ثمن الجنس

 

ثمن الجنس: مغامرة صحفيّة خطيرة لغرض نبيل

ميمي شاكاروفا

ترجمة محمد زيدان

نشرت الترجمة في نون بوست 20 يونيو 2015

أتساءل أحيانًا إن كنت سأخوض هذه المغامرة مجدّدا.

هذا ما يضحك في الحياة. الخبرات تأتي بشكل عشوائي ومتقطّع، ويأخذ الأمر سنوات إلى أن تتشكّل القصّة.

لم أكن عازمة على قضاء أكثر من سنة في تغطية عمليات الاتّجار بالبشر، ولكن الأمر أخذ مني سنوات عشرة. كنت أودّ في البداية أن أركّز في عملي على دولتين وحسب، ولكنّي وجدت نفسي الآن وقد تناولت تسعة بلدان.

كانت أمي قبل أسفاري تسألني وتقول: “لقد عانينا سنوات طوالًا حتى خرجنا من حالة الفقر، لمَ تصرّين على الرجوع إليه؟” فأجلس في مطبخها برهة وأجد أنّ الجواب الوحيد الذي أملكه هو أنّه مألوف، مألوف جدّا.

بوسعي أن أقول الشيء ذاته عن دول البلقان، فكلما حطّت الطائرة في بلد منها، أشعر أنني في بلدي، فحين كنت أذهب إلى تركيا أو اليونان أو ألبانيا أو بلغاريا (مسقط رأسي) أو مقدونيا لم أكن أشعر بأني غريبة، إذ كنت أفهم ثقافة هذه البلدان، سبلها القاسية وفكاهتها السوداء.

إلا أنّ هنالك أمرًا لم أحسن فهمه. ما الذي دهانا؟ كيف بتنا نبيع بناتنا؟ كيف صرنا ننتفع من الخداع والعنف؟

كنت في بداية أمري مصورة صحفية، كنت أرى العالم عبر الكاميرا، وكنت أرغب في العودة والعثور على بعض الفتيات اللواتي نجون من المهرّبين والقوّادين وهربن من بين أيديهم.

كنت أعرف فكرة العار التي تعشش في ثقافتنا، وأدرك أنّ البنت بمجرّد إجبارها مرة على البغاء فإنها لن تتمكن من العودة وأن تظنّ أن أهلها في القرية سيتفهمون مصابها. كانت ستجد العار والخزي والإهمال حتى من أقرب ذويها.

مرحلة التدمير

لم يكن من السهل العثور على امرأة ناجية من هذه الظروف. ذهبت إلى بعض الملاجئ والتقيت بمحامين وناشطين اجتماعيين، وحين تمكنت أخيرًا من الجلوس مع إحدى الفتيات الناجيات وأخرجت كاميرتي ألفيت في عينيها رعبًا لا يمكن وصفه.

ظننت أنها خائفة من أن تظهر صورتها وتنتشر فيعرفها أولئك الذين هربت منهم، إلا أنّ الأمر ليس كذلك.

لقد كانت هذه الكاميرا تذكّر هؤلاء الفتيات بالتجربة المريرة للاتّجار بهنّ. فقد كنّ عادة يخضعن للتصوير من قبل القوّادين خلال مرحلة تعرف باسم “التدمير”، وهي أيام أو أسابيع من التعذيب والاغتصاب التي تهدف إلى كسر روح الضحية ومقاومتها، وبعضهنّ خضعن للتصوير بالفيديو أثناء عمليات اغتصاب جماعيّ.

وكانت هذه طريقة فعّالة للسيطرة على الضحايا. “إن فكرت بالهرب منا فإن لدينا الصور ولدينا الدليل. نعرف أين تسكنين، وسنرسل هذه الصور لوالدك وأمّك.”.

أدركت حينها أنّ الكاميرا لن تنفعني في عملي هذا. فقد كنت أحتاج إلى الوقت والثقة، ففي بعض الحالات احتجت إلى أشهر وأحيانًا إلى سنوات.

أخرجت دفتر ملاحظات وبدأت أستمع إلى حكاياتهنّ. عدت إليهنّ كلما أمكن، ومع الوقت بدأت بفهم حقيقة تجارة البغاء ومحركاتها: الفقر المدقع والطلب المستمر والفساد.

إن إظهار وجود هؤلاء الفتيات ليس وحده الدليل على شجاعتهنّ وقوّتهنّ.

ولكنّ الجانب الضائع من القصّة هو ما يجري لهنّ عند بيعهنّ في الدول حيث كنّ يؤخذن كعاملات بغاء.

قرّرت أن أتبع رحلتهنّ حيث ذهبت إلى بعض أحياء البغاء وبيوت الدعارة في إسطنبول وأثينا ودبي وبراغ وغيرها.

الشرّ في الباب المجاور!

كان الأمر خطيرًا، ولكنّي واجهت مشكلة إضافية، إذ لم يكن باستطاعتي أن أتصرف كزبون كما فعل بعض زملائي من المحققين الصحفيين في مثل هذه القضايا.

كما لم أمتلك الميزانية التي تتيح لي أن أجري عملية تحقيق صحفي أكثر تعقيدًا. كانّ عليّ أن أكون واحدةً منهنّ وأن أضع خطة تتيح لي أن أدخل إلى دائرتهنّ، وأن أدخل بكاميرا سريّة وأسجل ما كنت أراه.

يمكن للشرّ أن يختفي وراء الاعتياد عليه.

تخيّل معي: إحدى الشقق في أحد الأحياء البسيطة في إسطنبول وبسطة فواكه في الجوار، حيث يعيش في الشفة رجل وزوجته مع اثنين من الأطفال ولديهم غرفة إضافية مغلقة دائمًا.

يطرق بعض الرجال الباب خلال النهار، وتكون الحركة في أشدها وقت الغداء، يفتح الزوج باب الغرفة ويقف في الخارج ثم يرافق الرجال إلى باب العمارة بعد الانتهاء، يجمع منهم المال ويطلب منهم أن يزوروه مجددًا.

تكون الزوجة في تلك الأثناء وأطفالها منشغلين بعمل البيت الروتيني فتغسل الأطباق أو تشاهد التلفاز.

أما هذه الغرفة فمحبوس فيها ثلاث فتيات تم تهريبهنّ من مولودوفا، وعلى الأرض بعض البطانيات القذرة ينمن عليها، يلبسن قمصانًا وملابس داخليّة أما النافذة فمغلقة تمامًا. لا فرصة للاستحمام لأيام عديدة.

يدخل الزبون الغرفة، يختار البنت، ويكون الدفع بالدقيقة. أما من لم يقع عليهما الاختيار، فتجلسان في الزاوية إلى أن ينتهي الزبون، تواجهان الجدار عادة، لكنّهما لا تبكيان الآن.

إحدى البنات تبحث عن شيء حاد لتقطع نفسها من المعصم وتموت إلا أنّها لا تجد شيئًا في الغرفة. تفكّر في سرقة شيئًا من زبون حين يأتي، سكيّن مثلًا، ولكن أنّى لها أن تمدّ يدها إلى جيبه!

مرة في اليوم يفتح الرجل، الزوج والأب، ذلك الباب، ويرمي بعض حبات الموز في الغرفة، ثم يغلق الباب بسرعة. لا تمثل له هؤلاء الفتيات شيئًا سوى حيوانات قذرة.

النساء يبعن النساء أيضًا

بعد أن أطلقنا الفيلم الوثائقي “ثمن الجنس” سافرت مع الفيلم لسنتين وتكلمت مع الناس من مختلف أنحاء العالم، ومع نهاية السنتين عددت المدن والمحافل التي تكلمت فيها فكانت 67.

لقد كانت الأسئلة متشابهة نوعًا ما: كيف أثّر هذا العمل عليك؟ ألا تعتقدين أنّ الرجال هم السبب لاستمرار هذا الأمر؟ ما الحل؟ هل تعتقدين أنّ إنتاج فيلم حول قضية بهذا التعقيد أمر كاف؟

نعم، لقد غيّرني هذا العمل على هذا الفيلم، لقد رأيت أسوأ ما يمكن للبشر القيام به، لقد أمضيت الكثير في حضرة الحزن الذي لا نهاية له. إنّه أشبه ببئر لا قعر لها فيها ماء أكثر سوادًا من الليل الحالك. إنّه مكان لا فرصة لك للعودة منه بلا أذى. بمجرد دخولك ذلك العالم تجده يستهلكك ويقضم أحلامك، والصورة تكون أكثر ما تكون وضوحًا أثناء الليل.

لا، ليس الرجال هم السبب الوحيد لاستمرار تجارة البغاء وتهريب الفتيات للجنس في العالم، فكثير من النساء يقفن لا يحرّكن ساكنًا.

النساء يبعن النساء، والنساء يخدعن النساء.

أي شخص يعمد إلى تبسيط القضية لا يساعد في حلّها. إنّ الأمر قائم على الربح. لا علاقة للأمر بحياة الإنسان وقيمتها، ليس هذا أصلًا موضع نقاش أو اهتمام. قد يتطلب الأمر أن تمضي بعض الوقت حول القوادين والمتاجرين بالبشر لتعرف كيف ينظرون إلى المرأة التي تباع وتشترى، فهي ليست أكثر من حيوان أو شحنة بضاعة أو سلعة للاستخدام وإعادة البيع أكبر قدر من المرّات.

فإن أساءت إحداهنّ التصرّف أو مرضت أو تأخرت في أداء ما هو مطلوب منها، فتكون عرضة للضرب أو القتل أو يلقى بها في البحر أو تدفن أو تلقى من مكان مرتفع، ثم تحل مكانها فتاة أخرى.

أمّا إن جرحت نفسها كثيرًا محاولةً الانتحار فيجري بيعها لبيت بغاء يحبون فيه البنت التي تظهر عليها الندوب.

هنالك سوق لكل صنف، حامل؟ قد يكون هذا أفضل، بل يمكن أن يضاعف السعر في دبي، فهنالك زبائن يحبون الفتيات الحوامل.

هنالك زبائن يبحثون عن فتيات مسجونات ومجبورات على ممارسة البغاء، وأعرف ذلك لأنني رأيت هذا بأمّ عينيّ. إحدى الفتيات كشفت يومًا عن صدرها أمامي وقالت: صوّري! وكان صدرها مليئًا بآثار حروق السجائر. أخبرتني بأنهم كانوا يستخدمونها كمنفضة سجائر.

لم أتمكّن من التقاط الصورة، أخبرتها بأن تزرّر قميصها، وجلسنا بعدها صامتين.

عملي هو سلاحي الوحيد

رغم أني حصلت على جائزة للشجاعة الصحفية من مركز لينكولن في نيويورك إلا أنه كان أجدر بهم أن يمنحوني جائزة للغضب. لا أجد أي شجاعة فيما قمت به.

سلاحي الوحيد هو عملي، والطريقة الوحيدة التي أمتلكها للبحث عن العدالة هو من خلال إعداد التقارير وصناعة الأفلام. كل ما عرفته عن التجارة بالبشر لأغراض البغاء صار جزءًا من الوثائقي “ثمن الجنس”.

لقد استُخدِم هذا الفيلم الوثائقي من قبل شرطة مكافحة الفساد في صربيا حتى قبل إطلاقه، ثم طلبت وزارة الداخلية الأمريكية استخدامه بعد عدة أشهر كأداة تدريبية في السفارات حول العالم.

ثم دعيت من قبل مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة لمناقشة الممارسات الهادفة لمكافحة الفساد. وأخيرًا، وبعد عدّة سنوات من عرض الفيلم في المهرجانات والجامعات والشاشات حول العالم تمكنت من الوصول إلى المشاهدين في تركيا.

تواصلت معي قناة سي إن إن التركية وأجروا معي مقابلة حول العمل الذي أجريته في إسطنبول، كما نشرت واحدة من أهم الصحف التركية تقريرًا موسعًا عن الفيلم وعن النساء اللواتي تم بيعهنّ لأغراض البغاء في إسطنبول.

أفكّر أحيانًا وأسأل نفسي إن كنت سأقوم بهذه المهمّة لو دار بي الزمن وأخاطر بنفسي لأعرف كلّ هذا الذي أعرفه الآن؟ أن أتنكّر على أنّي عاهرة وأدخل دور الدعارة لأعثر على بعض المعلومات دون أن أبدي أي خوف أمام الآخرين؟

أعتقد أنني سأفعل ذلك لو أدركت أنّ الأثر سيكون كبيرًا كما هو الآن بعد عرض الفيلم وانتشاره. فهنالك الملايين ممن شاهدوا الفيلم، مما ساعد في تغيير المفاهيم والتصورات لدى الكثيرين، وقد صار أمام الشباب الآن أداة يتعلمون ويستفيدون منها.

ولكنّ الجزء المجنون منّي يقول نعم، سأقوم بها حتى لو شاهد الفيلم عشرون شخصًا فقط، وذلك لأني لا أستطيع أن أخذل كل الفتيات اللواتي منحنني الثقة لأكتب قصصهن وأن أقوم بشيء نافع بها. لا أستطيع أن أخيّب أملهنّ.

المصدر: الجزيرة الإنجليزية

فكرتان اثنتان على ”ثمن الجنس

  1. “النساء يبعن النساء أيضًا”😦
    ————
    أحد “الأشياء” الفرعية (ربما) التي استوقفتني
    كانت التغطية لفكرة أن الشيوعية كانت أحد الأسباب وراء
    ما حدت لتلك النسوة / الفتيات.
    * مجرد ملاحظة لا تنفع في محو بؤس من عانى منهن

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s