تأبين بلغرافيا

هذه ترجمة لمقتطف صغير من رواية تأبين بلغرافيا للكاتب الإنجليزي نيكولاس بلنكو، وأعتقد أنّ النسخة الإنجليزية لم تنشر حتى الآن!! عملنا على هذه الترجمة في مجموعة من المترجمين المهتمين بالترجمة الأدبية في ورشة عمل في القاهرة بالتعاون مع المركز الثقافي البريطاني فيها والمركز القومي للترجمة، وذلك قبل أعوام عديدة، في العام 2010. كان الأستاذ المشرف على مجموعتنا هو ثائر ديب المترجم السوري المعروف، وكانت أيامًا لطيفة تعلمت فيها الكثير من الأمور. إليكم الترجمة

   وصل ووكر شقته في بِمليكو قبل ساعة من الوقت الذي كان ينبغي أن يبدأ فيه تأبين هَنيمان. شقّ طريقه عبر كومة من النشرات الإعلانية وقوائم الوجبات السريعة خلف بابه، وألقى حقيبة سفره في الردهة. داخل لوحة المفاتيح، وجد مفتاح السّخان ودفعه إلى الأسفل. بعد عشر دقائق، أدرك أنّ السّخان مُعَطَّلٌ، فما من ماء ساخن. غلى قليلاً من الماء وملأ المغسلة المربّعة في حمّامه. كان قد اشترى هذه الشقّة قبل ستة أعوام ولا يزال يحسّ أنها شقّة تلك المرأة المولعة بالقطط التي كانت تقطنها قبله وجار عليها الزمن. بل إن عنايته بالشقق التي اسـتأجرها في الخارج كانت أشدّ بكثير من عنايته بهذا المكان الذي يملكه بالفعل.

    بينما كان يحلق، راح يفكر بلوك هَنيمان، مع أنّه لم يكن في الأمر ما يستحق الاهتمام. كانا قد التقيا في إسرائيل، حين كان كلاهما يعملان تحت غطاء شركة الفضاء البريطانية. وذات مساء، في حانةٍ في حيفا، أخرج هَنيمان قنبلة بلاستيكية صغيرة وراح يَبْرُمُها مثل خُذْروف بين زجاجات البيرة وسط الطاولة. توقف قلب ووكر عن الخفقان للحظة، كانت كافية ليدرك أنّ القنبلة الصغيرة ليست حقيقية، بل نموذجٌ للعرض صُمِّمَ ليُبَيّن ما تحويه القنبلة العنقودية. والآن، بينما كان يدفع بقعةً من الماء الصافي بين رغوة الصابون والشعيرات الخشنة في مغسلته، راح يتمنى لو أنّه استطاع أن يفلت من تأبين هَنيمان. وإنْ بدا ذلك فظّاً، أمكنه أن يسأل لِمَ أقيم التأبين أصلاً، دون أن يعلم والدا هَنيمان؟ فالعائلة كانت قد أقامت لهنيمان جنازةً ريفيةً هادئةً في شروبشاير، قبل ثلاثة أسابيع.

   تصاعدت سحابة غبار من الكرسي عندما جلس فيه ووكر ببذلة الحداد السوداء، وراح يتصل من هاتفه المنزلي بسالي، زوجته السابقة، التي ردّت لحظة فقد كلَّ أملٍ في أن تردّ. بدت سالي هشّةً رغم الحيوية الظاهرة في صوتها، واعترفت بأنّها قلقةٌ حيال محاولتهم قضاء عطلة عائلية أولّ مرّة بعد الطلاق، لكنّها ألحّت على أنّ ما يشغلها أكثر هو جَرْجَرةُ صبيين في وقتٍ باكر إلى القطار من ليمنجتون سبا، ثمّ عبر لندن للطيران إلى دَبْروﭭنِك.

   سألها ووكر: “لماذا نأخذ الولد الثاني؟ هل يخاف إيثن من قضاء وقت طويل وحده معنا؟”

   اعترفت سالي: “لم تكن تلك فكرة إيثن. بل فكرتي. حَسِبْتُ أنَّ من الأفضل أن يكون معنا صمام أمان، يضمن أن يكون واحدنا مهذّباً مع الآخر. لعلنا نتجنب الصراخ بوجود أحد أصدقاء إيثن”.

    “أقلقةٌ إلى هذا الحدّ، يا سال؟”

   “لا أعلم. لا أستطيع التفكير، فأنا حامل”.

    “ياه؟ وهل كان تفكيركِ سليماً قبل أن تحملي؟”

   لو استطاع أن يمسك لسانه وحسب! سمع سالي تأخذ نفساً بطيئاً، بل كاد يسمع صوتها وهي تعدّ إلى العشرة قبل أن تقول: “أرأيتَ، يا ليف، ها قد عدنا؟”

   اعتذر لها، لكنّه وقد أفسد الجوَّ أصبحت بقية المكالمة مقتضبة وجافة. ولم يبقَ سوى أن ينتهيا من التفاصيل: مطار جيتويك، الثانية بعد الظهر، عند مكتب الخطوط الجوية البريطانية. غير أنّ سالي سألته ثانيةً، في آخر المكالمة، إن كان متأكداً من أنّ دَبروﭭنك مكان مناسب لقضاء صبيين العطلة. فقال لها إنّها مكان مناسب للجميع، وأطلقت سالي تلك النكتة المكرورة عن ضرورة إحضار السطل والرفش. وفي الصمت الذي أعقب المكالمة، ألقى ووكر برأسه إلى الخلف وراح يحدّق في تشققات السقف الشبيهة بخيوط العنكبوت. حاول أن يتذكر إن كان لديه ما يصلح لباساً للعطلة. كان في الدروج المثقلة في غرفة نومه سروال سباحة أسود لامع، أقصَرُ وأكشَفُ من أن يُلبس على الشاطئ، أو ربما في أيّ مكان. ولا  شكّ أنه سيفوح برائحة الخزامى والعفن، مثل أيّ شيء آخر في هذه الشقّة. سيكون عليه، إذاً، أن يشتري ثياب بحر جديدة، في المطار.

   عندما وصل الكنيسة، توقف عند عربة المراقبة البيضاء كي تؤخذ له صورة ويتمّ التحقق من هويته. كان اثنان من ضباط وكالة الاستخبارات السرية (SIS) يقفان عند البوابة، بسماعتيهما اللامعتين ونظارتيهما الشمسيتين اللتين تخفيان أعينهما. داخل الكنيسة، مدّ يده إلى الجُرن الصغير ورسمَ علامة الصليب، ومسّ جبهته برأس إصبعه البارد. وما إن اتخذ مكانه، حتى ترددت أنغام “السلام لك يا مريم” في أرجاء الكنيسة.

   كان سِرْ مايكل جالساً أمامه ببضعة صفوف، إلى جانب زوجته ميرايا. وحين رأته رفع لها يده. بدت متقشفةً، وقد وضعت طرحةً سوداء وبالغت في شدّ شعرها إلى الخلف، حتى إنّ ووكر راح  يشكّ في أنّها تستطيع الابتسام لو أرادت أن تبتسم. كان سِرْ مايكل راكعاً للصلاة بقربها. وحين نهض، التمعتْ فضّةُ سبحته وهو يلوّحها بسرعة وبراعة حول يده و يلقي بها في جيبه. التقت عينا ووكر وسِرْ مايكل في نظرةٍ خاطفة، قطعها التفات هذا الأخير ثانيةً إلى برنامج الحفل.

   لطالما تملّك ووكر إحساسٌ شديد بالغربة بين حشود زملائه الضباط، وكان منهم مئتا رجل وامرأة في الكنيسة ذلك المساء. لم تكن لدى ووكر أيّة خبرة عسكرية قبل التحاقه بـ وكالة الاستخبارات السرية، ولا حتى خبرة الأغرار؛ لم يحرز أيّة بطولات رياضية؛ وإذا ما كانت شهاداته كثيرة إلا أنّه لم يكن من خريجي أكسبريدج؛ و لم يدنُ منه البتة أستاذٌ للكلاسيكيات بربطة عنق مبقعة بالبيض، كي يدعوه إلى لقاءٍ غامض في شارعٍ متفرع من الپول مول. وآخر ما كان يمكن توقّعه هو أن يكون ووكر صنيعةَ رجلٍ مثل سِرْ مايكل. غير أنّه في سنواته الثمان كضابط عمليات، كان قد أظهر ما يشبه العبقرية في أعمال التجسس، من اختراق المنظمات الأخرى إلى توظيف المال الفاسد وغسل الأموال. وكانت ميرايا قد سألته مرّة ما الذي يجيده أيضاً. فقال لها إنّه يجيد اتّقاء الرصاص، فإذا ما اضطر إلى الردّ على إطلاق النار أصاب شيئاً ما لا محالة. ويعرف أيضاً أنّ أغلب نوبات التسمم الغذائي يتسبب بها الشخص لنفسه وتعلّم أن يغسل يديه مثل طبيب قبل كلّ وجبة، فيحكّ بعنايةٍ راحة يده برؤوس أصابع اليد الأخرى ويفرك الداخل من كلّ رسغ. ويمكنه أن يزيل غبارَ مدينةٍ من أنفه بتنشّق الماء إلى منخريه وتمخّطه من جديد. ويعرف متى يصافح رجلاً، ومتى يقبّله، وكَمْ مرّة. ويستطيع أن يجد متجراً يبيع النيو يوركر حيثما كان في هذه الدنيا. وسألها عن وقع ذلك في نفسها، فردّتْ: يا لقدراتك الخارقة!

   وميرايا ريدموند ابنة رجل ألماني وامرأة إسبانية. ولعلّها ورثت عن والدها بشرتها الشاحبة، أمّا شفتاها المكتنزتان الشبيهتان بقوس كيوبيد وشعرها الأسود الفاحم فلا بدّ أنها أخذتهما عن والدتها، مع أنّ شعرها لم يعد بلونه الأصلي. وكانت ميرايا قد التقت سِرْ مايكل في ألمانيا الشرقية. كان ضابطاً ميدانياً في وكالة الاستخبارات السرية، وحين ارتدّت، ارتدّت كي تكون معه. وقد جَعَلَتْهَا قصّتُها هذه أشدّ بريقاً من ووكر، لكنّه لم يكن يقلّ عنها غرابة وطرافة. كان في الرابعة والعشرين من عمره حين تقدّم بطلب إلى وكالة الاستخبارات السرية، وقد أعدّه على وجه السرعة عقب جلسة ليلية متأخرة في مكتبة الجامعة. كان قد تزوج وأنجب ولداً وهو لا يزال فتىً يافعاًً. وكان ينهي رسالة الدكتوراه حين استيقظ على حقيقة حاجته إلى وظيفة كيما يعيل أسرته. ولم يُطل التفكير؛ فهو لم يكتب الطلب إلى وكالة الاستخبارات السرية إلا بعد إرساله طلبات إلى كلّ شركة خطرت في باله. كان ذلك في أواسط تسعينيات القرن العشرين، حين كان البشر لا يزالون يرسلون طلبات الوظائف بالبريد. راحتِ المغلفات تتكوّم فوق مكتبه، وبينما كان ينظر إلى العناوين-بين، شِلْ، إنرون، ليمان برَذرز– أخذ يفكر: أليست الوظيفة الأروع، حقّاً، أن يكون جاسوساً. وهكذا دبّج رسالة أخيرة ضمّنها السيرة الذاتية التي سبق أن استعملها في الطلبات جميعها. كان هذا بعد انتقال وكالة الاستخبارات السرية إلى الهرم على نهر التايمز. حين بات جميع البريطانيين يعرفون العنوان.

   أثنى الرجال الثلاثة في لجنة المقابلة على حيطة ووكر حين أخبرهم أنّ أحداً لم يعلم بطلبه. لم يقل لهم إنّ ما دفعه إلى التكتّم هو غرابة أن يتقدّم المرء بطلب كي يصبح جاسوساً. بعد ذلك، دُعي للالتحاق بدورة تدريبية أولية، بدت أشبه باكتشاف أسرار جديدة في لعبة ﭭيديو. وكلما مضى في اللعبة، وأحرز نقاطاً أعلى، بدت له الحياة أشدّ إثارة، مع أنّ الأشياء التي تبدو جذّابة في الرابعة العشرين يمكن أن تفقد بريقها بتقدّم العمر. ليته تمسك بقليل مما كان لديه قبل أن يدخل الوكالة: زوجته، مثلاً.

   نهض سِرْ مايكل واتجه إلى الممر بهدوء، يكاد لا يطأ البلاط المزخرف في طريقه إلى المِقْرَأ الأوسط. بدأ رثاءه بتذكير الجمع أنّ هنيمان كان قد ابتدأ خدمته في البحرية الملكية. وبعد استذكار بضع عبارات من مراسم الدفن في البحر- “يوم يلفظ البحر موتاه”- أكمل بالمزمور التسعين، أو الصلاة لموسى: “يا ربُّ، ملجأً كنتَ لنا في دَوْرٍ فَدَوْر. من قبل أن تولَدَ الجبالُ، أو أَبْدَأْتَ الأرضَ والمسكونة، منذ الأزلِ إلى الأبد، أنتَ الله. ترجعُ الإنسانَ إلى الغبار، وتقول: ارجعوا، يا بني آدم. لأنّ ألفَ سنةٍ في عينيك مثلَ يوم ِ أمس ِ بعدما عبرَ، وكهزيع ٍمن الليل”. وقد صاحب هذه الكلمات دويٌّ خفيض لقطارات الأنفاق وهي تمرّ تحت الكنيسة. وسوى ذلك، لم يكن غير الصمت. أسند مايكل رؤوس أصابعه على الكتاب المقدس المفتوح ومال نحو الجمع، وقال: “تخبرنا هذه الصلاة أنّ الربّ يرجعنا إلى الغبار: إلى الفناء المحقق في عالم يتشظى. بيد أنه يقصد أيضاً أن يهدّئ من روعنا. فإذا ما استطعنا أن نمدّ أبصارنا أبعد من الحطام الذي يكتنفنا، لربما نرمق ما هو كلّيّ وأبديّ. الرب حافظنا، وبإيماننا نعلم أن الأبدية مصيرنا”.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s