كيف خسر أردوغان الليبراليين؟

كيف خسر أردوغان الليبراليين؟

نشرت هذه المقالة المترجمة في ألترا صوت في 22 تشرين الثاني 2015

http://goo.gl/VRqLoi

لقد كانت تركيا قبل خمس سنوات النّجمة اللامعة في العالم الإسلامي، وصارت محلّ إعجاب الشرق والغرب على السواء بفضل اقتصادها المزدهر وديمقراطيتها التي تخطو خطوات جريئةً إلى الأمام، ما جعلها تنجح في وضع حدّ لتدخّل الجيش في السياسة وتجاوز مخاوفها القديمة بشأن الأقليّات، كما قرّرت كذلك أن “تصفّر” مشاكلها مع دول الجوار.

هذا وقد تحقّق هذا النجاح المذهل أثناء حكم حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان وهو الحزب الذي يشار إليه غالبًا بأنه حزب “الإسلاميين المعتدلين”. وهكذا ذهبَ الكثيرون من الناس حول العالم وفي تركيا، وأنا منهم، إلى التصديق بأن “تركيا الجديدة” هي المعادلة المتكاملة المنتظرة بين الإسلام والديمقراطية الليبرالية.

شيءٌ ما قد تغيّر

أمّا اليوم فقد خسرت تركيا شيئًا من ذلك الألق، إذ يتكرر في وسائل الإعلام الدولية أنباء عمّا يجري فيها من تقييد للإعلام المعارض، وتراجع حكم القانون، وزيادة المخاوف من الحكم الاستبداديّ.

وقد وثّق تقرير التقدّم الصادر عن الاتحاد الأوروبي للعام 2015- الذي كان من قبل يمتدح الإصلاحات التركية، وجودَ تراجع كبير في مجالات حرية الرأي وحريّة التجمهر في تركيا.

ولعل هذا ما دفع عبدالله غل، الرئيسَ السابق للبلاد ورفيق أردوغان في تأسيس حزب العدالة والتنمية، إلى أن يشير إشارة عابرةً في شباط 2014 إلى أن “نور تركيا لم يعد يشعّ كما كان يشعّ في الماضي”.

ولكن لم هذا؟ وما الذي تغيّر؟

إن المنافحين بتصلّب عن أردوغان- وهم المسيطرون على مساحة كبيرة من الإعلام التركيّ الآن، ويرغبون في السيطرة على المزيد- يقدّمون ردّا مبسّطًا على مثل هذا السؤال، فيقولون إنّ أردوغان هو الرجل الذي تجرّأ على تحدّي سادة الشرّ في العالم- الصهاينة وحلفاؤهم- وهو الذي يدافع عن المضطهدين، ومنهم الفلسطينيون، وهذا ما جعل البعض يحاول الانقلاب عليه كي يقلقلوا الأمن في تركيا.

وعليه فإنّ قوى التآمر هذه هي التي أغرت الإعلام الغربي بالانقلاب ضدّ أردوغان، بل وحرّكت كذلك طوابيرها الخامسة داخل تركيا- كالليبراليين، علمًا أنّهم قد دعموا العدالة والتنمية لعقد من الزمن على الأقل ضدّ التيّار الكمالي المتشدّد من علمانيّي تركيا.

أمّا بالنسبة لي ولغيري من الليبراليين الأتراك، ممن علقوا الكثير من الآمال على فترة حكم العدالة والتنمية، فإنّ هذه السرديّة “الأردوغانيّة” التي سارت في الفترة الماضية هي أساس المشكلة، حيث تجري شيطنة جميع من يعارض أو حتّى ينتقد هذا الرئيس ذي النّفوذ الكبير واتهامه بأنّه جزء من مؤامرة خبيثة تستهدف تركيا نفسها.

هذا الخطاب الذي لا يتوانى عن وسم المعارضة السياسية بالخيانة العظمى، هو المعلم الأبرز للنظم الاستبدادية لا الديمقراطية.

لا وجود لمعارضة شرعيّة

لا عجبَ أنّ معارضة الليبراليين لأردوغان بشكل عامّ لم تبدأ في واقع الأمر بسبب مواقفه الجريئة على الساحة الدوليّة- مثل موقفه الصائب حين ندّد بجرائم الحرب الإسرائيلية في غزّة عام 2009- أو بسبب اختيار تركيا التصويت ب “لا” على قرار العقوبات التي فرضها مجلس الأمن عام 2010 على إيران.

ولو كنّا نرغب في الحديث عن نقطة فاصلة، فلعلها ستكون مظاهرات غيزي بارك في حزيران عام 2013 والتي أثارت حنق أردوغان وتصدّى لها بالقبضة الحديدية من جهة وبترويج نظريات المؤامرة من جهة أخرى. ومنذ تلك الفترة أضحت المعارضة العدوّ الداخليّ وجزءًا من “محور الشر”، وهذه هي اللغة التي تعكس الأساليب التي اعتادت عليها من قبل المؤسسة الكماليّة والتي عارضها الليبراليون على الدوام.

المثير في الأمر أنّ هذا الأسلوب الهجوميّ في التعاطي السياسيّ يوصف من قبل أنصار أردوغان بأنّه تحقيقٌ للديمقراطية- ولكنها نوع خاصّ من الديمقراطية. فبما أنّ أردوغان منتخب بالأغلبية، فإنه يمثّل “الإرادة الوطنية”، ولذا فإنّه لا يمكن التظاهر ضدّه في الشوارع أو ملاحقته وفق أيّ قانون أو حكم أو مبدأ.

وهكذا يصبح أي توجيه قضائيّ للسياسة نوعًا من “الوصاية” على “الإرادة الوطنيّة”- وهذه هي الحجة التي استخدمت ضد المحكمة الدستورية في السنة الماضية حين أبطلت قرار الحكومة بحجب تويتر.

نرى كذلك أنّه يُراد لجميع وسائل الإعلام أن تخضع لهذه “الإرادة الوطنية”- القائمة في الرئيس- وإلا تعرّضت للشيطنة والتخوين إن لم تفعل. فأصحاب القنوات الإعلامية المعارضة يتلقون التهديدات بالتعرض لغرامات جسيمة تتعلق بالتهربات الضريبية، أو الخضوع لتحقيقات محيّرة بخصوص تهم ذات علاقة بالإرهاب.

النتيجة هي تغيّر الهيئات الإدارية في ثمانية من أكبر الصحف التركية خلال بضع سنوات، حيث تحوّلت من صحف شبه محايدة أو معارضة إلى قنواتٍ لترويج البروباغاندا الحكوميّة من دون أيّ مواربة.

ديمقراطية غير ليبرالية

هكذا تحوّلت “ديمقراطيّة” تركيا إلى “ديمقراطية غير ليبرالية” تقوم فيها حكومة شعبية منتخبة بالحدّ من الحريّات المدنيّة والتأثير على سلطة القانون.

هذا لا يعني بطبيعة الحال أنّ أردوغان مخطئ في كلّ ما يفعل، أو أنّ كل الاتهامات التي تكال إليه صحيحة دومًا. قد تكون سياسته فيما يتعلق بسوريا موضوع نقاش وجدل، ولكنّه لم يقدّم الدعم لتنظيم الدولة، بل دعمَ تنظيمات إسلاميّة أخرى وقفت في وجه داعش ونظام الأسد، كما أنّ سياسة تركيا في احتضان أكثر من مليوني لاجئ سوريّ ليست أقلّ من أن توصف بأنّها نبيلة.

ليس أردوغان مخطئًا في حذره من “تنظيم موازٍ” داخل الدولة، إلا أنّ حربه الانتقاميّة التي لا هوادة فيها ضد حركة غولن بأسرها، وضد العمّال الكردستانيّ مؤخرًا، قد تشكّل تهديدًا حقيقيًا لتركيا.

وكما أنّ لأردوغان الكثير من المناصرين المتعصّبين فإنّ له في المقابل العديد من المعارضين المتشدّدين أيضًا، ولا شكّ في أنّ بروباغاندا كلا الطرفين منفصلة عن واقع الأمر في البلاد.

إنّ استبداد أردوغان واعتماده على خطاب “هُم” في مقابل “نحن” وسياسة إنشاء صنم جديد- تشتمل على تهميش شخصيتين من مؤسسي الحزب، وهما عبدالله غل والنائب السابق لرئيس الوزراء، بولنت أرنتش- هي ما جعل تركيا تخسر “بريقها اللامع”.

يحزنني أن أرى الأمور وقد انحدرت إلى هذا المستوى، ولو أنّ أردوغان لم يسعَ إلى بسط سيطرته الواسعة على المجتمع بهذا الشكل لما تعرّضَ لردّات الفعل هذه، ولما صار له هذا الحجم من الأعداء “من الداخل”.

الحال الآن هي أنّ أردوغان سيبقى على رأس السلطة حتى العام 2019 على الأقل، ولو أنّه يقدّم نموذجًا آخر من ذكائه السياسيّ المشهود له من خلال السعي إلى مصالحة وطنيّة (وإن كان يصعب توقّع ذلك الآن) بدلًا من مواصلة سعيه إلى السيطرة المطلقة، فإنّ ذلك سيكون موضع ترحيب.

ويمكن لرئيس الوزراء أحمد داود أوغلو، وهو أكثر اعتدالًا من أردوغان، أن يؤدي دورًا مهمًا في التخفيف من حالة الخصام في المجتمع التركيّ، وإن كان ذلك يعتمد على المساحة التي يتيحها له أردوغان لقيادة المشهد في تركيا.

يجب في الوقت ذاته على أطياف المعارضة أن تواجه فشلها وتعيد ترتيب أوراقها لتقديم رؤى جديدة، مع تجنب تبنّي نهج من معارضة أردوغان بناء على ردّات فعل، ولا جنوح نوستالجيّ للحقبة الكماليّة، ولكن من خلال النظر إلى تركيا “جديدة” يتمتع فيها جميع المواطنين بالحرية والمساواة والاحترام.

هذه هي النظرة التي قدّمها أردوغان في بداية الأمر، وبدا لوهلة أنّه عازم على تحقيقها، ولكنّه مع الأسف لم يفعل.

مصطفى أكيول (1977) صحفيّ وكاتب تركيّ، يكتب في النيويورك تايمز والمونيتور والجزيرة الإنجليزية. له كتاب بعنوان (Islam without Extremes) و كتاب آخر عن القضية الكردية بعنوان (The Kurdish Question: What Went Wrong).

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s