بحجب تويتر.

نرى كذلك أنّه يُراد لجميع وسائل الإعلام أن تخضع لهذه “الإرادة الوطنية”- القائمة في الرئيس- وإلا تعرّضت للشيطنة والتخوين إن لم تفعل. فأصحاب القنوات الإعلامية المعارضة يتلقون التهديدات بالتعرض لغرامات جسيمة تتعلق بالتهربات الضريبية، أو الخضوع لتحقيقات محيّرة بخصوص تهم ذات علاقة بالإرهاب.

النتيجة هي تغيّر الهيئات الإدارية في ثمانية من أكبر الصحف التركية خلال بضع سنوات، حيث تحوّلت من صحف شبه محايدة أو معارضة إلى قنواتٍ لترويج البروباغاندا الحكوميّة من دون أيّ مواربة.

ديمقراطية غير ليبرالية

هكذا تحوّلت “ديمقراطيّة” تركيا إلى “ديمقراطية غير ليبرالية” تقوم فيها حكومة شعبية منتخبة بالحدّ من الحريّات المدنيّة والتأثير على سلطة القانون.

هذا لا يعني بطبيعة الحال أنّ أردوغان مخطئ في كلّ ما يفعل، أو أنّ كل الاتهامات التي تكال إليه صحيحة دومًا. قد تكون سياسته فيما يتعلق بسوريا موضوع نقاش وجدل، ولكنّه لم يقدّم الدعم لتنظيم الدولة، بل دعمَ تنظيمات إسلاميّة أخرى وقفت في وجه داعش ونظام الأسد، كما أنّ سياسة تركيا في احتضان أكثر من مليوني لاجئ سوريّ ليست أقلّ من أن توصف بأنّها نبيلة.

ليس أردوغان مخطئًا في حذره من “تنظيم موازٍ” داخل الدولة، إلا أنّ حربه الانتقاميّة التي لا هوادة فيها ضد حركة غولن بأسرها، وضد العمّال الكردستانيّ مؤخرًا، قد تشكّل تهديدًا حقيقيًا لتركيا.

وكما أنّ لأردوغان الكثير من المناصرين المتعصّبين فإنّ له في المقابل العديد من المعارضين المتشدّدين أيضًا، ولا شكّ في أنّ بروباغاندا كلا الطرفين منفصلة عن واقع الأمر في البلاد.

إنّ استبداد أردوغان واعتماده على خطاب “هُم” في مقابل “نحن” وسياسة إنشاء صنم جديد- تشتمل على تهميش شخصيتين من مؤسسي الحزب، وهما عبدالله غل والنائب السابق لرئيس الوزراء، بولنت أرنتش- هي ما جعل تركيا تخسر “بريقها اللامع”.

يحزنني أن أرى الأمور وقد انحدرت إلى هذا المستوى، ولو أنّ أردوغان لم يسعَ إلى بسط سيطرته الواسعة على المجتمع بهذا الشكل لما تعرّضَ لردّات الفعل هذه، ولما صار له هذا الحجم من الأعداء “من الداخل”.

الحال الآن هي أنّ أردوغان سيبقى على رأس السلطة حتى العام 2019 على الأقل، ولو أنّه يقدّم نموذجًا آخر من ذكائه السياسيّ المشهود له من خلال السعي إلى مصالحة وطنيّة (وإن كان يصعب توقّع ذلك الآن) بدلًا من مواصلة سعيه إلى السيطرة المطلقة، فإنّ ذلك سيكون موضع ترحيب.

ويمكن لرئيس الوزراء أحمد داود أوغلو، وهو أكثر اعتدالًا من أردوغان، أن يؤدي دورًا مهمًا في التخفيف من حالة الخصام في المجتمع التركيّ، وإن كان ذلك يعتمد على المساحة التي يتيحها له أردوغان لقيادة المشهد في تركيا.

يجب في الوقت ذاته على أطياف المعارضة أن تواجه فشلها وتعيد ترتيب أوراقها لتقديم رؤى جديدة، مع تجنب تبنّي نهج من معارضة أردوغان بناء على ردّات فعل، ولا جنوح نوستالجيّ للحقبة الكماليّة، ولكن من خلال النظر إلى تركيا “جديدة” يتمتع فيها جميع المواطنين بالحرية والمساواة والاحترام.

هذه هي النظرة التي قدّمها أردوغان في بداية الأمر، وبدا لوهلة أنّه عازم على تحقيقها، ولكنّه مع الأسف لم يفعل.

مصطفى أكيول (1977) صحفيّ وكاتب تركيّ، يكتب في النيويورك تايمز والمونيتور والجزيرة الإنجليزية. له كتاب بعنوان (Islam without Extremes) و كتاب آخر عن القضية الكردية بعنوان (The Kurdish Question: What Went Wrong).

في إسطنبول معرض للكتاب العربي

في إسطنبول.. معرض للكتاب العربي

في إسطنبول.. معرض للكتاب العربي

نشرت هذه المقالة في ألترا صوت في 8 تشرين الثاني 2015

http://goo.gl/qx0tCd

في أحيانٍ ليست قليلةً يكون فرط التناول الإعلاميّ لأمرٍ أو حدثٍ ما علامة على مبالغة بشأنه أو تضخيم لأهمّيته، ولوهلة راودني هذا الشعور وأنا أتابع الزخم الكبير لأخبار معرض الكتاب العربي الأوّل من نوعه في إسطنبول والذي نظّمه وأشرف عليه الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ولكنّ زيارةً أولى للمعرض المقام في موقع مميزّ للمدينة القديمة في طرفها الأوروبي قرب القرن الذهبيّ وفي زقاق صغير مقابل جامع السلطان أحمد، كشفتْ أنّ وراء هذه الحملة الإعلاميّة والدعوات العريضة لمتابعة المعرض إنجازًا حقيقيًّا لا بدّ من الوقوف عنده، وخطوة أولى قد تضع إسطنبول في بؤرة المشهد الثقافيّ العربيّ المعاصر.

بداية لا بدّ أن أذكر أنّ المعرض يخرج عن الصورة التقليديّة لمعارض الكتاب، فالموقع وإن كان في القلب من إسطنبول إلا أنّه قاعة متوسّطة تنفتح على حجرتين صغيرتين عرضت فيها الكتب عرضًا طوليًّا فتشعر كأنّك داخل مكتبة لا معرض، فليس ثمة طاولات عرض إلا القليل، وبقيّة الكتب معروضة على رفوفٍ تحيط بجدران القاعة الرئيسية أو على الأرض. كما أنّ الشبكة العربيّة هي التي حصلت على الكتب من دور النشر الأخرى، وبعض موظفي الشبكة هم الذين يعملون على عرضها وبيعها، وهم ثلاثةٌ أو أربعة فقط ولا تكاد تلحظهم. وقد أتيحت لي الفرصة للحديث حول هذا الأمر مع محمد سعيد، مدير المعرض ومدير الفروع في الشبكة العربية، فأخبرني بدايةً أنّه كان يفترض أن يعقد المعرض في آب الماضي، ولكنّ الظروف السياسيّة والأمنيّة في تركيا والتحضير للانتخابات المبكّرة حالت دون الحصول على قاعة كبيرة مناسبة لمعرض بهذا الحجم من بلديّة إسطنبول فانتهى الأمر إلى هذه القاعة الصغيرة، والتي ضاقت على الرغم من جمالها وقدم بنائها بعدد الزوّار الكبير، وذلك لتجنّب مزيد من التكاليف.

وعند سؤاله عن سبب هذا الإقبال الكبير أجاب محمّد بأنّ هنالك داعيًا عاطفيًّا يدعو أولئك العرب المقيمين في إسطنبول والذين تركوا بلادهم لأسباب أمنيّة وسياسيّة إلى البحث عن الكتاب العربيّ. فالمعرض يقدّم 5000 عنوان من 50 دار نشر عربية وهو موجّه للعدد الكبير والمتزايد من الشباب المثقفين والفاعلين في الحراك الإعلامي والسياسيّ من سوريا ومصر واليمن وليبيا والعراق وفلسطين والسودان وغيرها من الدول العربية الذين اتخذوا إسطنبول مقامًا لهم، كرهًا أو طوعًا، وذلك لما يتوفّر في هذه الدولة من هامشٍ أوسع للعمل والحراك، خاصّة أنّ هذه الفئة من الشباب تتوق لشراء ما يروي عطشهم للكتاب العربيّ وهم في هذه المدينة.

وقد يتنبّه الزائر للمعرض إلى غياب كتب العلوم الشرعيّة من تفسير وحديث وفقه وسير وغير ذلك، وهذا ما انتقدته شريحة واسعة من الزوّار الأتراك الذين يهتمّون بهذا النّوع من الكتب، خاصة من طلاب كليّات الإلهيّات التي تزيد عن مئة كليّة في تركيا ومعظمها تقدّم دروسًا باللغة العربيّة. ففي حديث لألترا صوت مع عبد الصمد ألتِن، وهو طالب تركيّ يدرس الإلهيات في إسطنبول، قال إنّه لم يجد ضالّته من الكتب التي يهتمّ بها، وقد سمعت هذه الملاحظة من عدد غير قليلٍ من الطلاب والطالبات الأتراك أثناء تواجدي هنالك وحديثي إليهم.

كما غابت عن المعرض كتب الأطفال، وكان ذلك نقصًا أساسيًّا فيه خيّب الكثير من الزوّار، العرب والأتراك، الذين أتوا مع أطفالهم بحثًا عن كتب تعليمية وقصص للناشئة والأطفال لتشجيعهم على القراءة باللغة العربيّة وسدّ الفراغ الحاصل لديهم بسبب ابتعادهم عن بيئات التعلّم العربيّة في المدارس التركية ولكنّهم أيضًا لم يجدوا ما جاؤوا من أجله.

والتقيت في المعرض بالدكتور برهان كوروغلو، وهو أستاذ للفلسفة الإسلامية في جامعة باهتشه شهير في إسطنبول، فأثنى على المبادرة وأكّد على أهمّيتها. وتحدّث الدكتور برهان لألترا صوت عن الازدياد الكبير في عدد المهتمّين بالدراسات العربيّة في تركيا، وأهمّية معرض كهذا للاطلاع على آخر المؤلفات العربيّة، بالإضافة إلى ضرورة مثل هذه الفعاليات كوسائل للقاء والتفاعل بين العرب والأتراك على الصعيد الثقافيّ، بدلا من انحصارها في الجانب السياسي والإنسانيّ. كما ذكر الدكتور برهان أنّ في مثل هذه الفعاليات دلالة على أنّ إسطنبول تعود إلى سابق مجدها كحاضنة للثقافات المختلفة من الغرب والشرق، وأنّ هذا الانفتاح على الثقافة العربيّة من شأنه كذلك أن يشجّع حركة الترجمة والتي اشتكى من ضعفها بين اللغتين التركية والعربيّة، خاصّة فيما ينقل إلى العربيّة من أعمال فكرية وفلسفيّة باللغة التركيّة.

يصاحب المعرضَ برنامج ثقافيّ من عدد من المحاضرات تقدّمها بعض الأسماء المهمّة في الساحة الفكرية والإعلامية العربيّة، وكانت البداية مع محاضرة لهبة رؤوف عزّت من مصر، وثمّة محاضرات أخرى لمحمّد مختار الشنقيطي عن كتابه الأخير حول أثر الحروب الصليبية على العلاقات السنية الشيعية، وجمال خاشقجي وأيمن نور عن الأوضاع الراهنة في مصر، بالإضافة إلى أسماء أخرى منها سيف الدين عبد الفتاح وبرهان غليون وأبو يعرب المرزوقي وياسين الحاج صالح وغيرهم.

ما يزال من المبكّر الحديث عن مدى نجاح هذا المعرض في اليوم الثاني من انطلاقه، ولكنّه بلا شكّ نقطة تحسب للشبكة العربيّة التي رعت هذه الفعالية ودورِ النشر العربيّة التي تعاونت معها، كما أنّ نجاحه لو تحقق سيحسب للجالية العربيّة في إسطنبول، التي ورغم كل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة، من لجوء وشتات وغياب للاستقرار، ما تزال تجد في الكتابِ فسحة من أملٍ وطريقًا للتغيير.

سعيد في بلاط الملك

سعيد في بلاط الملك

نشرت هذه المقالة في ألترا صوت في 12 تشرين أول 2015

http://goo.gl/DpY0PC

أُدخل سعيد أبو النحس المتشائل، صاحب الولاء المفرط “للدّولة” إلى سجن شطّة، ذلك أنّه من فرط ولائه رَفَع على عصا مكنسة علمًا أبيضَ بعد أن سمع في “ليلة من الليالي الستّ العفريتيّة” على أثير الإذاعة العربية من محطّة إسرائيل دعوةً للعرب المهزومين إلى رفع أعلام بيضاء على أسطح المنازل كي لا ينالها غضب الجيش الإسرائيلي. رفع أبو النحس، على حسن نيّة، ذلك العلم الأبيض المعلّق على عصا مكنسة على سطح بيته في شارع الجبل في حيفا، في “قلب الدّولة”، فعُدّ ذلك إهانةً وتحقيرًا لها فأُخِذ في السيارة إلى السّجن وتعرّض للضرب والركل ببساطير الضباط الإسرائيليين فيه بعد قصّة طويلة، ثمّ وُضِع في زنزانة بلا نوافذ، يشاركه فيها فدائيّ لاجئ، وكان هذا الفدائي في نظر سعيد هو “الجلال المسجّى” بعينه، حتّى إنّ سعيدًا خَجل ولم يحر جوابًا حين سأله هذا الفدائي عن المنطقة التي جاء منها.
ثمّ قال له الفدائيّ: “مالك يا أخي؟”، فقال سعيد في نفسه “لو كنّا التقينا في الخارج هل كان يناديني بيا أخي؟” ثم انفجر سعيد باكيًا حين عادت به عينا ذاك الفدائيّ اللاجئ عشرين عامًا إلى الوراء، يسمع صراخ حبيبته يُعاد، وعناصر الجيش الإسرائيلي يضعونها في سيارة الترحيل وهي تصرخ: هذه بلدي، داري، وهذا زوجي! بكى سعيد كالأطفال، فقال له الفدائيّ “اصبر يا والدي..”، وحينها اشتدّ بكاء سعيد، لا لشيء إلا لأنّه صار يبكي فرَحًا واعتزازًا، صار يبكي “بكاء الجنديّ يمنحه قائدُه وسام الشّجاعة.” ثم قال في نفسه:
دوسي، أيّتها الأحذية الضخمة على صدري، اخنقي أنفاسي! أيتها الغرفة السوداء أطبقي على جسدي العاجز! فلولاكم لما اجتمعنا من جديد. الحرس الغلاظ، لو كانوا يعلمون، هم حرس الشرف في بلاط هذا الملك. والغرفة السوداء الضيّقة، هي البهو المفضي إلى قاعة العرش! أصبحت أخاه، أصبحت والده. فأعيدوا ابتساماتكم إلى قوالبها أيّها العسكر!
كثيرٌ منّا الآن يبتغي وصلًا بهذا الفدائيّ الثائر في فلسطين، وعساه يقرّ لنا بنسب أو صلة به أو بأرضنا التي هُجّرنا عنها وبدا علينا لأمدٍ قد طال قليلًا أنّنا نسيناه ونسيناها. لكنّه دومًا يرفق بنا وينعش شيئًا من المعنى فينا حين فقدناه واختبأنا “حتّى تتغيّر الأمور” كما قال سعيد:
– فمن يغيّرها؟ (قالت يُعاد الثانية)
– أخوكِ (الفدائيّ) قال: الشعب.
– الشعب وهو مختبئ؟
– أنا وأنتِ نختبئ، أما أخوك سعيد فيكافح
– فيُهدي الحريّة إلى المختبئين؟؟
ولكنّ الشباب الفلسطيني الخارجين من أبواب مدارسهم وجامعاتهم لم يختبئوا كما فعل سعيد أبو النحس، ولم يكتفوا بنفحة شرفٍ عابرة تأتي “بالمعيّة” من أخٍ ثائر أو ابنة عمّ حرّة. شباب فلسطين لم يتعثّروا بسعيد ولا بنحسه ولن يختفوا كما اختفى، فهذا ديدنهم، وذاك واقعهم التّعس، وليس ثمّة أقدر منهم على دفع الثّمن اللازم لتغييره، فلقد زالت غيمةُ سعيد، ولقد أشرقت الشّمس.

المفتي في التاريخ الإسرائيلي

المفتي في التأريخ الإسرائيليّ

المفتي في التأريخ الإسرائيلي

نشرت هذه المقالة في ألترا صوت في 22 تشرين أول 2015

http://goo.gl/5JWbdH

لا يخفى على ناظر في القضية الفلسطينية أنّ إسرائيل لطالما سعت إلى “هتلرة” المقاومة الفلسطينية وربطها بالنّازية والتأكيد في التأريخ والبروباغاندا أنّ المقاومة الفلسطينية والنازيّة تخرجان من رحم واحد وأنّ اليهود في فلسطين سيُلقوَن في هولوكوست جديد إن لم يقف العالم مع إسرائيل ضدّ المقاومة الفلسطينية والدول العربيّة. ولعلّ أشهر الأمثلة وأنجعها في واقع الأمر هو مثال سفينة أكسدس 1947 التي أبحرت من فرنسا عام 1947 محمّلة بناجين يهود من معسكرات الاعتقال النازيّة في ألمانيا بلغ عددهم أكثر من أربعة آلاف متوجّهة إلى فلسطين، ولكنّ بريطانيا اعترضت السفينة حينها ورفضت إدخال من فيها إلى فلسطين وكان القرار هو إعادة السفينة ومن عليها إلى ألمانيا! وهذا ما كانت تسعى الوكالة اليهوديّة إليه: المتاجرة بالناجين من الهولوكوست بغية لفت أنظار العالم إلى الظلم المستمرّ على اليهود بسبب عدم توطينهم في فلسطين، وكان ما حصل صادمًا بالفعل، وآتت الخطّة أكلها ونالت دعوة اليهود لإقامة وطن في فلسطين مزيدًا من التأييد والتعاطف، خاصّة في الولايات المتّحدة حينها. وكانت الرسالة باختصار هي أنّ إقامة إسرائيل هي الحل العادل والأكثر ضمانة لإنهاء المأساة اليهوديّة ومحنة الهولوكوست، فإن لم تقم هذه الدولة فلن يكون لليهود سوى مخيمات النزوح في ألمانيا.

أمّا ذكرى الهولوكوست نفسها فقد انتهكت، وما تزال تنتهك، أيّما انتهاك من قبل الساسة الإسرائيليين باستغلالهم لها أقذر استغلال (سياسيّا ومادّيًا) وذلك بشهادة مؤرخين يهود أهمّهم نورمن فنكلستين في كتابه الشهير “صناعة الهولوكوست” الذي يرى أن إسرائيل تستخدم ذكرى الهولوكوست بطريقة منهجيّة لإحياء هويّتها الهشّة وتسويغ سياساتها الإجرامية، ولتمنح نفسها الحصانة من النقد بالتسويق المستمر لنفسها على أنّها الدولة الضحيّة.

أمّا الحاجّ أمين الحسيني فقد نال ما ناله من التشنيع والشيطنة في التأريخ الإسرائيلي الحديث، وإن كان هو قد أعطى الإسرائيليين فرصةً ذهبيّة للعب على هذه القضيّة بقراره الانضمام إلى معسكر هتلر والذهاب إلى برلين بعد طرده من فلسطين عام 1937. فقد دأب المؤرخون الإسرائيليون على وصف المقاومة الفلسطينية بالنازيّة مستغلّين على الدوام قصّة الحسيني هذه دون محاولة لوضعها في سياقها الصحيح حينها، مع تهويل كبيرٍ في الدور الذي أدّاه في الدعاية النازيّة، ومع تضخيم كذلك لدوره حتى في الداخل الفلسطيني. ومع هذا أُدرج الحسيني في الموسوعة الإسرائيلية الأمريكية للهولوكوست، وكانت المادّة التي كتبت عنه هي أطول مادّة كتبت عن أي شخص بالموسوعة بأسرها باستثناء ما كتب عن هتلر، وذلك وفق ما ذكره إيلان بابيه في كتابه “فكرة إسرائيل”، رغمَ أنّه لم يفعل شيئًا في واقع الأمر سوى أنّه نقل الأخبار للعرب وقت الحرب من برلين.

فليس من الجديد ولا المستغرب أن يأتي نتنياهو على ذكر الحسيني في معرض الحديث عن الإرهاب والنازيّة، ولكنّ الغريب والجديد هو أن يكون الفلسطينيون أنفسهم هم المسؤولين الآن وبشكل مباشر عن الهولوكوست، وأنّ النازيّة قد خرجت من رحم المقاومة الفلسطينية، وأنّ السحر قد انقلب على الساحر بقيام دولة إسرائيل فوق ركام بيوت الفلسطينيين. ولكن سرعان ما فضحت صفاقة “بيبي” وصبيانيّته السياسيّة في هذا التصريح حتى صار مثار سخرية في وسائل الإعلام العربية والعالميّة.

يبقى علينا في المقابل أن نتذكّر جيّدًا أنّ الحركة الصهيونيّة نفسها كانت هي التي تعاطفت قولًا وفعلًا مع الفاشية والنازيّة في بداية الثلاثينات، بل وكان بعض قادة الحركة ببراغماتية قذرة يسعون لاستغلال توجهّات النظام النازيّ بطرد اليهود من ألمانيا (قبل أن يدركوا خطط الإبادة النازيّة) كي يرفدوا المجتمع اليهودي في فلسطين بمزيد من اللاجئين. ولعل توم سيغيف، الصحفي والمؤرخ اليهوديّ، أهمّ من كشف الكثير من التفاصيل عن علاقة الحركة الصهيونية والنظام النازيّ، وهي علاقة استمرّت كما يذكر حتّى العام 1937، بل وكشف أنّ عددًا من اللقاءات كانت قد جرت بين أفراد من الهاغانا وشخصيات من النظام النازي ومن أهمّهم أدولف أيخمان. كل ذلك حصل ببراغماتية بلغت أشدّ درجات الخبث والقذارة لهدف واحدٍ يتمثّل في تسهيل خروج اليهود من أوروبا إلى فلسطين “ليحقّق يهوذا ما حقّقته إيطاليا [الفاشيّة]” كما قال إيتمار بن-آفي أحد أهمّ قادة الحركة الصهيونية حينها.

هذا هو أحد أجزاء تاريخ الصهيونيّة الذي لا بدّ من تسليط الضوء عليه وفهمه وفضح الاتّكاء المستمرّ عليه في السرديّة الإسرائيليّة المعاصرة. أمّا الغباء الذي صدر عن نتنياهو فليس سوى دليل على أنّ حجارة الانتفاضة وسكاكينها قد أفقدته صوابه، كيف لا وهي التي تنفض كلّ ذلك الهراء الذي ألصق زورًا وبهتانًا بتاريخ هذه الأرض وشعبها الرافض للظلم أينما كان.