أن تقابلي إيتيل عدنان

سوسن حمّاد

ترجمة محمّد زيدان

عشت ثلاث سنوات في باريس وكان اسم إيتيل عدنان يتردّد كثيرًا في المجالس التي كنت أرتادها، وكان البعض يقول لي: “إنها أمريكية من أصل عربيّ، وأنتِ كذلك مثلها، فكيف لا تعرفين إيتيل عدنان؟”
تعدّ إيتيل عدنان من الأسماء المشهورة ذات التأثير البارز في المشهد الثقافي اللبناني الأمريكي، فهي شاعرة وكاتبة ورسّامة، كما أنّها في نظر الكثيرين واحدةٌ من مؤسسي حركة الفنّ العربيّ المعاصر. ورغم سنيّها التسعين، ما تزال إيتيل ترسم وتكتب، وقد كرّمتها الحكومة الفرنسيّة هذا العام ومنحتها وسام الاستحقاق الفرنسي في الفنون والآداب برتبة فارس، وهي من أفخم مراتب التكريم الثقافية في فرنسا.
وقد حالفني الحظّ أخيرًا وتمكّنت من اللقاء بها، غيرَ أنّ الفضل في ذلك لا يعود تمامًا إليّ. لقد حصل اللقاء في آخر أيّام الربيع، وكان أحد الأصدقاء في نيويورك قد طلب إليّ وأنا في باريس أن أذهب إلى الشقّة التي تقطن بها إيتيل عدنان لآخذ لوحتين من لوحاتها. أخبرني صديقي جمال بأنها ستكون في انتظاري لتعطيني لوحتين ستعرضان في مزاد سنويّ للاستفادة من ريعه في إنشاء محترف للفنون الإبداعية في نيويورك، وقد تبرّعت إيتيل باثنتين من لوحاتها لهذا الغرض، رُسِمت الأولى بالألوان المائية بدرجات قريبة من أسلوب بول سيزان، أما الثانية فرسمت بألوان أكريليلك، وكلاهما حملتا اسمًا واحدًا هو “جبل”.
وحين اقتربتُ من شقة إيتيل الواقعة خلف حدائق لوكسمبروغ في باريس بدأ التوتّر يتسلّل إليّ بخصوص هذه الزيارة . ولكنّي حين وصلت وطرقت الباب، كان في استقبالي سيمون فتّال، صديقة إيتيل ورفيقة عمرها، ورحّبت بي بالفرنسية ثم انتقلنا للحديث بالعربيّة، فانطلقتُ بالكلام وتبدّدت حالة التوتّر التي كانت قد خيّمت عليّ. وتعرفت إلى إيتيل التي سألتني بلهجة العارف بالإجابة: “أأنت فلسطينية؟”
ليس من الصعب التعرّف على لهجتي في درجِ الكلام، مع أنّ بعض النّاس يظنّون أني من تونس، ولعل مردّ هذا إلى الطريقة التي أدمج فيها لهجة أمّي المقدسية مع اللهجة الغزّاويّة التي يتحدث بها بقية إخوتي.
وبعد أن تلاشى التوتّر تجاذبتنا الأحاديثُ العديدة كأننا جيرانٌ بيننا العيشُ والملح، وفاجأني مقدار الفضول الذي وجدته عند إيتيل ورغبتها في معرفةِ المزيد عنّي، مع أنّي كنت أنتظر القيام بهذا الدّور لا هي. أنا مستمعة جيّدة بطبيعتي، وهذه سمة لا يتمتع بها الكثيرون، ولكنّي في منتصف الحديث وجدت نفسي أتكلّم أكثر وأكثر، فانتقلت إيتيل إلى موقع المستمع. سألتني أسئلة عن حياتي، وأخبرتها أنّني كنت أعيش في هيوستن فشرعت تخبرني بقصصٍ حدثت معها أثناء إقامتها في تكساس.
كما سألتني عن عملي، وأخبرتها أنني كاتبة امتهن العملَ الصحفيّ وأنني أحاول منذ حين أن أكتب رواية، وما أن سمعت ذلك حّتى طلبت منّي أن آخذ نسخًا من كتبها، بل عرضت عليّ كذلك أن آخذ إحدى مسودّات عملٍ تكتب به، ولكنّي بأدب وتقدير أحجمت عن قبولها.
إن فرصة اللقاء بإيتيل عدنان في هذه الأيام ليست أمرًا يتاح للكثيرين، ربمّا لأنّه يشقّ عليها السفر الآن، أو ربّما لقلة اعتمادها على وسائل الاتصال الحديثة هذا إن كانت أصلًا تستخدمها. غادرتُ شقتها التي حظيتُ فيها بجلسةٍ لطيفة في غرفة المعيشة المُشتملةِ بالشمس وخرجتُ منها محمّلة بالكتب ومُفعمةً بشعور عجيب، إذ شعرتُ أنني قد قابلت واحدةً من أطيب الناس قلبًا وأكثرهم إبداعًا.
عندما ودّعتني إيتيل قبّلتني وقالت لي: “اكتبي إليّ إن احتجت أي شيء، تعرفين عنواني.” وحين اقترب موعد رحيلي من باريس إلى نيويورك، قرّرت الشروع بكتابة رسائل إليها بحيث أكتب رسالة كلّما أنتهي من قراءة كتاب من كتبها، وأعترف أنّها كتب تركت فيّ أثرًا عميقًا بشكل لم يحدث معي منذ فترة طويلة.
هنالك شيء مثير حقّا في الطريقة التي تتحدّث فيها إيتيل عن التاريخ، في نظري أنا بالأخصّ، فالمدن وقصصها محور أساسي في عملي، وأنا أنظر إلى أعمال إيتيل بعين نسويّةٍ عربيّةٍ نشأت في بيت كانت المرأة فيه العنصر الأبرز، كما أنّي سافرت ونبشت أخبار أناسٍ شكّلوا جزءًا من ماضٍ عشته. فكما أنّ إيتيل ذهبت إلى اليونان بحثًا عن صوت أمّها، فأنا مثلها سافرت إلى فلسطين بحثًا عمّا تبقّى من ماضي أمّي وجدّتي.
في كتابها “عن مدنٍ ونساء”، وهو سجلّ أسفار على شكل رسائل كتبتها للمؤرخ اللبناني فوّاز طرابلسي، وجدتُ نفسي في غمرة نصّ رأيته انعكاسًا ليوميّات أسفاري التي أكتبها أنا. ألّفت إيتيل كتابها هذا استجابة لطرابلسي حين طلب إليها أن تكتب مقالة عن النسويّة لمجلّة “زوايا”. ولما كانت إيتيل قد تنقّلت بين العديد من المدن عبر المتوسّط، مثل برشلونة وآكس آن بروفانس وسكوبيلوس وبيروت، فقد وجدت لنفسها فرصةً للتأمل في قضيّة النسويّة:
“أجد نفسي أذرع شوارع هذه المدينة، وأكتب في ذهني رسالة إليك، وإذ بفكرة أخرى تظلّ عالقًة في خاطري… المرأة، وهي في الشارع لا يظهر أنّ لها دورًا جليًّا، أو أنّها تعيش حياة استثنائية، إنّما يظهر أنّها جزء من إنسانيّة، من مكان أو محيطٍ أو مدينة. تذكّرني المرأة بأنّه من المشوّق أن نكون أحياءً، أن نكون بشرًا، وأن نشكّل جزءًا من تلك اللحظة المميّزة في الزمان والمكان. تخبرني المرأة بأنّ النظريات تكون تائهة أمام التجارب الخاصّة. ولذا تراجعت عن عزمي على كتابة رسالة إليك بخصوص “النسويّة” وقرّرت الشروع بالكتابة عن شيءٍ قد مُنحتُه.”
اللاانتماء
يمكن تصنيف كثير مما تكتبه إيتيل على أنّه محاولة وجوديّة للنظر في قضية اللاانتماء، بصرف النظر عن المدينة التي تكتب عنها. وفي حين لا يقف القارئ على شيء من نوستالجيا في كتاباتها، فإنّه يرى وصفًا لمشقّة عيش “بنات المنفى” أطفالًا لآباء وأمّهات هجّرتهم سنين الحرب. وعلى منوال معظم أعمالها عن فظائع الحرب، مثل رواية الست ماري روز، تقوم إيتيل، بتشكيل وعيها عن ماضٍ ثقيل وتوثيقه في رسائل إلى طرابلسي.
تقوم إيتيل بكتابة هذه الرسائل بصراحة يندر أن يكون لها مثيل. لقد نشئتُ في عائلة كان لا يُسمح للمرأة فيها الابتعاد عن عائلتها، ولم يكن فيها تبادل للأدوار بين الجنسين ولم يكن للمرأة أن تجوب الشوارع في المدن الغريبة. وحتى الآن، في المدينة التي أعيش فيها، كثيرًا ما تتصل بي أمي لتسأل: “متى ستعودين إلى البيت؟”. ولعل هذا ما يدعوني حين أقرأ ما كتبَته إيتيل عن ذلّ المدينة أو بطش الوطنيّة أو السعي للتحرر كما تفعل المرأة، أن أكرّر ما قالته في إحدى المرأت لفوّاز طرابلسي: إننا لا نعرف تمامًا معنى الحريّة.
وهنا تعطينا إيتيل درسًا مهمّا وإشارة أساسيّة إلى أنّ جزءًا كبيرًا من كفاح المرأة اليوم يدور حول إعادة تحديد المساحات التي تطوّقها، ليس من خلال المراقبة والتفكير وحسب، وإنما من خلال المشاركة في مواجهةٍ يحكمها نطاق واسع من العواطف. لا بدّ أن نتذكّر أننا بشر قبل أن نكون نساء.
واحدة من رسائلي الأخيرة التي كتبتها لها وأنا في اليونان في زيارة لبعض الأصدقاء كانت حول سؤال راودني منذ زيارتي الأولى لليونان، والتي هي عندي بمثابة “فلسطين الثانية”، فكنت كلّما أرى بحر اليونان وريفه تراءت لي فلسطين وهي محرّرة. وقد كتبت هذا السؤال حين كنت في أثينا على ظهر بطاقة بريد أرسلتها لإيتيل ولست أدري إن كانت وصلتها، فسألتها: “هل يمكن لنا يومًا أن نبحث فيما يتجاوز خيالنا؟”
وقبل أن تتاح لي الفرصة للتواصل مجدّدًا مع إيتيل، بدأت الحرب على قطاع غزّة فانشغلتُ عنها بالسفر إلى إحدى المدن، إلى مكان يعجّ بكلّ ما ينغّص البهجة ويثير القلق ويبعدنا عن السير وراء تحقيق رغباتنا الإنسانيّة.

المصدر: http://www.alaraby.co.uk/english/features/2014/10/28/meeting-etel-adnan

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s