قصائد الجهاديين

جوانا باراتشزوك

ترجمة محمد زيدان

نشرت الترجمة في موقع حبر في 18 أيلول2015

قصائد الجهاديين

لمّا توافد المقاتلون من شمال القوقاز وصولًا إلى سوريًا عام 2012 جلبوا معهم تقليدًا عجيبًا اشتُهر بينهم ألا وهو الأشعار الجهادية، وترى في مواقعهم الإلكترونية وصفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي أشعارًا جديدة باللغة الروسية عن سوريا، كما ويتناقلون فيما بينهم بعض الأشعار التي صارت من “الكلاسيكيات” لديهم والتي تتكلم عن المتمردين في شمال القوقاز.
للوهلة الأولى قد تبدو كتابة الشعر هواية تدعو للغرابة عند الحديث عن جهاديين إسلاميين، ولكنّ تلك الأشعار في الواقع تعدّ من الوسائل المهمّة التي يعبّر فيها بعض هؤلاء عن مشاعرهم وأفكارهم، من حزنٍ ورثاء وغضب وغيره، مما قد يعدّ أمرًا مبتدعًا عند البعض الآخر وفق العقائد الصلبة للدولة الإسلامية وغيرها من الجماعات المسلّحة في سوريا.
كما أنّ هذه الأشعار تقدّم وجهة نظرٍ عن العالم. ففي حين كانت الأعمال القديمة تركّز في المقام الأول على التمرّد المحليّ ضد القوات الروسية شمال القوقاز، فإنّ الأشعار التي تُكتب في السياق السوريّ الراهن تضع القرّاء أمام عالم أوسع لما يراه كتّابها من حالة الجهاد العالميّ.
هنالك أيضًا أشعارٌ تكتبها المرأة في مثل هذه الدوائر، كزوجات المقاتلين أو منْ ترمّلن بعدهم، وهي أشعارٌ تتناول عادة حكايا مختلفة ومشاعر شخصيّة عن تجربةِ أن تكون المرأة زوجة لمقاتل وعن كيفيّة التعامل مع فقده إن فُقدَ وقُتل.
ومن هذه الأشعار ما كتبته امرأة تكنّي نفسها “أمّ محمد” وعنوان قصيدتها “زوجة شهيد”، ونُشرت في الثامن من آب من العام الجاري في إحدى المجموعات التي يديرها أفراد ينسبون أنفسهم إلى تنظيم الدولة على منصة التواصل الاجتماعي (VKontakte). نجد في هذه القصيدة شعورًا بالفجيعة والإحباط بعد مرور عامٍ على خسارة زوجها في سوريا، وتتحدّث بوضوح عن مصابها مُستصعبةً التصبّر على فراقه:
وهكذا، مضى أول عام
وقلبي يحسبه مجرّد يوم
أعيش حياتي بين الناس أسعى
أن أكون مثل الآخرين.

وفي مقطع مثير للجدلَ، بل ويبعث على الصدمة بالأحرى نجد أمّ محمّد تقول إنّ الله يزلزل حياة بعض البشر ويبتليهم بالمصائب من دون سبب ظاهر، تمامًا كما يفعل حين يغيّر المناخ أو يقلّب الفصول:

أفكّر ناظرة في السماء
إنّ الله يغيّر كل شيءٍ في طرفة عين
ويصرّف أقدار البشر
كما يصرّف الليل والنهار
اليوم كان هانئًا جميلًا
والعالم في الغد قد أعرض عنك.

ومن المعروف أنّ المرأة في الإسلام لها عدّة شرعيّة بعد وفاة زوجها وقبل أن تتزوّج من غيره، ولكنّ أمّ محمّد تعلن في شِعرها أنّها لن تتزوج أحدًا بعد زوجها الذي سقط في القتال:
هكذا مضى أول عام، وتتبدّل الأزمان
ولكنّ قلبي لن يتغيّر
ولن يسكنه غيرك
إلى أن تفارقني الحياة
أمّا أشعار الرجال فتتعامل في غالبيتها مع قضيّة “مجاهدي الكنبة” ويقصدون أولئك الذين يتحدثون عن “الجهاد” في سوريا على وسائل التواصل الاجتماعي من دون أن ينضمّوا إلى تنظيم الدولة أو غيرها من التنظيمات الجهادية. وفي قصيدة بعنوان “أهل الإنترنت” لاقت صدى كبيرًا على موقع VKontakte جاء ذمّ هؤلاء:
أنتم يا محاربو الفيسبوك
جنودَ جيش الواتس أب أنتم
يا شيوخ جوجل
إنّكم في حلقة مفرغة هائمون
اضغطوا على الزاوية العليا في يمين الشاشة

وهنالك قصيدة أخرى نشرها في الحادي عشر من آب الماضي شخص يدعو نفسه جندالله الأنغوشي يسأل فيها أحد “مجاهدي الكنبة” عن سبب إحجامه عن السعي للجهاد:

إذن لم لا تعبأ بالقتال ولا تتعطّش له؟
لعلّك تخشى الموت؟
ألم تعلم أنّ الله مع المجاهدين!
… كثيرون بالجهاد يحلمون
ولكنّهم يدعون الله
وأعينهم تفيض من الدمع!

هذه الثيمات التي تتحدث عن “مجاهدي الكنبة” وتلك التي تدعو “المسلمين الصادقين” ليهبّوا إلى الجهاد ليست جديدة في الأشعار الجهادية المكتوبة بالروسيّة. هنالك قصائد مشابهة أخرى كتبها مقاتلون في شمال القوقاز تعبّر عن الغضب والحنق على أولئك الذين يفضّلون الراحة في البيوت على قتال “شياطين الروس”، وهي قصائد تربط بين “الجهاد” وشرف الوطن عند الشيشاني.
وفي قصيدة أخرى نشرت في 22 آب الماضي يتجلّى فيها الخوف والغضب على لسان أحد المقاتلين الشيشان في أحد مخيّمات الاعتقال الروسية في حربي الشيشان الأولى والثانية، حيث يقول الجندي الروسي لأحد المقاتلين الشيشان وهو بين الموت والحياة:

أيّها الشيشانيّ، لقد خسرت المعركة
انظر إليك، إنك تثير الشفقة، بالكاد تحيا
نظراتك الزائغة
إنني هنا، أنا قائدك وأنا السيّد!

نرى صورًا أخرى في قصائد جديدة تُنسب إلى جهاديين في سوريا تدعو أهل شمال القوقاز للجهاد والدفاع عن المسلمين لا في أرضهم وحسب بل وفي العالم أجمع. ولكنّ القصائد قديمَها وجديدَها تركّز على وصف شكلٍ مثاليّ من أشكال الرجولة القوقازية، كما نرى في هذه القصيدة المنسوبة لأسد الله أبو زكريا أحد المقاتلين في إمارة القوقاز في قبردينو-بلقاريا:

النساء سيقاتلن العدّو
والجبناء في بيوتهم جالسون
نريد البكاء، ولكن ما في المآقي من دموع
أين أنتم يا رجال القوقاز!!!؟

هنالك قصائد جهادية في شمال القوقاز في مديح كبار القادة وأمراء الجهاد. فهنالك قصيدة كتبت عام 2013 وتنسب لأحمد الداغستاني، وهو الاسم الحركي (والمستعار) لأحد مقاتلي إمارة القوقاز وهو في سجنه في روسيا، ويمدح فيها قائده آنذاك أبو عثمان عمروف، يصفه فيها براعي الإمارة والأخ الحقيقي.
كما كتب الداغستاني قصيدة من جزئين في مديح أسامة بن لادن (وكان هو الآخر يكتب الشعر) ويرى أنّه في غاية الرضا لأنّه قد عاش تحت راية “المجاهد أسامة” حتّى لو كان هو في روسيا.
وهذا ما نراه كذلك عند الجيل الجديد من شعراء الجهاديّة في سوريا والذين يذكرون في شعرهم مناقب قادتهم ولاسيّما أبو بكر البغدادي، خاصّة أنّهم يحاربون فعلًا في صفّه ويعيشون في عالمه.
ففي قصيدة بعنوان “الدولة الإسلامية” والتي ظهرت مؤخرًا في 26 آب الماضي يرد مدحٌ للبغدادي وللقائد العسكري لتنظيم الدولة أبو عمر الشيشاني للدلالة على أنّ مقاتلي شمال القوقاز قد صاروا في مصافّ القيادة على ساحة الجهاد العالمي. ويؤكّد الشاعر في قصيدته على أنّ الشيشان لم يعودوا على هامش نزاع شمال القوقاز وحسب ويَعِدُ أنّه ورفاقه سيجتمعون يومًا على جبل عرفات و”ستصدح تكبيراتهم عليه يوم الحجّ الأكبر”.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s