العودة_عزرا باوند

File:Ezra Pound 2.jpg

العودة

عزرا باوند

ترجمة محمد زيدان:  24 تشرين أول 2010

انظر كيف يعودون

نعم انظر..

خطاهم المترددة

أقدامهم الخشبية

الخوف في حركتهم

وتمايلهم المرتعش!

انظر كيف يعودون..

وحدانًا، ووحدانًا خائفين

كأشباه المستيقظين

وكأنّ على الثلج أن يتردد

ويهمس للريح

ويرجع بعد انتصاف الجادة.

أولاء كانوا أولي العظمة

لا يرجع القول لديهم

الآلهة ذات الأجنحة

في ركبها كلاب الصيد الفضية

يشتمّون أثر الهواء

إيه إيهٍ

فاستحثّهم النداء وغذوا السير..

عبقهم يملأ المكان

أولاء هم أرواح الدم

أبطأت الكلاب بقيادها

وعلا وجه قائدها الشحوب.

على ذكر الموتى

توم شيفرز/بريطانيا

نشرت في العربي الجديد 27 تموز 2014

على ذكر الموتى

مَداخل

لا أعرف مع من سأتحدّث

نظل نراوح في الردهة،

نتهادى على السجّاد بأرجلنا الثقيلة.

في الداخل نسخٌ مشفّرة من ذواتنا السابقة

وهي تُعِدّ أفضل كعكة “سوفليه”.

أرفع أنا المشجب.

يمكنني نظريًا أن أغادر،

غير أنّ ما يحدث يبدو كما اللغة

غامضة دومًا، ليست لنا.

نحاول الفهم من خلال الأشياء:

ملاعق، صحون، أبواب مشرعة

نشكو ونقول: “لا أحد ينصت”

ندخل لقراءة البريد الإلكتروني

نجد كل حساباتنا قد اخترقت؛

تلك الشخصيات الافتراضية التي مكثنا ننشئها سنواتٍ

لم تعد الآن سوى أيقونات تطفو على أجهزة معطّلة.

نبدّل أماكننا عند النافذة في الردهة

المدينة تحاول الدخول.

سحابة من غبار القرميد تتهم الماضي،

هدير المحرّكات يعلو مختنقًا.

قلت مغضبًا: “هذا ليس فعلًا سياسيا”،

غير أن العميان كانوا حيئنذ قد انصرفوا.

كل تلك البيوت التي أحلم بها

 نيكولا مادزيروف شاعر وباحث ومترجم من مواليد مدينة ستروميكا (مقدونيا) 1973. عن شعره، كتب الشاعر البولوني آدم زاغاجويسكي: “قصائد مادزيروف مثل اللوحات التعبيرية: مليئة بخطوط عريضة وحيوية، تنبثق من المخيّلة وتعود مباشرةً إليها، مثل حيوانات ليلية أسرتها مصابيح سيارة”. أما مازديروف نفسه فيقول لنا: “نحن بقايا عصرٍ آخر”. ونقتنع بقوله ما إن نبدأ في قراءته].

نشرت الترجمة في العربي الجديد 25 تموز 2014

http://goo.gl/Dj8vvd

أنا.. لا أعرف

بعيدة كلّ تلك البيوت التي أحلم بها

بعيدٌ صوت أمّي

وهي تناديني للعشاء، فأعدو نحو حقول القمح

بعيدون نحن ككرة أضاعت الهدف

وتذهب نحو السماء. نحن أحياء

كميزان حرارةٍ، لا يكون دقيقًا سوى

حين ننظر إليه

الحقيقة البعيدة في كل يوم تسائلني

كرحّالة غريب يوقظني

في منتصف الرحلة يسألني:

هل أنا في الحافلة الصحيحة؟

فأجيب بنعم، ومبلغ قصدي: أنا لا أعرف

أنا لا أعرف مدن أجدادك

من سيتركون خلفهم كل الأمراض المعلومة

مع بلسمها المصنوع من الصبر

أحلم ببيت على تلّة أشواقنا،

كي أشاهد أمواج البحر وهي ترسم

مخطط سقطاتنا وأحوال عشقنا،

كيف أن الناس يؤمنون كي لا يدركهم الغرق

وكيف يخطون كي لا يدركهم النسيان

بعيدة هي كل الأكواخ التي فيها احتمينا من العاصفة

ومن ألم الظباء التي تموت أمام أنظار الصيّادين

مَن وحدتُهم فاقت جوعَهم

اللحظة البعيدة تسألني كل يوم

أهذه هي النافذة؟ أهذه هي هي الحياة؟ وأنا أقول

نعم، وقصدي: أنا لا أعرف،

أنا لا أعرف إن كانت الطيور ستبدأ بالكلام

من غير أن تنطق قائلة: سماء

منزل

عشت في أطراف مدينةٍ

كمصباح في شارع

ذي لمبةٍ لا أحدَ أبدًا يغيّرها

أنسجة العناكب تشدّ أزرالجدران

أيدينا المتشابكة اعرورقت.

أخفيت لعبتي
في شقوق جدران حجرية بنيَت على عجل
كي أنقذها من الأحلام.

في نهاري وليلي بعثتُ في العتبة الحياة

لتعود كما النحلة التي

دومًا إلى الزهرة السابقة تعود.

كان السلام سائدًا حين غادرت بيتي:

التفاحة المقضومة لم يصبْها العفن

على الرسالة طابع بصورة بيت قديم مهجور

منذ الطفولة هاجرت إلى أماكن عديدة

ومن أسفلَ منّي ليست ثمة إلا الفراغات

كما الثلج لا يدري إلى أين ينتمي

إلى أرضٍ أم إلى هواء.

رأيت أحلامًا

رأيت أحلامًا لا يذكرها أحد

وأناسًا ينتحبون على القبور الخاطئة

رأيت عناقات في طائرة تهوي

وشوارع ذات شرايين مفتوحة.

رأيت براكين صار سباتها

أطول من جذور شجرة العائلة

وطفلًا ليس خائفًا من المطر.

وحدي أنا الذي لم يره أحد.

وحدي أنا الذي لم يره أحد.

كانت ربيعًا

كانت الدنيا ربيعًا حين أتى الغزاة

وأحرقوا صكوك ملكيّة الأرض حيث كنا نصطاد الطير،

والحشرات والفراشات الملونة

تلك التي لا وجود لها سوى في كتب الأحياء القديمة.

كثيرة هي الأشياء التي غيّرت أحوال الدنيا،

ومن حينها وهذه الدنيا تغيّر فينا كثيرًا من الأشياء

انفصال

نئتُ بنفسي عن كل حقيقة حولَ بدايات
الأنهار، والأشجار، والمدن.

ليَ اسمٌ سيكون شارعًا للوداعات
وقلبٌ يظهر على صور الأشعّة.
نئتُ بنفسي حتى عنك، يا أمّ جميع السماوات

والبيوت الرخيّة.

والآن صار قلبي لاجئًا ينتمي
لعدة أرواحٍ وجراحٍ غير مندملة.
ليَ إلهٌ يعيش في فسفورعود الثقاب

في الرماد الذي يحتفظ بشكل الحطب.

لا أريد خريطة العالَم حين أخلد للنوم.
ما يحجب أملي الآن هو ظلُّ قشّة وكلامي لم يعد أثمن
من ساعة عائلية قديمة لا تعمل.
نئت بنفسي عن نفسي، كي أصل إلى بشرتك
التي تفوح منها رائحة العسل والريح، إلى اسمك
الدالّ على التبرّم الذي يبعث فيّ الراحة،
الفاتحِ أبوابَ المدنِ التي فيها أنام،
ولا أعيش.
نئت بنفسي عن الهواء، والماء، واللهب.

التراب الذي منه خلقت

جزء أصيل من بيتي.

صمت

لا صمتَ في العالم.

الرهبان ابتدعوه

ليسمعوا الخيل كل يوم

والريش المتساقط من الأجنحة.

عقارب الساعة

فلترِثْ طفولتك

من ألبوم الصور.

انقل الصمت

الذي يتمدد وينقبض

كسرب طيور في السماء.

أمسك في يديك

كرة الثلج غير المستوية

وتلك القطرات التي تسيل

على خط الحياة.

فلتتل صلواتك

عبر الشفاه المطبقة

فالكلمات بذور تقع في أصيص الزهور.

نتعلم الصمت في الأرحام.

حاول أن تُولَد

كعقرب الساعة الكبير بعد انتصاف الليل

وعلى الفور ستدركك الثواني.

أشياء نريد لمسها

لا وجودَ لأي شيء خارجنا:

خزانات الماء تجفّ

حين نشعر بالعطش

للصمت، حين تصبح نبتة القراص

وصفة علاجية، وحين تعيد المدن

التربة إلى أقرب مقبرة.

كل تلك الأزهار، الأسود منها والأبيض، على ورق الحائط

في البيوت التي هجرناها

تُزهر في تواريخ غير شخصية

فقط حين تصبح كلماتنا

إرثًا غير قابل للنقل،

وما نرغب في لمسه

هو حضور شخص ما.

نحن كفردة حذاء تعدو بها كلاب ضالة،

نتعانق، كأسلاك متشابكة تمرّ بين الطوب الفارغ

في بيوت لا يسكنها أحد.

هي الحال هكذا منذ زمن طويل- لا وجودَ لأي شيء خارجنا:

أحيانًا ينادي أحدنا الآخر

شمس، ضياء، ملاك.

مدن لا تنتمي لنا

في المدن الغريبة

أفكارنا تهيم بسكينة

كقبور فناني سيركٍ منسيين

الكلاب تنبح على حاويات قمامة تسقط فيها

ندفُ الثلج.

في المدن الغريبة لا أحد يعيرنا اهتمامًا

كملاك كريستالي موصود في صندوق زجاجي لا هواء فيه

كهزّة أرضية ثانية لا تفعل شيئًا

سوى ترتيب ما قد لحقه الدمار.

نحن نكشف الأزمان

يتحقق وجودنا حين تنفتح النوافذ

والوثائق السرية.

نشتت الغبار دون أن نذكر

الموتى ومن أحبوهم سرمدًا.

دائمًا ما نحزم سترة النوم في الجزء السفلي من حقيبة السفر

وأحذيتنا لا توضع وجهًا لوجه أبدًا

نقرأ رسائلنا مرة

كي نكتم سرًّا ما.

نمدّ أيدينا ونكشف الأزمان

فلتبق صامتًا، صامتًا، اهمس بأشياء

أقل شأنًا من الحلم المنقطع

لفراشة لا تعيش سوى يوم واحد.

حين يرحل أحدهم

كل شيء كان لا بدّ أن يعود

لمارجان كي.

في ذلك العناق قرب الزاوية سوف تدركين
أن أحدهم سيرحل إلى مكان ما. هكذا الحال دومًا

أعيش بين حقيقتين اثنتين

كضوء مصباح يتهدّج

في قاعة فارغة. فلَكَم يلملم قلبي من الناس،

وهم ليسوا بيننا

هكذا الحال دومًا. الرمش بالعين يستغرق

ربع أعمارنا في اليقظة.

نحن ننسى الأشياء

حتى قبل أن تضيع منّا-

ككرّاسة الخطّ، مثلًا.

لا شيء جديدَ أبدًا.

مقعد الحافلة دافئ دومًا.
الكلمات الأخيرة تبقى حاضرة

كالدلاء المائلة على نار صيفية عادية

الأشياء عينها ستتكرر في الغد-

الوجه، قبل أن يختفي من الصورة،

سيفقد تجاعيده.

حين يرحل أحدهم

كل شيءٍ كان لابد أن يعود.

"The Black Stain," Albert Bettanier (1887).

النوع الخاطئ من العلمانية
إيان بيرشال/ ترجمة محمد زيدان
http://goo.gl/09uiZ8

لقد ترددت على مسامعنا بعد وقوع الهجوم على صحيفة شارلي ايبدو الكثير من العبارات التي تتحدث عن “قيم الجمهورية”، وحقيقة الأمر أنّ بعض الفرنسيين يشيرون إلى أنّهم قد سمعوا عبارات من هذا القبيل أكثر من اللازم، وذلك وفق استطلاع للرأي أُجري مؤخرًا يشير إلى أنّ 65 بالمئة من الفرنسيين يعتقدون أنّ عبارة “قيم الجمهورية” قد “باتت تستخدم بشكل مبالغ به وأنّها فقدت ثقلها ومعناها.”
ولعل اللائكيّة الفرنسية تحتلّ أهمّ مكانة بين هذه القيم، واللائكيّة كلمة لها العديد من الدلالات والتفسيرات التي تجعل ترجمة الكلمة إلى لغة أخرى شبه مستحيل، مع أنّ كلمة العَلمانيّة قد تكون مقاربة معقولة لها. واللائكية اليوم صارت تعدّ مسوّغًا للكثير من الأشياء، لعلّ من بينها منعَ الأمّهات المحجّبات من مرافقة أولادهنّ في الرحلات المدرسيّة، وتوجيه الأطفال المسلمين واليهود في المدارس الفرنسية إلى أكل لحم الخنزير أو أن يواجهوا الجوع إن رفضوا ذلك.
ولكنّ اللائكية ليست مجرد فكرة استولى عليها اليمين لغايات سياسية أو ثقافية، إنّها كذلك قيمة حتّى اليسار ينسبها لنفسه، بل حتّى بعض الأطياف من أقصى اليسار. ثمّ إنّها ليست مجرّد “قيمة” تسكن عقول الكثيرين، بل إنّ لها تجسدًا مادّيًا ملموسًا في نظام التعليم الفرنسيّ. فحوالي ربع السكان اليوم في فرنسا (24،7 بالمئة) يدخلون في نظام التعليم الرسمي، معلمين وطلابًا، وهذا ما يجعل مُثل اللائكية والممارسات المتعلقة بها مرتبطة بشكل وثيق بالبنى الاجتماعية والاقتصادية للأمّة الفرنسية.
إنّ للائكية تاريخًا طويلًا وشائكًا، ولكنّ نقطة التحوّل المفصليّة كانت بلا شكّ في اعتماد قوانين فيري عام 1881 و 1882، وهي القوانين التي أرست المبدأ الذي يجعل التعليم الأساسي في فرنسا مجانيًا وإلزاميًا وعلمانيًا.
كان التوسّع في التعليم الأساسيّ العامّ يجري على قدم وساق في مناطق أخرى من أوروبا، فالتطورات التي رافقت النهضة الصناعيّة قد زادت من الحاجة للقوى العاملة المتعلمة والماهرة في فرنسا، خاصة بعد انتصار بروسيا الحاسم في حرب عام 1870، وهو انتصار عزاه الكثيرون في ذلك الوقت، في جزء منه على الأقل، إلى تفوّق بروسيا في مجال التعليم.
غير أنّ هنالك عوامل أخرى. فالسياسيون الذين كانوا يحكمون الجمهورية الثالثة قد كانوا يمارسون السياسة في البداية وهم أعضاء في المعارضة أثناء حكم الإمبراطورية الثانية. فالكنيسة الكاثوليكية قد أدت دورًا بالغ الأهمية في حكم نابليون الثالث ودعمه. وكانت هنالك حامية فرنسية لحماية الفاتيكان، ولم يخسر الفاتيكان موقعه كدولة مستقلة إلا بعد انسحابه من الحرب الفرنسية البروسيّة فألحق بإيطاليا وصار جزءًا منها.
وهكذا صار السياسيون الجمهوريون يناهضون الكنيسة بعد أن فقدوا الثقة بها، وقد انسجم هذا مع المزاج العام للفرنسيين في ذلك الحين.
لقد كانت هنالك أسباب واضحة لغياب الثقة. فقد كان ولاء رجال الكنيسة منقسمًا بين الدولة الفرنسية وسلطة البابا التي كانت لها سياسة خارجية مباينة لفرنسا. كما ساد تخوّف حينها من أن يعمد المعلمون الكاثوليكيون إلى الاصطفاف إلى جانب روما لا باريس، ومن ذلك ما يروى أثناء الحرب بين فرنسا والنمسا عام 1859 أنّ قسًّا في إحدى القرى الفرنسيّة وعظ الحاضرين في كنيسته ودعاهم للصلاة من أجل النمساويين لأنّهم كاثوليك.
ولهذا اعتقد فيري ومن معه أنّ مهمّة خطيرة مثل تعليم الأجيال الجديدة جديرة بأن لا تترك بحلفاء في الكنيسة لا يمكن الاعتماد عليهم، وأنّ التعليم الأساسيّ لا بدّ أن يُقدّمه معلّمون توظفهم الدولة مباشرة.
كما كانت قضية تعزيز القوميّة أمرًا ذا أهمية كبيرة. فقد لاقت فرنسا هزيمة نكراء في حربها مع بروسيا، وخسرت أراضي لها في الألزاس واللورين لصالح الإمبراطورية الألمانيّة، ونما شعور قويّ في بعض الأجزاء في فرنسا بضرورة العمل على استعادة تلك الأراضي.
لم يكن فيري يحبّذ خوض حرب مع ألمانيا، بل إنّه سعى لتحسين العلاقات معها، غير أنّ مساعي المناورة تلك قد تعارضت مع حالة من الرأي العامّ الفرنسي، وحقيقة أنّ الاحتمال قائم وكبير لاندلاع حرب أخرى مع ألمانيا. لقد كان الخيار الذي اتّجه إليه فيري هو مدّ نفوذ الإمبراطورية الفرنسية، وهو طموح يتماشى مع رؤيته العنصرية التي ترى أنّ “الأعراق المتفوقة تضطلع بواجب جلبِ الحضارة للأعراق الأدنى.” وهذا ما حصل بالفعل أثناء حكم فيري حيث احتلت فرنسا الهند الصينية وصارت جزءًا من إمبراطوريتها.
هذه التطلعات الاستعمارية هي التي جعلت الجيش يكون في صلب القضيّة، لقد كانت فرنسا في ذلك الحين دولة تعتمد على الزراعة إلى حدّ كبير، ففي العام 1900 كان العاملون في مجال الزراعة في فرنسا يشكلون 45 بالمئة من الأيدي العاملة. وفي العام 1848 و 1871 كان الجنود الفلاحون هم من أعادوا فرض “النظام” وقمعوا انتفاضة العمال في باريس، وسوف يزداد الاعتماد على الجيش في العقود التي تلت ذلك لمواجهة الإضرابات العمالية.
ولكن كانت هنالك مشكلة فيما يتعلق بالفلاحين، إذ كان شعورهم القومي ضعيفًا إلى حد كبير، ذلك أنّهم كانوا يشعرون بالانتماء إلى القرية أو المنطقة التي يعملون فيها أكثر من شعورهم بالانتماء إلى الأمّة الفرنسيّة. كما أنّ الفلاحين كانوا يتكلمون لغات أو لهجات (patois) غير الفرنسية، إذ تشير إحصاءات تعود إلى العام 1863 أن ربع السكان لم يكونوا يتكلمون الفرنسية، بل إن بعض التقارير تشير إلى أنّ بعض الفلاحين في بعض المناطق كانوا لا يعرفون أصلًا بوجود لغة تسمّى اللغة الفرنسيّة.
وعليه فإنّ مشروع فيري التعليمي قد أولى اهتمامًا أساسيًا لموضوع تعزيز الهويّة القوميّة الفرنسية عبر التخلص من التعليم الدينيّ واعتماد تعليم “مدنيّ” يعزّز الأخلاق ويغرز قيم الوطنيّة والهويّة القوميّة. وقد كان منهاج التعليم الأساسي يشتمل على تدريب عسكري للطلاب الذكور وأعمال الحياكة للإناث.
وقد أوليت أهمّية كبيرة للتمرينات العسكرية في هذه المدارس الجديدة، وفي هذا يقول أحد المؤرخين:
لقد كانت تلك فترة “كتائب المدارس”، وقد كانت هذه اختراعًا جمهوريًا أطلق عام 1882 على يد بول بيرت (Paul Bert). لقد كان هذا المشروع يسعى إلى الاستفادة من دخول الطلبة في المدارس الأساسيّة من أجل زرع قيم “المواطنة والوطنيّة” فيهم من خلال التدريبات العسكرية. لقد كان الأولاد يذهبون إلى المسير العسكريّ حاملين أسلحة غير حقيقيّة ذات حراب خشبية، كما كانوا يتدربون باستخدام الذخيرة الحيّة خارج المدارس في مساحات التدريب الخاصة بالجيش.
وصف فرانسوا فوريه (François Furet) في مقدمته لمحاضرة ألقاها عام 1985 عن قوانين فيري أنّ تأسيس اللائكيّة في التعليم قد كان “الرمز الأفضل للانتصار العظيم والوحيد لليسار منذ الثورة الفرنسيّة.” هذا مع أن اليسار لم يكن في مثل حماسة فيري عندما أقرّت قوانينه ولائكيّته في تلك الفترة في فرنسا.
رأى أحد أطياف الحزب الاشتراكي الفرنسي بزعامة جين جوريس (Jean Jaurès) في قوانين فيري والفصل بين الكنيسة والدولة خطوة مهمّة للأمام. لقد كان جوريس متفهمًا لفيري وميّالًا لفكرة اللائكية كجزء من تصوره العام عما يجب عليه أن تكون السياسة في الجمهورية، وهذا ما جعله يدافع عام 1904 عن دخول الاشتراكيين في الحكومة الجمهورية، بل وذهب إلى أنّ هذا ما أنقذ الجمهورية، واكتفى بالإشارة من بعيد إلى ما قامت به الحكومة من إرسال للجنود للتصدّي للعمال المضربين.
أما لليسار الماركسي فقد كانت الأمور مختلفة نوعًا ما. ففي صيف عام 1882 وبعد فترة وجيزة من إقرار قانون فيري الخاص باللائكية كان كارل ماركس بنفسه متواجدًا في باريس لقرابة ثلاثة أشهر وذلك قبل عودته إلى بلاده بعد إقامته في الجزائر. ولم يرد في مراسلاته وكتاباته في تلك الفترة أيُّ ذكر لما قام به فيري، وهذا أمر غريب خاصّة حين نجد أنّ شخصًا مثل فوريه يرى أنّ اللائكيّة أعظم انتصار من انتصارات اليسار.
أمّا بول لافارج (Paul Lafargue)، زوج بنت ماركس، وأهمّ كتاب الماركسيّة الفرنسيّة ومفكريها لثلاثة عقود بعد أن أقام في باريس عام 1882، فلم يأتِ قطّ على ذكر قوانين فيري في مراسلاته العديدة مع إنغلز. ولعل هذا يعود إلى وضاعة شأن فيري عند كلّ من ماركس وإنغلز، فقد شجب ماركس مرّة “سوء إدارة” فيري للبلاد في الفترة التي سبقت كميونة باريس، أمّا إنغلز فقد وصفه بأنّه “لصّ المياه الأولى.”
أمّا كارل كوتسكي، الذي صار يدعوه البعض “بابا الماركسيّة” بعد وفاة إنغلز، فقد كانت له وجهة نظر مختلفة. فبالرغم من موقفه النقدي بشكل عام من الجمهورية الثالثة، والأوهام التي تمثلها عند العديد من أتباع الحركة الاشتراكية الفرنسيّة، إلا أنّه قد أشار بلا تحفّظ إلى أنّ الجمهورية الثالثة “قد فعلت أشياء عظيمة في مجال التعليم.”
بيد أنّه كان متشككًا في قضية فصل الكنيسة عن الدولة، مشيرًا إلى أنّه “إن كان ثمة فصل بين الكنيسة والدولة، فإنّ هذا قد يكون مما كان من استفزاز من قبل لكنيسة، وما يزال هنالك شكّ حول استمرارية هذا الفصل.”
وفي إشارة لاحقة يقول كوتسكي:
يبدي السياسيون الليبراليون البرجوازيون اليوم بالغ الاهتمام في النضال ضد الكنيسة، ولكن دون أن يعني ذلك تحقيق النصر عليها. إنّما يمكنهم الاعتماد على التحالف مع البروليتاريا ما دام هذا النضال مستمرًا، أمّا إن انتهى، فإن تحالفهم هذا سيتحول إلى نوع من عداوة في اليوم الأول الذي تسقط فيه الكنيسة. إنّ البرجوازيين لن يكونوا قادرين، حتّى في أوج لحظتهم الثوريّة، أن يستمروا طويلًا من دون الكنيسة.
أي إنّه رأى في اللائكية تنازلًا لليسار وليس إستراتيجية أيديولوجية بديلة.
نجد عند لافارج إدراكًا أعمق للمسألة. لقد كان لافارج ملحدًا ماديًّا، وكان معارضًا قويًا لنفوذ الكنيسة، وكان أوّل ما انطلق لتحقيقه عند انتخابه في البرلمان هو تحريك قرار يدعو للفصل بين الكنيسة والدولة، مع أنّه لم ينجح حينها.
ولكنّه في الوقت ذاته اتخذ موقفًا متشككًا من أولئك الذين أولوا أهمية كبيرة لمناهضة النظام الكنسي. ففي برنامج حزب العمّال عام 1883 والذي كتبه لافارج وجول جيد (Jules Guesde) نجد إشارة ازدراء إلى المفكرين البرجوازيين الذين يسعون إلى “قطع معونات الدولة للكنائس وفصل الكنيسة عن الدولة”، وتنويهًا بالوقت ذاته إلى وجود مثل هذا الفصل في الولايات المتحدة (وأنّ الأديان هناك “تجارة خاصّة تشبه دكّان خضرجيّ أو دكان قصاب يبيع لحم الخنزير”) إلا أنّ هذا الفصل “لا يحول دون وقف الجذام الدينيّ الذي ينهش في جسد الجمهورية الأمريكية العظمى أكثر من أيّ شيء سواه.”
وفي عام 1886 نشر لافارج نصًا ساخرًا بعنوان “دين رأس المال” حيث يتخيّل مؤتمرًا يُعقد في لندن بحضور ممثلين لرأسمالية أوروبا في مجالي السياسة والاقتصاد، مثل جورج كليمنسو، ورثتشايلد، وجلادستون، وهيربرت سبنسر، وفون مولتكه، وغيرهم، كما كان فيري وبول بيرت من بين الحاضرين، وهذا الأخير كان من أهمّ حلفاء فيري في تأسيس اللائكية إذ كان وزيرًا للتعليم في حكومته. وقد جمع هذه الشخصيات في ذلك المؤتمر حرصها على إحياء الرأسمالية، ورأوا أنّه لا بدّ من دينٍ ما من أجل تحقيق هذه الغاية.
يعلن بيرت في نصّ لافارج الساخر أنّه، ورغم كونه غير مؤمن على المستوى الشخصي، يفضّل وجود الدين بين الطبقة العاملة. “على العمال أن يؤمنوا أنّ الفقر هو الذهب الذي يشتري لهم الجنّة… إنني رجل متدين جدًا… لأشخاص آخرين.”
المشكلة هي أنّ المسيحية لم تعد حينها تتمتع بالمصداقية فاتفق المؤتمرون على ضرورة خلق ديانة جديدة قائمة على عبادة رأس المال وتعاليم تفرض واجب العمل على العمّال. وهنا نجد لافارج يعلق ساخرًا على دور اللائكية، وهي العقيدة التي من شأنها أن تؤدي الدور الذي لم تعد تعاليم المسيحية قادرة على أدائه.
يذهب البعض أحيانًا إلى أنّ اللائكيّة تمثّل استمرارًا للأفكار التقليدية لكميونة باريس، ومع أنّه يصحّ القول بأنّ الكميونة قد تمكنت من عزل الدين في مجال التعليم، ولكنّ ثوار كميونة باريس، كما يؤكّد موريس دومنجيه (Maurice Dommanget)، لم يردّدوا شعار اللائكية لأنّهم كانوا يعدّون أنفسهم مادّيين لا محايدين بشأن المسألة الدينية.
الأهمّ من ذلك حسب ما يظهر في دراسة حديثة متميّزة من إعداد كريستين روس (Kristin Ross) أنّ الكميونة لم تزعم أنّها تمثل الدّولة وإنّما كانت ترى في نفسها كيانًا محليًا مستقلًا في إطار دوليّ، كما أنّها لم تنظر إلى التعليم بوصفه تحضيرًا للخدمة العسكريّة. لقد كانت الكميونة تمثّل تقليدًا دوليًّا مختلفًا عن ذلك الذي دعا إليه أنصار اللائكيّة.
لعل أشدّ أشكال النقد للائكيّة قد أتت من التيارات الأناركيّة والنقابيّة، فالأناركيّة باختصار لا تريد “لا الكنيسة ولا الدولة.” فالمدرسة المسيحية كما يرى سبياستيان فور (Sébastien Faure) “تنظمها الكنيسة من أجل الكنيسة” أمّا المدرسة اللائكية “فتنظمها الدولة من أجل الدولة.” ويعارض سبياستيان فكرة “مدرسة المستقبل… المهيئة من أجل الطفل.” بينما نجد أندري لوريلو (Andre Lorulot) لا يتوانى عن وصف معلمي المدرسة بأنّهم “لصوص الفكر المنتمين إلى طبقة الرأسمالية.”
وقد كانت هنالك العديد من المحاولات التي قام بها أناركيون لإنشاء مدارس ليبرتانية مستقلة عن الكنيسة وعن الدولة على السواء، وهي محاولات قد تلقت دعمًا ماليًا في بداية الأمر من إميل زولا وغيره من الكتاب، ولكن لم ينتج عنها شيء بسبب ضعف الموارد.
اشترك الأناركيون مع ماركس وإنغلز في نظرتهم المنتقدة لفيري، ولا شكّ في أنّهم لم يروا فيه بطلًا لليسار. وهذا ما نجده في مجلة إيميل بوجيه (Émile Pouget) والتي كانت تعبّر عن آراء راديكالية بلغة مباشرة وشعبية بل وسوقيّة في كثير من الأحيان.
لقد اتخذ بوجيه من فيري موقفًا عدوانيًا على الأقلّ، إذ يقول فيه: “لو كان ثمّة خنزير يثير قرفي لكان فيري. أيُّ بهيمة قذرة هذا الحيوان، إنّه أكبر وغد في فرنسا… إني أرجو أن يكسر أحد عنقه، لا شكّ أنّ قتله لن يثير من الندم أكثر مما يثير سحق حشرة.”
لقد كان لبوجيه موقف مثير للاهتمام فيما يتعلق بالجدل الذي كان يدور حول عمل رجال الدين في المدارس، إذ كان لا يفضّل أن يحظر ذلك بشكل تامّ، ولكنّه رأى أنّه يلزم من أجل حماية الطلاب وشرفهم أن يتمّ إخصاء المعلمين القساوسة.
وقد تردّدت أصداء معارضة اللائكيّة في العديد من الكتابات الأناركيّة في فرنسا في ذلك الحين.
ففي كتيّب لا يعرف اسم مؤلفه، ولكنّه ينسب كما يظهر إلى إيميل جانفيو (Émile Janvion)، أحد مؤسسي اتحاد التجارة الفرنسي، والذي ينسب إليه كذلك إنشاء أول مدرسة “ليبرتانية” في فرنسا، يرد ذكر باكونين وستيرنر في معرض الموافقة على أنّ اللائكيّة إنّما تمثّل عقيدة بديلة عن الكنيسة.
كما أنّه يشير إلى ما قاله ليون جامبيتا، وهو أحد السياسيين الجمهوريين، عن أنّ “نظام الكنيسة هو العدوّ”، ويردّ على ذلك قائلًا إنّ “الأديان (التابعة للدولة أو الكنيسة) هي العدوّ.” ويضيف قائلًا: “إنّ أعداء الإكليروس لهم روح تشبه أرواح القساوسة، أمّا ملحدونا فهم الأتقياء.”
ويشير جانفيو بشكل خاصّ إلى الطريقة التي شجّعت بها المدارس العلمانيّة المشاعر القوميّة، حيث يغرس في الطفل “كراهية عمياء مخبولة لأناس يقطنون وراء هذا النهر وذاك النهر، وهوس بعرقه واحتقار لكل ما عداه.”
كما ذكر كيف يقوم معلمو المدرسة العلمانيين بكتابة بعض العبارات على السبّورة ويطلبون من الطلاب تردادها خلال اليوم الدراسي، مثل عبارة “على الفرنسيّ أن يعرف كيف يموت في سبيل علم بلاده” وعبارة “أنت لست موجودًا إلا من أجل وطنك، ولا تعيش إلا في سبيله” وقولهم “على الفرنسيّ الصغير الصالح أن يكون مستعدًا ليصبح جنديًا جيّدًا.”
كما أشار جانفيو إلى “التعليم الأخلاقي والمدنيّ” الذي يبيّن كيف أنّ “الخدمة العسكرية تدريب على الحرب. إنّه من الضروريّ تشكيل جيش صلب قادر على حمايتنا من المجرمين في الداخل والأعداء في الخارج.” وفي قوله “المجرمين من الداخل” إشارة واضحة لدور الجيش قبل العام 1914 في فضّ الاعتصامات وإنهاء الإضرابات.
كتب أنتونين فرانك كتيبًا بعنوان الربّ العلمانيّ الطيّب يتناول فيه الكتب المدرسية المستخدمة في المدارس العلمانيّة. ففي أحد الكتب المشهورة يوجّه شارلز دوبوي (Chalres Dupuy) وزير التعليم الأسبق الذي أعدّ الكتاب بنفسه سؤالًا للطلاب يقول: “كيف لنا أن نثبت حبنا لوطننا؟ لنا أن نثبت ذلك عبر الالتزام بالقوانين، حتّى لو كانت تسبب الضيق لنا، وعبر الدفاع عن أرض الوطن واستقلاله ضد الأجنبي ولو كان دفعنا الثمن من دمائنا.”
كما كانت الكتب المدرسيّة توجّه الطلاب وتلقّنهم كيفية التفكير بفرنسا: “إنني أحبّها كما أحبّ أبي وأمّي، وكي أثبت محبّتي هذه فإنّ عليّ الآن أن أكون مهذّبًا في سلوكي ومجتهدًا في عملي حتى أصبح مواطنًا صالحًا وجنديًا جيّدًا.”
كما اشتملت مثل هذه الكتب على هجوم على مبادئ العالميّة:
لعلك ستسمع من حولك بعض الناس العطلة والأنانيين الذين يدّعون أن لا طائل من أن يكون الإنسان مواطنًا في دولة ما، وأنّ على الشخص أن يكون مواطن العالم في ما يدعى الكوزموبوليتانية، وأنّ وطن الإنسان هو المكان الذي يجد فيه راحته، وأنّ الوطن ليس إلا تجريدًا يجدر بأصحاب العقول الإيجابية والعملية أن لا ينخدعوا بها.
وحتّى الكتب التي خصّصت لتعليم الأخلاق لم تعلم شيئًا إلا على هذه الشاكلة:
أعرف أنّ الإنسان قادر على محبة وطنه من دون أن يكره الشعوب الأخرى ويتمنّى لها الخراب أو يلحقه بهم، ولكن على الجنود أحيانًا وحين يلزم الأمر أن يكونوا قادرين على الكراهية، وأن يكرهوا العدو الحسود المتوحّش، الذي وفوق استخدامه للقوّة في غير محلها حرمنا من إخوتنا في الألزاس واللورين، وهو ما يزال متربّصًا بنا ليقضي علينا حين تحين له الفرصة.
وما دامت الكراهية جاثمة في صدور من احتلوا أرضنا، فإنّ من احتلّت أرضه لا يمكنه أن يسامح ولا يمكنه أن ينسى.
وهكذا فإن الكراهية تقابل الظلم، ذلك الظلم الذي ما يزال يحيق بنا. نعم، إنّه من أجل الانتقام من الظلم ودفع آثاره لا بد من الاعتماد على قوّة الكراهية، فالكراهية قويّة أيها الفرنسيّون، الكراهية واجب أيها الفرنسيون!

وفي كتاب مدرسيّ أعدّه إميلي لافيس (Émile Lavisse) بعنوان على طريق الجنديّة ينصح المؤلف القراء الشباب في التفكير بأن يكونوا جواسيس لبلادهم في المستقبل. ومع أنّه لا يقترح عليهم أن يعيشوا على طراز حياة شبيه بذلك الذي نجده عند جيمس بوند مثلًا، إلا أنّه يخبرهم بأنّ الغاية تسوّغ الوسيلة وأنّ الكذب والتموية أمران لا بأس فيهما:
إنّ الجاسوس الذي يخدم وطنه وقت السلم هو رجل بالغ الدهاء والشجاعة والجرأة، إذ يذهب إلى بلاد أجنبية فيدرس دفاعاتها العسكرية واستعدادتها الحربية ويقدّم هذه المعلومات في خدمة وطنه.
كل الوسائل مشروعة لتحقيق غايته، فله أن لا يفصح عن جنسيته وأن يتخذ اسمًا مزورًا ويتكلم لغة الدولة التي يعيش فيها ولا يفصح عن المهمّة التي هو فيها من خلال العمل في أكثر من مهنة.

ومع أنّ الأناركيين الذين انتقدوا اللائكية هم أنفسهم ليسوا بمنأى عن الانتقاد أيضًا، إذ كان بوجيه وجانفيو مثلًا معادين للساميّة، إلا أنّ الملاحظات التي قدموها تساعد على وضع اللائكية في سياقها كما توضّح أنّها لم تكن فكرة تقدّمية كما يدّعى عادة.
ورغم بعض الأصوات التي اتخذت موقفًا معارضًا للائكية، إلا أنّها حققت وإلى حد كبير تلك الأهداف التي كانت تروم تحقيقها، إذ عززت الهوية القوميّة المرتكزة على القوة العسكرية. يحدثنا المؤرخ يوجين فيبر يقول: “في شهر آب من عام 1914 لم يكن مستغربًا أن نسمع فلاحًا شابًا من إقليم فار (Var) أقصى الجنوب الشرقيّ يذهب إلى جبهات القتال “سعيدًا (كما جاء في رسالة كتبها إلى والديه) لأنني ذاهب للدفاع عن وطني، فرنسا.””
الاستثناء الصغير حصل عام 1912 حين صوّت معلّمو مدارس المرحلة الابتدائية لدعم صندوق لدعم التعليم بعيدًا عن عسكرته يدعى (sou du soldat). وقد أثار هذا التحرّك الكثير من الإرباك حينها، إذ صرّح أدولف ميسيمي بكل صراحة أنّه مع كونه داعمًا للائكيّة فإنّ ما قام بها المعلمون لا يمكن القبول به. وقد بدا لوهلة أنّ موظفي الدولة كادوا ينقلبون على هذا المبدأ، ولكنّ الحقيقة هي أنّ خمسة بالمئة وحسب من المعلمين في تلك السنة كانوا أعضاء في النقابة، ولم يترتب على معارضة هؤلاء أي أثر يذكر.
تواصلت تقاليد انتقاد اللائكية بعد الحرب العالمية الأولى. وقد جاء في صحيفة كلارتي، القريبة من الحزب الاشتراكي ولكنّها ليست تابعة له تمامًا، بعض التقارير عن التطورات في مجال التعليم في روسيا بعد الثورة والتي قد تقدّم بديلًا عن تعليم الكنيسة أو تعليم الدولة. كما عقد مؤتمر تعليمي في موسكو عام 1919 على سبيل المثال جاء فيه رفضٌ للحياد الأكاديميّ واللائكية لأنه لا طائل من ورائهما إلا خدمة مصالح البرجوازيّة.
كما كان للحزب الاشتراكيّ الفرنسيّ موقفًا من اللائكية مختلفًا عما آل إليه حال اليسار اليوم. لقد كان حاج علي عبد القادر، الذي تزوّج من امرأة فرنسيّة وحصل على الجنسيّة الفرنسيّة، من الأعضاء المؤسسين للحزب الاشتراكيّ، وكان من الكتاب الأساسيين في صحيفة لاباريا (وهي الصحيفة الاشتراكية الخاصة بالمهاجرين والعمّال في المستعمرات الفرنسية) وكاد أن يرشّح للبرلمان عام 1924. لقد كان عبد القادر مسلمًا في حياته، وكان يرى أنّ على الاشتراكيين أن يتخذوا موقفًا غير معادٍ للإسلام.
أمّا اليوم، ومع استمرار استخدام اللائكية في خدمة الإسلاموفوبيا، فإنّه من المهمّ نزع تلك الهالة القدسية التي تحيط بها، وهذا يتطلب فهمًا للائكية لا بوصفها مثالًا نبيلًا تعرض لسوء الفهم والتشويه، بل بوصفها مفهومًا يشوبه الخطأ من أصله.

بوتين في سوريا. أنسحاب وخطاب نصر؟

نشرت هذه المقالة المترجمة في ألترا صوت
http://goo.gl/HCPD3t

قامت روسيا في أيلول الماضي بإرسال عشرات من طائراتها الحربية لإنقاذ ما تبقى من نظام بشّار الأسد وذلك في محاولة من فلاديمير بوتين لحماية الزمرة الصغيرة من حلفاء موسكو ولتأمين مزيد من النفوذ للدور الروسي في أي مباحثات سلام تتعلق بالحرب الأهلية القائمة في سوريا. وقد عمدت وسائل الإعلام الروسية إلى تصوير الحملة العسكرية هذه على أنّها مهمّة بطولية لإنقاذ العالم المتحضّر من الإرهاب الإسلامي. أمّا واشنطن فقد رأت أنّ بوتين في مساعيه هذه يخطو خطوة في الظلام. ولعل هذا حسب مقال ظهر في الإكُنومِست ما يتفقُ عليه المعنيّون بالشّأن السوريّ في أمريكا، ويرى الكاتب أنّه إن كان ثمّة اتفاق بين هؤلاء بشأن الحملة الروسية، والتي لم تساعد قوات الأسد إلا في إحراز القليل من التقدّم، فإنهم متفقون على أنّ هذه الحملة ستؤول إلى الفشل، ولذا فإنّهم يحثّون روسيا على التخلّي عن هذا الحليف. ويضيف المقال: “سيوفّر هذا لو حصل دعمًا كبيرًا لجهود مباحثات السلام برعاية الأمم المتحدة والتي يسعى جون كيري إلى تحريكها بهدف إنهاء حكم الأسد والترتيب لحكومة انتقاليّة تحكم البلاد في غضون سنة.”

ولكن هل ستكون خسارة بوتين في سوريا أمرًا مأمون العواقب؟ قد يكون من المثير أن يتشفّى البعض بتورّط الرئيس الروسي ببعض المتاعب هناك، إلا أنّه يحسن بالمتابعين للشأن السوري من صنّاع القرار أن يعيدوا النظر في افتراضهم أنّ تعثّر بوتين عسكريًا في سوريا ستعقبه بالضرورة حالة من السلام.

ليس من المستبعد أن يفشل التدخل العسكري الروسي في سوريا. ففي الأسابيع القليلة الماضية لم تحقق قوات الأسد سوى بعض المكاسب المحدودة حول مدينة حلب، كما أن وضع دمشق مهدّد من الناحية الإستراتيجية. أمّا في السنة الماضية فقد تعرض النظام السوري إلى سلسلة من الهزائم، كما أنّ الأسد قد أقرّ علنًا بحالة الإرهاق وضعف الموارد البشرية في جيشه، علمًا بأنّ النظام قد انسحب إلى بعض المناطق التي يسهل الدفاع عنها كما أنّه يسيطر على الخطّ الساحلي الذي يمثّل قرابة سدس البلاد وحسب. ومن المعروف أنّ المقاتلات الروسية ليست كافية لتحقيق النصر، وسيلزم الروس إرسال عشرات الآلاف من الجنود للسيطرة على مدن مثل حلب والرقّة.

تقف روسيا الآن على مفترق طرق حادّ، فهي في حالة من العزلة على المستوى الدوليّ كما أنّها تعاني داخليًا من اضطراب اقتصادي كبير، ويبدو أنّ بوتين قد أوغل في المجهول، خاصّة أن موسكو لا تتمتع بالخبرة لتنسيق عمليات عسكرية مع سوريا وإيران وحزب الله. يعدّ هذا التدخّل الروسيّ الأول من نوعه خارج نطاق نفوذ موسكو التقليدي منذ الحرب الباردة، كما أنّ بوتين قد علّق الكثير من الآمال على ديكتاتور لا يتمتع بالكفاءة، فالأسد بما اعتمده من سياسات للتعذيب الممنهج وما قام به من قصف للمدنيين بالبراميل المتفجرة لم يفلح إلا في إذكاء جذوة الحرب في البلاد.

يشترك في هذه الحرب بالوكالة طرفان آخران. فالداعمون للثوار السوريين مثل تركيا ودول الخليج قد يسعون لإفشال التدخل الروسي عبر زيادة مستوى الدعم العسكري للثوار وتزويدهم مثلًا بصواريخ مضادّة للصواريخ. ولعله يجدر بنا أن نذكر هنا كيف انتهت حملة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان في الثمانينات حين قامت وكالة الاستخبارات الأمريكية بتزويد المقاتلين بصواريخ أرض جوّ من طراز ستنغر.

ولفهم ما ينتظر بوتين في هذه الحرب يلزمنا النظر إلى تجربة إيران في سوريا. فحين اختارت طهران في بداية الأمر تقديم الدعم للأسد، فإنّها لم تكن تدرك ربما أنّ سوريا ستصبح مستنقعًا دمويًا سيكلفها سقوط المئات من جنودها مع خسارة عشرات المليارات. كما يمكننا النظر إلى ما تعرّض لها حزب الله الذي يقاتل بالوكالة عن إيران في سوريا، والذي وضع قواته على الحدود مع سوريا لحماية الأسد ويقدّر عدد القتلى في صفوفه بين 1200 و 1700 وما يزال حزب الله عالقًا في هذا المستنقع.

فالاحتمال إذن كبير بفشل التدخّل العسكريّ الروسيّ، ولكن هل سيكون ذلك لو حصل كافيًا لدفع بوتين لتقديم تنازلات والتخلي عن حليفه الأسد؟ لو افترضنا تحلي الرئيس الروسي بالحكمة فسنتوقّع منه أن يحدّ من خسائره قدر الإمكان، ولكن قد يكون هذا مستبعدًا. أثناء إعدادي لكتابي “الطريقة السليمة لخسارة الحرب” فاجأني ذلك القدر من عدم كفاءة الحكومات في التأقلم مع الخسارة في الميدان. والأمثلة على هذا كثيرة ومعروفة، من الولايات المتحدة في فيتنام إلى الاتحاد السوفيتي في أفغانستان، إذ عادة ما كانت ردّة فعل القادة تجاه الكوارث العسكرية تتجسد في قرارات تزيد من خسارتهم. وبدل أن يبحثوا عن السبل الأقل كلفة للخروج من المأزق تراهم يتخبّطون أمام انحسار نفوذهم.

الخسارة صعبة على الجميع، بل ويعدّ الذعر من الخسارة حالة مرَضيّة معروفة عند علماء النفس، فإن كان الفوز يحقق الرضا بكيل واحد، فإنّ الخسارة تؤذي وتجرح بكيلين، سواء كانت الخسارة في لعبة ورقٍ أو في حرب. إن خسارة شيء مهما صغر قد تبدو غير محتملة للبعض، وكثيرًا ما يضاعف المرء خسائره في محاولة أخرى للفوز، ولنا في المقامر أوضح مثال، فالمقامر لا يغادر الكازينو حين يخسر مرّة، بل يضاعف رهانه في كثير من الأحيان. وكذا الرئيس الذي يخسر ألفًا من الجنود في فيتنام، فإنّه لا يعلن الهزيمة في الحرب، بل يرسل نصف مليون آخرين ويلقي بهم في أتون المعركة.

قد يكون من الصعب تخيّل بوتين يقبل بالخسارة، خاصّة أنّه قد عمل في سنوات حكمه على تشكيل صورة له كأبٍ راعٍ للأمّة الروسيّة سيأخذ على عاتقه استعادة مجدها على الساحة العالميّة. ستخسر روسيا بسقوط نظام الأسد قاعدتها العسكريّة الوحيدة خارج حدود الاتحاد السوفيتي سابقًا، وهي تلك القاعدة البحريّة التي تقع في طرطوس. فإن فشلت الجهود العسكرية الروسية، فسيتخبّط بوتين لإنقاذ ما يمكنه إنقاذه، ولعلّه يتحرّك لنقل الصراع إلى مرحلة أخرى جديدة وأكثر خطورة، إذ قد يصعّد الضربات الجويّة فوق سوريا أو قد يرسل المزيد من الجنود من القوّات الخاصّة الروسيّة كما فعل في أوكرانيا. وبازدياد الخسائر في صفوف القوات الروسيّة في سوريا سينفتح باب من الاحتمالات التي لا يمكن التكهّن بها.

ليست هذه المرة الأولى التي يتدخّل بها بوتين عسكريًّا لإنقاذ أنظمة موالية له. ففي عام 2008 تدخل الجيش الروسي في جورجيا لمعاقبة الرئيس الجورجي ميخائيل ساكاشفيلي وحماية استقلال المناطق الجورجية المنفصلة في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية. وفي العام 2014 قدّم بوتين الدعم للمتمردين في أوكرانيا وقام بضمّ القرم بعد الإطاحة بفيكتور يانوكوفيتش حليف موسكو. وفي العام المنصرم قرّر بوتين التدخّل في سوريا في محاولة لتثبيت أركان نظام الأسد ودعم قوّاته المتهالكة.

لقد قام بوتين بالفعل بالإشارة إلى إمكانية التصعيد العسكري في سوريا مصرّحًا بأنّ روسيا لا تستخدم سوى جزء بسيط من إمكاناتها في سوريا، وأنّه ما يزال في جعبة روسيا الكثير مما قد تستخدمه فعلًا إن لزم الأمر.

ما الحل إذن؟ إن كانت خسارة الروس ستؤدي إلى مزيد من التصعيد فإن هذا لا يعني في المقابل أنّ كسبهم المعركةَ سيكون أمرًا أفضل. لو كانت كفّة الأمور ترجح لصالح الأسد وقوّاته فما الذي يدفعه للحديث عن عملية سلميّة يقرّ فيها بمصالح جميع الأطراف في سوريا؟ لعل الفرصة المثالية لاتفاق سلام ستسنح حالما يرى بوتين استحالة تحقيق نصرٍ عسكري حاسم على الأرض، فيلجأ حينها إلى حفظ ما تبقى من ماء وجهه بتحويل الهزيمة إلى نجاح من نوع ما. لعله في وسعنا أن نزعم هنا أن بوتين في حاجة إلى قصّة يخبر فيها شعبه عن المخرجات الإيجابية لحملته العسكرية في سوريا، ولا يلزم أن تكون هذه القصّة صحيحة بالضرورة، ولكن أن يكون فيها على الأقل مسحة من الحقيقة تجعل من الممكن تمريرها. ولعلّه يحسن بالولايات المتحدة أن تتجنّب التبجّح بادّعاءات حول هزيمة فادحة للروس في روسيا ليتحقق هذا. يُقال إن الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب عام 1989 رفض عامدًا الحديث بعد سقوط جدار برلين عن نصرٍ للمعسكر الغربيّ كي لا يزيد من سوء الموقف الذي كان فيه رئيس الوزراء غورباتشوف حينها.

يحتاج بوتين إلى خطاب نصر، وعلى واشنطن أن تساعده في كتابته.

الإمبريالية من قلب الظلام

هذا النصّ ترجمة لجزءٍ من الفصل الأوّل من كتاب “الإمبريالية بين الماضي والحاضر” لمؤلفَيه إيمانويل ساكَريلي ولاثا فارادارجان والصادر عن مطبعة جامعة أكسفورد عام 2015.

ترجمة محمّد زيدان

في مشهد إعلاميّ يعجّ بأخبار وتقارير مثيرة للقلق والرعب ظهر في العام 2010 تقرير آخر يكشف عن تورّط جنود أمريكيين شكّلوا فيما بينهم فريقًا أسمَوه “فرقة القتل” في عمليّات قتل عشوائيّة للمدنيين في جنوب إفغانستان. وقد كان هؤلاء الجنود يكافئون أنفسهم بعد هذه العمليات بالاحتفاظ بأعضاء من جثث القتلى: أصابع وعظام وجماجم. وقد تسرّبت إلى وسائل الإعلام بعض الصور للجنود وهم إلى جانب الجثث، كما تبيّن أنّ الجنديّ الذي ابتدع هذه الفرقة قد كان يحصي أعداد المقتولين بوشم جمجمة صغيرة على ساقه عن كل ضحيّة.

هذه التقارير التي أضحت سمة بارزة في حياتنا المعاصرة تتبع مسارًا يمكن تعقّبه ويمكن القول بداءةً إنّ الارتياع لسماع مثل هذه الأخبار سيخبت أمام حالة اللامبالاة الرسميّة وما يكرّره المسؤولون من خطابات التطمين والتهدئة كما أنّها ستُنسى بعد حين وتغطّي عليها أخبارٌ عن حوادث أخرى قد لا تقلّ سوءًا وفظاعة. ولو كان للنّاس عند النظر إلى هذه الحوادث أن يخرجوا بخلاصة واحدة فلربّما ستكون أنّ قلب الإنسان قد تلطّخ بالشرّ حتّى تلبّسه وأعماه.

وحتى لو ألقينا نظرة خاطفة على الحقائق المتوفرة لدينا فسنرى أنّ هذه الجرائم قد ارتكبت في حالة من فراغ سياسي. لقد كان كالفن غيبز الذي أنشأ “فرقة القتل” في أفغانستان يتبجّح بأنّه قد فعل الأمر ذاته أثناء احتلال العراق، كما كان جمع أعضاء من جثث القتلى ممارسة شائعة بين الجنود الأمريكيين أثناء الحرب في فيتنام، وحين أشار غيبز إلى ضحايا أفعالة المشينة بأنّهم “همجٌ قذرون” فإنّه قد كان، عن وعي ربّما أو عن غير وعي، يتكئ على تاريخ من القهر والاحتلال مستحكم في الذاكرة.

يلزمنا من أجل التعامل بشكل مسؤول مع فظائع الحاضر أن نأخذ بالحسبان تلك الجرائم التي اقترفت في الماضي. ولكن إن لم يكن ثمة مفرّ من ذلك الشعور بالاستمرارية التاريخية في التعامل مع المشكلات المعاصرة، فلن يفيدنا كذلك التعامل مع هذه الاستمرارية بأسلوب من التعميم والإطلاق. صحيح أنّ الحروب مستمرة لم تنقطع منذ القدم، ولكن المتغيّرات التي تنتجها وتعيد إنتاجها اليوم تعدّ جزءًا من حقبة تاريخية لا مفرّ من الإقرار بأنّ الحاضر يشكّل جزءًا منها، ألا وهي الإمبريالية. لقد آب مصطلح الإمبريالية بعد فترة ظُنّ أنّه صار فيها موضوعًا لا يصلح سوى للجدال الأكاديميّ، فنرى البعض الآن يستخدمونه في معرض النقد والإدانة بينما نجد آخرين يستحضرونه ويعدّونه من الفضائل.

ليس غريبًا أن يثير تداول الكلمة بهذا الشكل الكثير من الجدل حول ما تعنيه، ولعل جانبًا من هذه الصعوبة يكمن في أنّ “الإمبريالية” كثيرًا ما تستخدم للدلالة على ظواهر عديدة في الاقتصاد والسياسة والثقافة واللغة بتعدّد القرون والثقافات. فنراها أحيانًا تستخدم للإشارة إلى الإمبراطورية الفارسيّة القديمة، وها هي الآن ترتبط بالوجود العسكري الأمريكيّ في الشرق الأوسط وبتغلغل الصين تجاريًا في أفريقيا، كما التصقت الكلمة من قبل بالهيمنة السوفيتية في أوروبا الشرقية، وهكذا نجد أنّ كل هرميّة أو امتياز كان يُنعت بالإمبريالية. ولكنّ هذا النطاق الواسع من الاستخدام للمصطلح قد نزع منه دلالته التحليلية، ولذا يحسن بنا أن ننظر سريعًا إلى تاريخ هذا المصطلح وتطوّره.

صحيح أنّ لكلمة “إمبراطورية” جذورًا تاريخية عميقة، إلا أنّ كلمة “إمبريالية” حديثة نوعًا، ما إذ لم تعرف على الساحة الدّولية إلا بعد منتصف القرن التاسع عشر. لقد استخدمت الكلمة في البداية لوصف سياسات نابليون الثالث في ستينات القرن التاسع عشر، ثم ارتبطت تدريجيًا بالمدّ الكولونيالي للدول الأوروبية. وفي تسعينات القرن نفسه صار أنصار التوسع الاستعماريّ ومناهضوه يستخدمون كلمة “إمبريالية” في الجدالات التي دارت بينهم فيما يتعلق بمستقبل مجتمعاتهم ووجهة العالم الحديث، وكان المصطلح حينها يشير إلى ذلك الصراع المحموم الذي اندلع للسيطرة واستعمار ما تبقى من مناطق هامّة وإستراتيجية.

وقد يصرّ بعض المراقبين على أنّه وبالرغم من أوجه الشبه الظاهرية فإنّ الإمبراطوريات المعاصرة تختلف تمامًا عن الإمبراطوريات بصورتها الفجّة التي سادت في الماضي، وخاصّة بالمعنى الاقتصادي للكلمة. فقد كان هنالك رجال من أمثال سيسيل رودز يتّخذون الإمبرياليّة شعارًا لهم ومثالًا، وليس ذلك بفضل ما حققته هذه السياسة من ثروة هائلة وحسب ولكن لأنها قد قدّمت أفضل الحلول للحفاظ على الاستقرار المجتمعي داخليًا. لقد رأى رودز أنّ الطريقة المثلى للتعامل مع زيادة حجم الطبقة العاملة في إنجلترا تتمثل في ضمان معدلات عالية من الأرباح التي ستنعكس في نهاية المطاف عليهم بالإضافة إلى السيطرة على أراض جديدة وإتاحة المجال لهم للهجرة إليها. وبالإضافة إلى النفع الذي تحققه الإمبريالية على “العامّة الرّعاع” فإنّ من شأنها أيضًا أن تنقل الحضارة إلى أبعد الأركان وأكثرها “تخلفًا” في العالم.

لقد أصرّ لينين على أنّ الإمبرياليّة ليست مجرّد مجموعة من السياسات الخاطئة التي أدّت إلى نتائج مؤسفة على الصعيد الإنساني ولكنّها في رأيه نظام اقتصادي وسياسيّ عالميّ ولا بدّ من مواجهته على هذا النطاق أيضًا. لم تكن تلك الصورة التي رسمت للإمبريالية لتقنع الجميع. لقد كان صعود الحركة الاشتراكية العالميّة على وجه الخصوص عاملًا أساسيًا في تغيير التصورات حول الإمبريالية وشكل استخدامها في السياق السياسي العام. وحين اندفعت القوى العظمى في تلك الفترة نحو الحرب العالمية الأولى كتب القائد البلشفي فلاديمير لينين بيانًا شرح فيه أصول الإمبريالية ونشأتها وتطوّرها وطبيعتها الاستغلالية والمتعارضة مع الديمقراطية. وقد اتخذ لينين موقفًا حازمًا، معتمدًا على كتابات الليبرالي الإنجليزي جون هوبسن والماركسي النمساوي رودلف هلفردنغ على رأيه الذي أشرنا إليه آنفًا حول الإمبريالية وكونها نظامًا عالميًا تجدر مواجهته على هذا الأساس وأنّها ليست مجرّد مجموعة من السياسات الخاطئة التي كانت لها عواقب كارثية.

تكمن وجاهة رأي لينين في أنّ الإمبريالية على رغم ما تدّعيه من أنّها جلبت الحضارة للشعوب المستعمرة وحققت مصلحة مشتركة معهم قد تركت هؤلاء الناس في حالة من العوز والبؤس وكان هذا سببًا كافيًا لإدانة الإمبريالية وممارساتها. كما أنّ تلك الادّعاءات التي ظهرت في خطاب القوى الإمبريالية عن حفظ حق الشعوب في “تقرير المصير” لم تكن سوى عبارات مفرغة من معناها، وذلك لأنّ أولئك المنتصرين “الذين أرادوا إنهاء كل الحروب” قد أخذوا يتقاسمون تركة الإمبراطورية العثمانية فيما بينهم ثم لم يتوانوا عن إعطاء أنفسهم الحق في استعمارها وذلك عبر نظام الانتداب الذي خرجت به عصبة الأمم، أيّ أنّ الإمبريالية القديمة قد استمرّت بأشكال ومسمّيات مختلفة، مما أبقى العالم عرضةً لحروب ونزاعات جديدة.

وفي هذا السياق نجد أنّ البلشفيين قد رفضوا ما قامت به روسيا القيصرية من سيطرة على أراض ليست لها كما أعلنوا انسحابهم من المعاهدات السريّة التي كان القيصر قد أبرمها مع القوى الاستعمارية الأخرى، وقد زاد هذا من مصداقية البلاشفة في عداءهم المعلن للإمبريالية. وقد حاولت الحكومة السوفيتية الجديدة، حتى في رمقها الأخير للحفاظ على وجودها، دعم الأطراف المناهضة للإمبريالية في الدول الاستعمارية والمستعمرة. وفي عام 1920 قامت الحكومة السوفييتية بعقد مؤتمر شعوب الشرق في باكو، وقد ربط هذا المؤتمر الذي حضره أكثر من 1800 شخصية من آسيا وأوروبا مصير الاتحاد السوفيتي بهزيمة الإمبريالية. وبالرغم من التغيرات السياسية الكبيرة التي طرأت في الاتحاد السوفيتي إلا أنّ العديد من القادة السياسيين في آسيا وأفريقيا قد طلبوا وتلقّوا دعمًا من تنظيم الشيوعية الأممية لإنشاء عصبة مناهضة الإمبريالية عام 1927.

ظهرت بعض المصطلحات الأخرى بموازاة “الإمبريالية” وذلك مثل “الاستشراق” الذي يمثّل محاولة للنظر في اللقاء التاريخي بين الغرب وبقية العالم ولكن عبر الدراسات الثقافية وليس السياسة والاقتصاد. وخلال عقدين آخرين ومع بروز الحركات القومية حول العالم واقتراب القوى العظمى من نزاع عالمي كارثيّ آخر صار من المستحيل الحديث بشيء من الجدّية عن المنافع التي جلبتها الإمبريالية للشعوب المستعمرة. وفي ومآل متوقّع بدأت الدول بإنهاء استعمارها في دول العالم الثالث بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أنّ هذه العمليات التي شهدت انتقالًا سلسًا للسلطة بين الحكومات قد أثارت علامات استفهام جديدة. لقد بدا لوهلة أنّ إنهاء التوسع الإمبريالي ومنح الاستقلال السياسي للدول المستعمرة تطوّر مهمّ وإنجازٌ كبير، ولكنّ الحال بقيت مشوبةً بالاستغلال والسيطرة والاحتقار كما بدا أنّ النزاعات والحروب على الساحة الدولية ما زالت مرشّحة للاستمرار.

برزت جهود على الصعيد الثقافي والفكريّ تنتقد تلك الأشكال التي لم تنقطع من الاستغلال وعدم المساواة، ثم صارت ترتبط بشكل متزايد بالفكر السياسيّ الماركسيّ وبالاتحاد السوفييتي، خاصّة في الأكاديميا الغربية. وخلال السبعينات، وبالرغم من أنّ الرأسمالية كانت ما تزال هدفًا أساسيًا للنقد بين الأكاديميين والمثقفين اليساريين، إلا أنّهم توقفوا عن الاعتقاد بتلك الفكرة الحالمة عن مجتمع من طبيعة جديدة في طور التشكّل وراء ذلك الستار الحديدي مع معسكر الغرب. وتحوّل الحديث إلى ضرورة أن يستخدم مصطلح “الإمبريالية” في توصيف الحالة القائمة في الاتحاد السوفييتي، وقد عملت هذه التغيرات الفكرية والسياسيّة على التأثير في مفهوم “الإمبريالية” وطريقة استخدام المصطلح في فهم العالم.

ثم تراجع رواج كلمة “الإمبريالية” بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وكانت نهاية الحرب الباردة وإعلان “النظام العالمي الجديد” تحمل في طيّها تصورات عن احتمال أو فرصة حقيقيّة للانتقال إلى مرحلة من التاريخ لا يحكمها التنافس والتدافع بين القوى العظمى. كان هنالك انزياح للأطر القديمة وصعود كبير للجهود الإنسانيّة والتدخلات الإغاثيّة، فكانت هنالك حرب الخليج، وبدء المحاكمات الدولية لقادة يوغوسلافيا ورواندا، والتدخلات في الصومال والبوسنة وكوسوفا، وتوقيع معاهدة روما وإنشاء محكمة الجنايات الدولية، وقد رأى البعض كل هذه التحركات على أنّها خطوات للدخول في تلك المرحلة التاريخية المشتهاة، حتّى بدا أنّ الإمبريالية (مصطلحًا وظاهرة) صارت في طريقها إلى التحوّل إلى شيءٍ من التاريخ.

ولكنّ الإمبريالية وخلال بضع سنوات وحسب عادت إلى الساحة مجدّدًا، وراح أكاديميون وسياسيون غربيّون من ضفتي الأطلسي يدّعون أنّ اليساريين قد بالغوا في شيطنة الإمبريالية وأنّ قوميي اليسار وأكاديميّيهم منفصلون عن الواقع وأنّهم قد أصروا على إنكار حقائق القرن المنصرم. وشرع البعض يدّعون أنّ الإمبريالية التي مارستها بريطانيا في الماضي وتمارسها الولايات المتحدة في الحاضر ليست مفيدة وحسب بل وضرورية للحفاظ على السلم والاستقرار في العالم، مستدلّين على ادعائهم هذا بالحالة المزرية التي تعيشها الدول التي كانت من قبل تحت الاستعمار. وليس مصادفة أن تكون أفغانستان والعراق ضمن هذه الدول المقصودة، إذ قرّرت الولايات المتحدة غزوهما بعد أحداث الحادي عشر من أيلول.

ثم تراجعت هذه الحماسة المتجدّدة للإمبريالية بعد عمليات “الحرية الدائمة” في أفغانستان وحرب “تحرير العراق”، من دون أن يعني ذلك تراجعًا في الجدالات حول موقع الإمبريالية في ما يجري من أحداث على الساحة الدولية الآن، خاصّة عند النظر إلى دور حلف الناتو في ليبيا والوجود الروسي في أوكرانيا والمطالب المتزايدة لتدخّل غربيّ جديد في سوريا.

أن تقابلي إيتيل عدنان

سوسن حمّاد

ترجمة محمّد زيدان

عشت ثلاث سنوات في باريس وكان اسم إيتيل عدنان يتردّد كثيرًا في المجالس التي كنت أرتادها، وكان البعض يقول لي: “إنها أمريكية من أصل عربيّ، وأنتِ كذلك مثلها، فكيف لا تعرفين إيتيل عدنان؟”
تعدّ إيتيل عدنان من الأسماء المشهورة ذات التأثير البارز في المشهد الثقافي اللبناني الأمريكي، فهي شاعرة وكاتبة ورسّامة، كما أنّها في نظر الكثيرين واحدةٌ من مؤسسي حركة الفنّ العربيّ المعاصر. ورغم سنيّها التسعين، ما تزال إيتيل ترسم وتكتب، وقد كرّمتها الحكومة الفرنسيّة هذا العام ومنحتها وسام الاستحقاق الفرنسي في الفنون والآداب برتبة فارس، وهي من أفخم مراتب التكريم الثقافية في فرنسا.
وقد حالفني الحظّ أخيرًا وتمكّنت من اللقاء بها، غيرَ أنّ الفضل في ذلك لا يعود تمامًا إليّ. لقد حصل اللقاء في آخر أيّام الربيع، وكان أحد الأصدقاء في نيويورك قد طلب إليّ وأنا في باريس أن أذهب إلى الشقّة التي تقطن بها إيتيل عدنان لآخذ لوحتين من لوحاتها. أخبرني صديقي جمال بأنها ستكون في انتظاري لتعطيني لوحتين ستعرضان في مزاد سنويّ للاستفادة من ريعه في إنشاء محترف للفنون الإبداعية في نيويورك، وقد تبرّعت إيتيل باثنتين من لوحاتها لهذا الغرض، رُسِمت الأولى بالألوان المائية بدرجات قريبة من أسلوب بول سيزان، أما الثانية فرسمت بألوان أكريليلك، وكلاهما حملتا اسمًا واحدًا هو “جبل”.
وحين اقتربتُ من شقة إيتيل الواقعة خلف حدائق لوكسمبروغ في باريس بدأ التوتّر يتسلّل إليّ بخصوص هذه الزيارة . ولكنّي حين وصلت وطرقت الباب، كان في استقبالي سيمون فتّال، صديقة إيتيل ورفيقة عمرها، ورحّبت بي بالفرنسية ثم انتقلنا للحديث بالعربيّة، فانطلقتُ بالكلام وتبدّدت حالة التوتّر التي كانت قد خيّمت عليّ. وتعرفت إلى إيتيل التي سألتني بلهجة العارف بالإجابة: “أأنت فلسطينية؟”
ليس من الصعب التعرّف على لهجتي في درجِ الكلام، مع أنّ بعض النّاس يظنّون أني من تونس، ولعل مردّ هذا إلى الطريقة التي أدمج فيها لهجة أمّي المقدسية مع اللهجة الغزّاويّة التي يتحدث بها بقية إخوتي.
وبعد أن تلاشى التوتّر تجاذبتنا الأحاديثُ العديدة كأننا جيرانٌ بيننا العيشُ والملح، وفاجأني مقدار الفضول الذي وجدته عند إيتيل ورغبتها في معرفةِ المزيد عنّي، مع أنّي كنت أنتظر القيام بهذا الدّور لا هي. أنا مستمعة جيّدة بطبيعتي، وهذه سمة لا يتمتع بها الكثيرون، ولكنّي في منتصف الحديث وجدت نفسي أتكلّم أكثر وأكثر، فانتقلت إيتيل إلى موقع المستمع. سألتني أسئلة عن حياتي، وأخبرتها أنّني كنت أعيش في هيوستن فشرعت تخبرني بقصصٍ حدثت معها أثناء إقامتها في تكساس.
كما سألتني عن عملي، وأخبرتها أنني كاتبة امتهن العملَ الصحفيّ وأنني أحاول منذ حين أن أكتب رواية، وما أن سمعت ذلك حّتى طلبت منّي أن آخذ نسخًا من كتبها، بل عرضت عليّ كذلك أن آخذ إحدى مسودّات عملٍ تكتب به، ولكنّي بأدب وتقدير أحجمت عن قبولها.
إن فرصة اللقاء بإيتيل عدنان في هذه الأيام ليست أمرًا يتاح للكثيرين، ربمّا لأنّه يشقّ عليها السفر الآن، أو ربّما لقلة اعتمادها على وسائل الاتصال الحديثة هذا إن كانت أصلًا تستخدمها. غادرتُ شقتها التي حظيتُ فيها بجلسةٍ لطيفة في غرفة المعيشة المُشتملةِ بالشمس وخرجتُ منها محمّلة بالكتب ومُفعمةً بشعور عجيب، إذ شعرتُ أنني قد قابلت واحدةً من أطيب الناس قلبًا وأكثرهم إبداعًا.
عندما ودّعتني إيتيل قبّلتني وقالت لي: “اكتبي إليّ إن احتجت أي شيء، تعرفين عنواني.” وحين اقترب موعد رحيلي من باريس إلى نيويورك، قرّرت الشروع بكتابة رسائل إليها بحيث أكتب رسالة كلّما أنتهي من قراءة كتاب من كتبها، وأعترف أنّها كتب تركت فيّ أثرًا عميقًا بشكل لم يحدث معي منذ فترة طويلة.
هنالك شيء مثير حقّا في الطريقة التي تتحدّث فيها إيتيل عن التاريخ، في نظري أنا بالأخصّ، فالمدن وقصصها محور أساسي في عملي، وأنا أنظر إلى أعمال إيتيل بعين نسويّةٍ عربيّةٍ نشأت في بيت كانت المرأة فيه العنصر الأبرز، كما أنّي سافرت ونبشت أخبار أناسٍ شكّلوا جزءًا من ماضٍ عشته. فكما أنّ إيتيل ذهبت إلى اليونان بحثًا عن صوت أمّها، فأنا مثلها سافرت إلى فلسطين بحثًا عمّا تبقّى من ماضي أمّي وجدّتي.
في كتابها “عن مدنٍ ونساء”، وهو سجلّ أسفار على شكل رسائل كتبتها للمؤرخ اللبناني فوّاز طرابلسي، وجدتُ نفسي في غمرة نصّ رأيته انعكاسًا ليوميّات أسفاري التي أكتبها أنا. ألّفت إيتيل كتابها هذا استجابة لطرابلسي حين طلب إليها أن تكتب مقالة عن النسويّة لمجلّة “زوايا”. ولما كانت إيتيل قد تنقّلت بين العديد من المدن عبر المتوسّط، مثل برشلونة وآكس آن بروفانس وسكوبيلوس وبيروت، فقد وجدت لنفسها فرصةً للتأمل في قضيّة النسويّة:
“أجد نفسي أذرع شوارع هذه المدينة، وأكتب في ذهني رسالة إليك، وإذ بفكرة أخرى تظلّ عالقًة في خاطري… المرأة، وهي في الشارع لا يظهر أنّ لها دورًا جليًّا، أو أنّها تعيش حياة استثنائية، إنّما يظهر أنّها جزء من إنسانيّة، من مكان أو محيطٍ أو مدينة. تذكّرني المرأة بأنّه من المشوّق أن نكون أحياءً، أن نكون بشرًا، وأن نشكّل جزءًا من تلك اللحظة المميّزة في الزمان والمكان. تخبرني المرأة بأنّ النظريات تكون تائهة أمام التجارب الخاصّة. ولذا تراجعت عن عزمي على كتابة رسالة إليك بخصوص “النسويّة” وقرّرت الشروع بالكتابة عن شيءٍ قد مُنحتُه.”
اللاانتماء
يمكن تصنيف كثير مما تكتبه إيتيل على أنّه محاولة وجوديّة للنظر في قضية اللاانتماء، بصرف النظر عن المدينة التي تكتب عنها. وفي حين لا يقف القارئ على شيء من نوستالجيا في كتاباتها، فإنّه يرى وصفًا لمشقّة عيش “بنات المنفى” أطفالًا لآباء وأمّهات هجّرتهم سنين الحرب. وعلى منوال معظم أعمالها عن فظائع الحرب، مثل رواية الست ماري روز، تقوم إيتيل، بتشكيل وعيها عن ماضٍ ثقيل وتوثيقه في رسائل إلى طرابلسي.
تقوم إيتيل بكتابة هذه الرسائل بصراحة يندر أن يكون لها مثيل. لقد نشئتُ في عائلة كان لا يُسمح للمرأة فيها الابتعاد عن عائلتها، ولم يكن فيها تبادل للأدوار بين الجنسين ولم يكن للمرأة أن تجوب الشوارع في المدن الغريبة. وحتى الآن، في المدينة التي أعيش فيها، كثيرًا ما تتصل بي أمي لتسأل: “متى ستعودين إلى البيت؟”. ولعل هذا ما يدعوني حين أقرأ ما كتبَته إيتيل عن ذلّ المدينة أو بطش الوطنيّة أو السعي للتحرر كما تفعل المرأة، أن أكرّر ما قالته في إحدى المرأت لفوّاز طرابلسي: إننا لا نعرف تمامًا معنى الحريّة.
وهنا تعطينا إيتيل درسًا مهمّا وإشارة أساسيّة إلى أنّ جزءًا كبيرًا من كفاح المرأة اليوم يدور حول إعادة تحديد المساحات التي تطوّقها، ليس من خلال المراقبة والتفكير وحسب، وإنما من خلال المشاركة في مواجهةٍ يحكمها نطاق واسع من العواطف. لا بدّ أن نتذكّر أننا بشر قبل أن نكون نساء.
واحدة من رسائلي الأخيرة التي كتبتها لها وأنا في اليونان في زيارة لبعض الأصدقاء كانت حول سؤال راودني منذ زيارتي الأولى لليونان، والتي هي عندي بمثابة “فلسطين الثانية”، فكنت كلّما أرى بحر اليونان وريفه تراءت لي فلسطين وهي محرّرة. وقد كتبت هذا السؤال حين كنت في أثينا على ظهر بطاقة بريد أرسلتها لإيتيل ولست أدري إن كانت وصلتها، فسألتها: “هل يمكن لنا يومًا أن نبحث فيما يتجاوز خيالنا؟”
وقبل أن تتاح لي الفرصة للتواصل مجدّدًا مع إيتيل، بدأت الحرب على قطاع غزّة فانشغلتُ عنها بالسفر إلى إحدى المدن، إلى مكان يعجّ بكلّ ما ينغّص البهجة ويثير القلق ويبعدنا عن السير وراء تحقيق رغباتنا الإنسانيّة.

المصدر: http://www.alaraby.co.uk/english/features/2014/10/28/meeting-etel-adnan