على تلال الله

مراجعة

المجلة الثقافية-الجامعة الأردنية

ترجمة محمد زيدان


على تلال الله

لعلّ أكثرَ اللحظات إشراقاً في رواية على تلال الله للروائيّ إبراهيم فوّال هي ما لهجت به عباراتُ يوسف صافي – الشخصيةِ الرئيسية في الرواية – وهو ماثل أمام أمّه يَعدُها أن لا ينسى الوطن، حين قال لها بلهجة صادقة: ” اعلمي يا أمي أن ضميرَ العالمِ لا بدَّ أن يتحرك، لا بدّ أنْ يستيقظ، وهذا ما سنقوم به. ليس هذا وعداً فارغاً ولا عهداً أقطعُه هكذا على عَجَل. لا بدَّ أنْ نعود، هذا وعدي لك، وأقسم ُعلى هذا بعزّتك وعزةِ كلِّ أمّ تبكي هذه الليلة”. كان هذا العهد الذي قطعَه يوسف قد أزال الستارَ عن قصة بطولية كانتِ الشجاعةُ والقوة اللتان فاقتا كلَّ تقدير أبرزَ عناوينها. إنّها قصة لم تفتأ تتكررُ في كلِّ بيتٍ فلسطيني وكلِّ ذاكرة فلسطينية. إنّها قصةٌ يعيشها الفلسطينيون حتى هذه اللحظة.

تقدم لنا رواية على تلال الله وصفاً لمجتمع ريفيّ تجمع بين أفراده رابطة متينة ويعرف باسم “أرض الله” وكان هذا في السنوات الأُوَل من التاريخ الفلسطيني. وتخبرنا الرواية عن “أرض الله” كما يراها أحد الشبان الفلسطينين، وهو يوسف صافي، الذي كان ينظر بعيني العاجز للأحداث الفاجعة التي رزأت الفلسطينيين في العام 1947 و 1948، ويصوّر لنا الكاتب شمسَ فلسطين وقد أفلت وكيف قامت دولةُ إسرائيل وما تبع ذلك من آثار على أرض الله. ولا يكتفي الكاتب بعرض المأساة الفلسطينية، بل يتناول كذلك المحن الشخصية التي قاساها يوسف وهو يواجه الخسارة الوشيكة لأرضه ولأعز أحبابه، فهي قصة فتىً فلسطيني يعيش مرحلة عصيبة تدفعه لأن يعاهد على ألا يترك أرضه بالرغم مما لاح أمامه من العقبات الجسام التي تحول بينه وبين ذلك. إنها قصة يمتزج فيها الحب والأسى والنكسة واليأس ولها خيوط تربطها بقصص شخصية لجميع الفلسطينيين الذي خسروا حياتهم ومنازلهم في العامين 1947 و 1948.

يكابد يوسف خلال هذه الرواية محناً على المستوى الشخصي جعلت منه رجلاً لا يرضى إلا أن يرد الشرف والكرامة لعائلته ولشعب فلسطين قاطبةً -بعد أن كان صبياً يافعاً مفعماً بحيوية الشباب- وهذا ما يجعله رمزاً للروح والعزيمة في فلسطين.

كان يوسف يعيش في أرض الله، محبوباً بين جميع أهلها، وكان يبلغ من العمر سبع عشرة عاماً. كان والده طبيباً له سمعة طيبة في هذه البلدة. كان صيف عام 1947 قد جلب معه نسيمَ أملٍ لعائلة صافي، إلا أنّ نذير الخوف بدا حاضراً، خاصةً حين أشار الراوي إلى أنه “آخر صيف سعيد” تشهده فلسطين. كان يوسف مسيحياً إلا إنه كان يقضي معظم وقته مع أقرب أصدقائه وكان أحدهما مسلماً واسمه أمين، والآخر يهودياً واسمه إسحق وكان كلاهما يقطن بأرض الله، وقد اختار الراوي هذه العلاقة الثلاثية ليدلّل على الوحدة التي تجمع الأديان الثلاثة والتي تقضي على جوانب الخلاف وتجعل الهوية الفلسطينية هي الرابط بينهم. كان العالم الذي يحيا فيه يوسف مرتبطاً بشكل وثيق بأرض الله ومن يسكنها ولا سيّما أصدقاؤه المقربون؛ أمين و إسحاق، وعازف العود الضرير، وجمال، وسلوى طويل، الذي أخذ حبُّها بعقله. كان لأرض الله سحرٌ خاص ليوسف وأصدقائه، فترى أجملَ ما عندهم أن يستمتعوا بصحبة أهل البلدة والتجول في أحياءها. كل زاوية من أرض الله تحكي قصة من حياة يوسف، فهنالك قهوة الفردوس التي كان يجلس فيها يوسف حين طرق سمعه لأول مرة قرار تقسيم فلسطين الذي أقرته الأمم المتحدة وبدأ بحشد الدعم مع ابن عمه باسم. أما محل نشوان للبوظة فهو المكان الذي التقت فيه سلمى بيوسف وأخبرته بأنها قد خُطبت، ومن مكتبة عارف كانت ترد ليوسف أنباء الحرب المستعرة، وكانت سينما فريال هي الوجهة التي يلوذ إليها لينظر إلى محيّا سلوى دون أن يشعر به أحد، وانتهاءً بالساحة وهي المنطقة التي يشهد فيها يوسفُ موتَ إسحاق دون أن يقدر على فعل أي شيء.

وتستحق أرض الله منا تركيزاً بشكل خاص لأنّها تمثل اللوحة التي يرسم فوال صوَره عليها. كان وصف البلدة الذي قدمه يوسف مفعماً بالفخر والاعتزاز وعادة ما كان يفاضل بينها وبين ما يجاورها من مدن. فأرض الله تقع على بعد “30 ميلاً إلى الشمال الغربي من القدس، و 15 ميلاً إلى الشرق من يافا”، وتوصف بأنها عروس المنطقة لما تتميز به من جمال الطبيعة والازدهار والنشاط. كان الفلسطينيون يقصدون أرض الله في فصل الصيف في رحلاتهم، حيث تكون البلدة في هذا الوقت من العام تعج بالسياح ولا تكاد شوارعها تخلو من الناس ليلاً ونهاراً.

بالرغم مما بدت عليه الحياة في أرض الله من سلام وسكينة إلا أن خطراً داهماً كان في الانتظار وكان يوسف أول من يتنبأ بالعاصفة الهوجاء التي ستهب قريباً على بلدته. تحوّل صيف 1947 إلى كارثة بعد أن أصبحت مخططات الصهاينة لاغتصاب فلسطين تشكل تهديداً على أمن من يسكن أرض الله، وانعكس ذلك على أسلوب حياة يوسف التي تحولت بين ليلة وضحاها من السكينة والتناسق إلى الذعر والاضطراب بأقصى صورهما. وقد كان يوسف قلقاً في المقام الأول على مستقبل فلسطين وعما يمكن أن يحدث لأرضه حين تقرر الأمم المتحدة والعالم أجمع أن يتغافلوا عن مأساة الفلسطينيين على أيدي الصهاينة. يواجه يوسف مصيبة تلو الأخرى كالحرب التي باتت شبه مؤكدة والعنف المتصاعد في أرض الله، واحتمال أن تسلب منه أرضه، وخيانة صديقه إسحاق ومصرعه بعد ذلك، والضيق الذي أصابه بعد علمه بخطوبة سلوى ومن ثم الحادثة الأليمة لمقتل والده.

كان من ضمن التجارب المؤلمة الأولى التي تعرض لها يوسف في الرواية ما شهده من الخيانة الفظيعة التي أقدم عليها صديق طفولته إسحاق, وتعرُّضِه للقتل على إثر ذلك. كان يخشى يوسف في وقت مبكر من الرواية أن الحرب القادمة ستنهي الصداقة التي جمعت بينهما، ودفعه ذلك إلى أن يأخذ من أصدقائه العهد على ألا يفرق شيء بينهم. إلا أن هذه الصداقة بدت تتلاشى بصورة تبعث على الأسى بعد هجوم على منزل إسحاق قام به بعض المتظاهرين في ردة فعل غاضبة على مقتل أحد سكان أرض الله على يد إرهابيين صهاينة، وبعد ما رآه يوسف من انقطاع لم يعهده من إسحاق ورحيل الأخير لاحقاً عن أرض الله. مضت عدة أشهر تلقّى يوسف بعدها رسالة من إسحاق أرسلها من تل أبيب يخبره عن مكان إقامته الجديد، وأعقبت هذه الرسالةَ عدةُ رسائل أخرى منه. وبعد برهة من الوقت يقع إسحاق ضمن مجموعة من الصهاينة بين أيدي أهالي أرض الله بعد أن كانوا يعزمون على مهاجمتها ويلقى حتفه على أيدي من قبضوا عليه. حاول يوسف جهده أن ينقذ صديقه من براثن الموت مذكراً أهل أرض الله أن إسحاق كان واحداً منهم، إلا إنه لا يفلح في ذلك. كان لمقتل إسحاق أثر بعيد على نفس يوسف جعله يدرك قسوة الموقف، وكانت هذه الحادثة أول تجربة حقيقية ليوسف مع خسارة شخص من أحبائه. أصبح يوسف بعد مقتل صديقه ينظر إلى الصراع من زاوية أفضل وزالت الغشاوة عن الخطر الحقيقي والذي يشمل احتمال أن يخسر وطنه.

أبدع فوّال حين تحدث عن نضال سكان أرض الله الذين يسعون لحماية بلدهم ضدّ تقدم الصهاينة، حيث يشارك جميع السكان بالعمل لدفع الخطر بأسلوبهم الخاص لإنقاذ مجتمعهم. وقد كان يوسف ضمن الرجال الذين تقدموا للانخراط في صفوف المقاومة ضد الهجمات الصهيونية، ولكنه لم يحمل البندقية في حياته قطّ، لذا كان نوع المساعدة التي كان يقدمها تقتصر على تزويد المقاومين بالغذاء والمؤن الأخرى. لم يكن يوسف ليتخيل يوماً أن يشارك في الهجمات التي كانت تهدف لحماية أرض الله، ولكنه يدرك حجم الرعب الواقع على أهالي البلدة لأنه يملك الشعور نفسه.

خُيّل ليوسف أن ما حصل كان أسوأ ما يمكن أن يتوقعه المرء، إلا أن فاجعة أقضت مضاجع عائلة الصافي عند مقتل والد يوسف بطلقة من أحد الصهاينة. كان وقع هذه المصيبة عنيفاً بشكل شخصي على يوسف الذي راح يبحث عن إجابة لتساؤلات عديدة بشأن القتل الوحشي الذي تعرض له والده، بعد أن تركت هذه الحادثة في نفسه جراحاً يصعب مداواتها ومآسي لا يمكن وصفها. أما أهالي أرض الله فقد أدركوا أنهم قد خسروا بمقتل والد يوسف أحدَ أعظم الرجال الذين عرفتهم أرض الله. يتلقى يوسف بعد ذلك بعدة أيام صاعقة أخرى عند إعلان زواج سلوى، وأدرك من فوره ما يتحتم عليه فعله لينقذ سلوى من براثن زواجٍ أكرهت عليه إكراهاً، إذ ذهب إلى حفل الزفاف ووقف أمام من حضر من الأهل والأصدقاء وأعلن حبه لها. تم إيقاف مراسم الزفاف لينتقل يوسف إلى تحدٍ من نوع آخر، فوالد سلمى الذي أغضبه ما حدث قد اشترط عليه أنه إن أراد أن يتزوج سلوى فليفعل ذلك خلال أسبوع وإلا فلن يقبل به زوجاً لها أبداً. كانت المشكلة الوحيدة التي تحول بين يوسف وتحقيق هذا الأمر هي أن عائلة صافي كانت ما تزال في فترة الحداد، ولم تكن الأعراف الاجتماعية تسمح بعدم إتمامها.

كان النصر حليف يوسف في نهاية المطاف هذه المرة، حيث أتم زواجه من سلوى بعد أن توصلت العائلتان بعد نقاشات طويلة إلى حل وسط بينهما، وتم العرس بسلام وكسب يوسف جولة في نزالات حياته الشخصية. كانت التحديات ما تزال ماثلة في الأفق القريب، فالصهاينة يديرون اللعبة على الساحة الدولية كما يحلو لهم وأصبحوا يهاجمون مئات المدن والبلدات الفلسطينية المجاورة لأرض الله، وتملك الخوف الناس باقتراب موعد انسحاب القوات البريطانية المقرر في الخامس عشر من أيار، لأن انسحابهم كان يعني بالضرورة زيادة الهجمات الصهيونية على القرى والمدن الفلسطينية. تابع يوسف وأهل القرية انسحاب الجيش البريطاني بعيون يلفها الحزن, وانتهت بذلك فترة الانتداب البريطاني على فلسطين وبعدها بساعات أعلن الصهاينة قيام دولة إسرائيل، وأشعل ذلك فتيل حرب في الكثير من المدن كغزة والجليل والقدس، أما أرض الله فأخذت تحصن معاقلها وتجهّز أهل البلد لهجوم خطير من قبل الصهاينة.

إلا أن التطورات أخذت منحى مختلفاً عما توقعه أهالي أرض الله، فلم يكن هنالك هجوم إسرائيلي، بل كان التدخل من نوع آخر، إذ شهدت أرض الله بعد أيام من إعلان قيام دولة إسرائيل أمواجاً من اللاجئين الفلسطينيين المشردين، اجتمع عليهم الجوع والسلب والفاقة ويحمل كل منهم قصصاً من العذاب ومشاعر الحقد على الغاصب. قام يوسف ومعه زوجته سلوى وأمّه ياسمين بتقديم الطعام والشراب والمأوى للاجئين، اللذين اضطر المئات منهم إلى الإقامة في أي نقطة داخل بيت عائلة الصافي أو حوله. كان يوزع يوسف وقتَه بين مساعدة اللاجئين وتقديم ما يلزم لهم، وبين الاستماع إلى قصصهم, وكان يواسيهم بما يقصهم عليهم مما حل به هو من ألم وما تملكه من يأس. وكان من ضمن ما سمعه يوسف أن المدن والبلدات التي تشتهر برجالها البواسل أولي العزم والإقدام قد سقطت بأيدي الصهاينة، وكانت هذه الأنباء أشبه بصاعقة نزلت بيوسف وجعلته على خوف دائم مما يمكن أن يحل بأرض الله.

كان يوسف على موعد في الفصل التاسع والعشرين من الرواية مع العيش مع معاناة اللاجئين من حوله وجهاً لوجه ليستيقظ هو وعائلته قبيل بزوغ الفجر على صوت بعض الانفجارات قريباً منهم، تبعها صوت طرق على الباب. كان في الخارج مجموعة من الجنود الإسرائيليين الذين أجبروا العائلة على إخلاء المنزل وعدم الاقتراب منه. انتُهكت حُرمة المنزل وسلبت عائلة صافي جميعَ ما تملكه، وتكرر المشهد مع بقية العائلات الفلسطينية في أرض الله. كانت الطريق نحو ملجأ آمن رحلة شاقة تكتنفها المخاطر ولا يصل إلى ذلك المكان سوى القليل. كان والد سلوى، أنتون طويل، أول من يسقط في هذه الطريق ولم يتمكن أحد من إنقاذه، فترك وحيداً لا يغطيه سوى عباءةٌ وحطةٌ بيضاء.

يستمر مسلسل المعاناة في حياة يوسف الذي أصبح النضال يعني بالنسبة إليه أن يحافظ على عائلته، ولكن حتى هذا لم يتحقق له بعد أن تفرَّق شملُ العائلة خلال النكبة. أضنى يوسف نفسه في البحث عن سلوى وأمه ولكنه لم يجد أثراً لهما. مضت عدة أيام، وتبين أن أمه ياسمين في أريحا، أما سلوى فلا خبر عنها. يهاجر كلٌّ من يوسفَ وأمّه إلى عمَّان يحدوهُ الأملُ بأن يلتئم الشملُ مع سلوى هناك, وأضحى كسيرَ الخاطرِ تختلجه أحاسيسُ القلق والهجران والأسى، وبدا المستقبل أمامه شاحباً لا يُرتجى منه خير، كيفَ لا وهو لا يدري إلى أيّ منزل يأوي هو وعائلته؟

قد تكون قصة يوسف غيضاً يسيراً من فيض قصص معاناة الفلسطينيين التي مروا بها وما زالوا، إلا إنها تتميز بما تشتمل عليه من أبعاد شخصية قريبة لكل فلسطيني وذلك بما تعرضه لنا من صور المأساة والعذاب والفاقة، وهي صور عايشها جميع الفلسطينيين في تلك الفترة.

تتبوأ سلوى مكانةً مميزة بين شخصيات الرواية التي لها أثر عميق على تطور شخصية يوسف وتحولها، ولا بد من الاهتمام بها بشكل خاص، فهي القوة التي شكلت هوية يوسف وشخصيته. عاشت سلوى وعائلتها في أرض الله منذ أجيال عديدة، تماماً كعائلة يوسف، وكانت قد أحبته كما أحبها، إلا أن أعراف المجتمع كانت دائماً تحول بينهما. لم تكن سلوى مجرد امرأة ملكت على يوسف شغاف قلبه بل كانت في الرواية رمزاً يمثل الشعب الفلسطيني. تكلل حبهما لبعضهما بالزواج بعد صراعات مريرة ليكونا معاً، وقد نجح فوّال في تصوير هذه الوحدة التي جمعت بينهما ليشير إلى أن فلسطين وشعب فلسطين في وحدة أبدية أمام الله وأمام العالم. كان يوسف يرى ارتباطاً لا سبيل لفصله بين سلوى وفلسطين حيث يقول: “إن سلوى وفلسطين هما تمام ثالوث روحه” ، وفي هذا المجاز الديني إشارةٌ إلى أنّ فلسطين وسلوى سيّان ليوسف، فكلاهما مقدّسٌ ولا ينفصلان. ويظهر لنا في الرواية مدى الثبات في العلاقة التي تربط يوسف بسلوى وأنها بالفعل علاقة لا تنقضي، فتراه يقسم أن لا ينقض عهد الحب الذي بينهما حين أخبرته بأمر خطبتها، وحين تزوجها عاهدها بأن لا يتخلى عن الأرض التي تعلق قلبُه وقلبُها بترابها, ولما فرق النزوح بينهما، أخذ يوسف على نفسه أن لا يألو جهداً في العثور عليها.

ومن أبرز الجوانب في رواية فوّال إبداعه في وصف الشخصية الرئيسية في الرواية وهو يوسف، حيث كان من أهم ملامح الجاذبية في شخصيته إيمانه الراسخ بأنّ السلام ممكن لو تمكن طرفا الصراع من الحوار بصدر منشرح وعقل متفتح. كان جانب البراءة في شخصية هذا الشاب يضفي عليه سحراً مميزاً، خاصة أنّ تمَسُّكه بالسلام امتزج مع عاطفته الجياشة التي تربطه بالبشرية جمعاء، وهي العاطفة ذاتها التي يكنّها في قلبه لكل فرد من شعب فلسطين. وللقارئ أن يلحظَ هذا التعاطف حين يبكي يوسف مقتلَ صديقه اليهودي إسحاق وتعاطفه مع عائلة الشعلان، بالرغم من أن جميع من في أرض الله كانوا يرغبون في قتله لمحاولته مهاجمة البلدة. “كان يوسف مشغولَ البال قلقاً على عائلة إسحاق. لم يعرف من نقل الخبر لأمّه، ولم يدر كيف كانت ردة فعل أبيه. كان يوسف يفكر في حال ذويه في مصابهم بمقتل ابنهم وقنوطهم لما حل بهم”. ونلحظ أن الكاتب هنا قد جانب إلى حدّ ما واقعيةَ الحياة ومعطيات الصراع, خاصة في تلك الفترة المبكرة من النكبة الفلسطينية، وأضفى صبغة مثالية انطبع عليها فّوال فيما يبدو وعبّر عنها من خلال يوسف، الذي جمّد أحاسيسه وانفعالاته وكاد الراوي يجعله في مصافّ الكمّل من بني قومه. أما الصورة التي رسمها الكاتب ليوسف كشخص يقف عاجزاً أمام المصائب فتتغير في مواقفَ كثيرة حين يحاول التأقلم مع المأساة التي يعانيها أفراد الشعب أثناء الحرب. وراح يوسف بعد وقوع مجزرة دير ياسين يسائل نفسه وكأنه لم يعد واثقاً من جدوى الحل السلمي، خصوصاً وهو ينقّب هنا وهناك عن أخبار ضحايا المذبحة. ويتجلى هذا التردد في الفصل الثامن عشر حيث يقول الراوي: “أصبح قلبه تمزقه الحيرة الآن، فكيف يمكنه أن يناصر الحل السلمي بعد ما قرأ عن هول ما حصل؟ لكنه لا يزال يعتقد أن الحل لا يكمن في القتال”. وإن هذا النضوج السلمي في شخصية يوسف لهو أمر غريب مستهجن في الفترة التي تتناولها الرواية، وفي هذا مثالٌ آخر على طغيان العاطفة المثالية والسذاجة التاريخية في بعض أجزاء رواية الفوال.

وتتكلف الرواية أحياناً وهي تصور لنا يوسفَ شخصاً ذا مشاعر مرهفةٍ في ربيع شبابه يحاول جاهداً أن يصل إلى معنى وراء حالة العدوانية الصاعدة التي تطوق الأجواء حوله. وتمضي الرواية لترينا كيف أصبحَ يدرك الخطر الذي يحيق بمنزله ويقسم أن لا يتخلى عن بلده، وهو عهد أخذه على نفسه أمام الله وزوجته سلوى. كانت ثقته بأنه سيعود مع سلوى إلى أرض الله ليرى بيته من جديد هي القوة التي أبقته صامداً دون يأس من الحياة. ومما ميز يوسف عن الشخصيات الأخرى ذلك الشعور بالارتياع حين رأى الأرض التي عشقها قد أضحت منطقة حرب وصراع. يذهب يوسف إلى القدس الشريف مع أمه التي رغبت في الاطمئنان على والديها ويجد نفسه عرضة للنيران الإسرائيلية، حيث شهدت القدس قصفاً عنيفاً بالقنابل حصد أرواح 27 مواطناً. لم يتمكن يوسف أثناء هذه المحنة إلا أن يشعر بالأسى لما حل في المدينة المقدسة من دمار وقتل؛ “لقد علم في قرارة ذاته أن النهاية قد حلت على المدينة المقدسة”. كانت الروح الإنسانية المليئة بالعطف والشفقة هو ما جعله ينال محبة جميع من حوله من أقارب وأصدقاء.

لا تزال شخصية يوسف تأسرنا بما يمتلكه من فهم عميق وذوق مرهف وبصيرة نافذة. فترى القارئ مثلاً وقد أعجبه من هذا الفتى ما يملكه من حب لجميع الفلسطينيين وتقبّل وتقدير لهم غيرَ واضع في معيار حكمه ما يدين به هؤلاء الناس. ويتضح لنا هذا من خلال ما يشعر به يوسف بعد أن عاين قصف القدس في الجزء الذي نقرأ فيه ما اختلج في صدره من أحساسيس تجاه المدينة المقدسة وأهميتها الدينية. لكنّها في كثير من الأحيان شخصية الكاتب ذاته التي تحسبها تتمثل في يوسف وما يفكر به وما يسعى إليه، وكأنه ليس هو الفتى ابن السبع عشرة عاماً، بل رجل يعيش في عالم من المُثلِ لا يكاد أحد يشاركه فيه، وهذا هو موطن التكلف في رواية تتناول أحداث النكبة.

ولدى فوّال قدرةٌ على المزج بين التاريخ الواقعي لفلسطين في العامين 1947 و 1948 وعنصر الخيال الروائي في عمل واحد، بحيث يخرج لنا صورة  لواحدة من قصص الألم الفلسطيني العديدة في تلك الفترة. كما تميّز فوال حين تمكن من وصف ردة فعل الفلسطينيين لبعض الأحداث التاريخية، فهو يضع أمام القارئ بعض النقاط التاريخية كقرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين و انتهاء الانتداب البريطاني عليها وما تلا ذلك من إعلان قيام دولة إسرائيل في صيف 1948. ونذكر أيضاً وصف الكاتب الدقيق بأسلوبه المؤثر لمجزرة دير ياسين في نيسان 1948. كان معظم أهالي أرض الله يحاولون التأقلم مع حقيقة ما جرى في المجزرة، إلا أن يوسف عبر عن مشاعر حزنه بشكل مختلف، فذهب إلى الصلاة وطلب إلى الأب مايكل أن يعلن الحداد على ضحايا المجزرة بأن يقوم بدق أجراس كنسية القديس جورج الكاثوليكية خلال الليل. كما يدفع فوال بقارئه للربط بين الأحداث ليزيل الغطاء عن بعض الوقائع التاريخية ويكشف العلاقة بينها، فمجزرة دير ياسين على سبيل المثال ترتبط بشكل مباشر مع نكبة 1948 والتي شهدت إخلاء 400 بلدة في فلسطين بشكل كامل. وكانت بلدة أرض الله في الرواية إحدى هذه البلدات التي اغتصبها الصهاينة وأجبروا أهلَها على تركها بما فيها خلال النكبة. كان معظم أهالي أرض الله يخشون من تكرار دير ياسين في بلدتهم وهذا ما كان يدور في خلدهم حين قام الجنود الصهاينة بمهاجمة البلدة، وهذا الخوف هو الذي يفسر رحيل بعض الفلسطينيين من قراهم حيث دب الرعب في قلوب الجميع بعد المجزرة، إذ توقعوا مجزرة مماثلة في ربيع 1984. كما تظهر مهارة الكاتب في ربطه بين قصة أرض الله وسكانها مع تاريخ فلسطين مما أعطى يوسف وقصته صبغة واقعية تتجاوز الزمان والمكان وتترك أثراً على القراء على اختلاف مشاربهم وخلفياتهم.

تمنح رواية على تلال الله قارئها مفتاحاً لما استغلق عليه بشأن فلسطين والصراع على أرضها، فالكاتب يروي قصة أرض الله، قصةَ بلدةٍ فلسطينية تمثل كل فلسطين، ويوسف صافي رمزِ الروح الفلسطينية التي لا تفنى ولا تنكسر.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s