بحثا عن فاطمة

بحثاً عن فاطمة

مراجعة

ترجمة محمد زيدان

المجلة الثقافية-الجامعة الأردنية

ما أقلَّ ما يرد ذكر مأساة ملايين اللاجئين الفلسطينيين عند الحديث عن الآثار المترتبة على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وما أكثرها. فمعاناتهم تتعدد وجوهها وتَعظُم جسامتها، وهي عادةً ما تستحْكم ولا يمَّحي أثرُها، ولربما زاد الوضعَ تعقيداً نموُّ هُويةٍ فلسطينيةٍ راسخةٍ. وقد ألحقت الأزمة الفلسطينية ضرراً بالغاً بهوية الفرد الفلسطيني، فإن كانت كلمة “الهوية” تترادف مع “الوحدة” و “الكينونة” و “التميز” في كل أرجاء العالم، فإنها تترادف عند الفلسطينيين مع “الشتات” و “والخوف” و “الغربة”.

وتعدّ مذكرات إدوارد سعيد سجلاً متميزاً لهذا القلق الداخلي وضّحه بأسلوب لا يُنسى في “خارج المكان”، الذي كان تأملاً في المهجر وضياع الحق وشعور الغربة الخانق الذي نجمَ من محاولة استئصال الهوية الفلسطينية إثر الاحتلال الصهيوني للأرض. وقد حاول سعيد، الذي عاش متأثراً بثقافتين مختلفتين كلاهما يبعث في نفسه مشاعر التنكر، أن يجد الشعور الغامر بالانتماء. فمذكراته قد أتت ضمن مستويات متعددة، وهو يروي لنا في إحداها مشاعر الفلسطينيين المحرومين من أي كينونة ذاتية، ولذا جاء كتاب “خارج المكان” تعبيراً عن تلك الحاجة الماسة لتمثيل مأساة الهوية الفلسطينية ليدركها المجتمع العالمي.

غير أن هذه القضية قد تلقت مزيداً من التحليل في مذكرات غادة الكرمي المؤثرة التي جاءت بعنوان “بحثاً عن فاطمة”، وهي مذكرات تصوّر الأبعاد المتعددة للمأساة الفلسطينية، ولكنها فوق ذلك تروي معاناة فتاة فلسطينية صغيرة، تحاول طيلة حياتها أن تكتسب ثقافة في مجتمع ما، ظنّاً منها أن الشعور الطبيعي يمكن أن يتحقق، أو أنه سيتحقق فعلاً في حياة طالها التمزيق. ولذلك فإن كتاب “بحثاً عن فاطمة” يصور سعي غادة الكرمي للعثور على هوية فلسطينية كاملة ومقبولة، وقد أسهمت غادة بشكل متميز بإثراء أدب المهجر في هذه المذكرات الغنية بالتجربة الإنسانية.

تبدأ المذكرات من مسقط رأس غادة الكرمي وتلقي الضوء على الأحداث التي أرغمت عائلتها على مغادرة بلادهم والتخلي عن حقوقهم، فهي ترسم شكل الحياة في حي القطمون، وهي منطقة سكنية على أطراف القدس، في أواخر الأربعينيات من القرن العشرين، وتعرض غادة الكرمي للقارئ، وهي ابنة السنوات التسعة، حياة أسرتها في القطمون، وتفشي اليهود في فلسطين، وأفكار ومشاعر طفلة لا تكاد تدرك من صغر سنها سبب حرمانها من الحياة التي تعرفها وتعكير صفوها بهذه الطريقة. وتضم القصص التي ترويها غادة الكرمي للقارئ تلك النزهات التي كانت تقوم بها مع أخيها زياد والكلب ريكس، من أجل أن يضعوا الزينة على شجرة عيد الميلاد عند بيت الجيران، وأن يشاركوا في حفلات “الاستقبال” التي كانت تقيمها أمها وتدعو إليها الجارات، وكل هذا من ضروب الأنشطة التي ميزت الثقافة الفلسطينية. بيد أن المحزن في هذه الحكايات هو الشعور الدائم بالخطر المحدق في الأفق الذي يثير مشاعر التوتر وعدم الأمان عند عائلة غادة.

كما تقدم غادة وصفاً دقيقاً لوالديها وإخوتها، فوالدها على سبيل المثال “قارئ نهم وجامع للكتب” وهو موظف يعمل في القدس، ويعرف عنه النزاهة ورجاحة العقل. ويبقى هذا الأب الذي يزرع في غادة الكثير من صفاته، شخصية تتمتع باحترام وهيبة في جميع مراحل هذه المذكرات. ولكنّ أمها هي التي تستحوذ على اهتمام القراء بشخصيتها البائسة الحزينة، وترى غادة تتحدث عن أمها بوصفها امرأة ذائعة الصيت في المجتمع، دائماً ما يمدحها الناس لمهارتها في الطبخ وحرصها على ترتيب بيتها وكرمها مع ضيوفها، غير أنها من الناحية الشخصية تمثل لغادة على الدوام صورة الحاجة الملحة والسعي الدؤوب لبعث الاستقرار في روح الأسرة وإعادتها لحياتها الطبيعية التي كانت تحياها في القطمون قبل أحداث عام 1948. وهذا السعي تجاه الحياة الطبيعية سينتاب غادة طيلة حياتها، فهي التي شاهدت أمها وهي تعاني الأمرّين وهي تحاول إحياء ذكرى الوطن.

ستبدو علاقة غادة مع أمها غير مكتملة، لأنها ستتلقى حنان الأم من مصدر غريب تماماً في سنيّ طفولتها المبكرة، فهنالك في القسم الأول من هذه المذكرات شخصية مهمة تناولتها غادة، ألا وهي فاطمة الباشا، وهي فلاحة من قرية المالحة، وهي التي تقوم بإعداد الطعام وتنظيف الملابس ورعاية غادة وإخوتها، وتوضح غاد أنها تعاملت مع فاطمة على أنها أمّ وأحبتها حباً كبيراً. وبالرغم من غرابة هذا الشعور عند بقية إخوتها، إلا أن غادة تؤكد أن حبها لفاطمة فطري وحقيقي، لأن وجود فاطمة في حياة غادة في هذه المرحلة المبكرة من الكتاب قد مثل لها مصدر أمن وراحة، ومن ثم تصير شخصية فاطمة في الأجزاء الأخيرة من المذكرات رمزاً للوطن التي بدأت تتوق إليه غادة بعدما كبرت.

كما تخوض غادة في المعنى الرمزي لاسم فاطمة الذي هو رمز الهوية الثقافية الفلسطينية. إذ تبدأ غادة بالإشارة إلى أن فاطمة بردائها التقليدي المطرز كانت رمزاً في ما مضى على حياة الفِلاحة في فلسطين، ولكنها الآن بذاك الرداء المطرز نفسه قد أصبحت رمزاً للتراث الوطني الفلسطيني، أما الفلاحون التي تنتمي فاطمة إليهم فهم “رمز الإصرار والبساطة والثبات”، إذ أمسوا صورة عن فلسطين والكفاح الفلسطيني أمام الاعتداء الصهيوني.

ولكن الرياح أتت على عكس ما تشتهيه غادة وفاطمة، حين حيل بينهما في الفصل الرابع لما يرى والد غادة ضرورة مغادرة الأسرة إلى إنجلترا (بعد التوقف في دمشق)، وذلك بسبب التطورات السياسية الخطرة التي تزداد خطورتها، ولاسيما مجزرة دير ياسين واستشهاد عبد القادر الحسيني في نيسان عام 1948. وقد أتت قصة رحيلها عن القطمون مفعمة بالصدق والتأثر، لأنها قصة تحكى من منظور طفلة فلسطينية تحاول بكل صدق أن تحاول فهم السبب الذي يجبرها على المغادرة والابتعاد عن فاطمة التي أحبتها من كل قلبها. غير أن هذا الحزن لا يظهر في الكلمات التي ترد على لسان الطفلة، وليس هذا بسبب أن غادة الصغيرة لا تعرف الكلمات المناسبة للتعبير عن هذه المشاعر، بل لأن ما شعرت به فظيع ولا حد له.

ثم إن هذه المشاعر الغامرة من سلبٍ للحقوق وضياع للحلم العربي الذي وصفته غادة في غرةِ كتابها تتجدد بقوة لما تصل هي وعائلتها إلى دمشق. فلقد كان هذا الشرخ في أصله بسبب العدوان اليهودي الذي حرم أسرة الكرمي من العيش الكريم، غير أن الأمر في دمشق كان متعلقاً بالابتعاد الحقيقي عن الوطن الوحيد الذي عاشت به عائلة الكرمي والتحول عن أسلوب الحياة الذي ألفوه ولم يألفوا شيئاً سواه. ويظهر أن المصيبة الجماعية من حول غادة قد ألقت بثقلها على الطفلة الصغيرة التي تحاول أن تبكي بصمت خسارة بيتها في القطمون. وتقول غادة في هذا الصدد: “لا أحد تسائل عن ذاك التحول الغريب في الأحداث، ولاسيما سهام وزياد، ولذلك أراني قد دفعتني حيرتي وتيهي إلى أن أحذو حذوهم وأن أحتفظ بحيرتي بيني وبين نفسي. إن إخلاصي لفاطمة وبيتي وطفولتي أصبح أمراً من خصوصياتي، وسراً أرعاه وأحفظه.”

أما القسم الثاني من مذكرات غادة وعنوانه “إنجلترا”، فقد كان مثيراً وجاداً في نبرته وصادقاً في عاطفته. وفي هذا الجزء بيان للجوانب المتعددة للقضية الفلسطينية حين يصبح الإبعاد أمراً واقعاً. فيعد عام واحد في دمشق، تغادر عائلة الكرمي إلى إنجلترا، والمفارقة العجيبة هنا هي أنهم استقروا في حي يهودي في منطقة جولدرز جرين شمال لندن، ولا ريب إذن أن تشهد حياة هذه العائلة تحولاً من نوع ما، لأن البيئة المحيطة بهم لن ترضى بأي شيء دون ذلك. ولكن ردة الفعل ستختلف عند والد غادة ووالدتها، فالأب سيتوجه للعمل مع هيئة الإذاعة البريطانية (البي بي سي)، وسيقرر التأقلم مع الحياة الإنجليزية. أما أمها فتقرر أن لا تسير على إثر الزوج وبقية الأطفال، وتصفها غادة بأنها “الآنسة هافيشام[1] الفلسطينية” التي جعلت عقارب الساعة تتوقف عند عام 1948 وترفض إنجلترا وتأبى أن تصبغ حياتها بالصبغة الإنجليزية. بل إنها تجنح إلى شيء من التطرف لما تقرر أن تجعل من بيتها صورة للبيت الفلسطيني في وسط حي يسكنه اليهود، وقد اشتمل هذا على غزل البسط، ووضع بلاط جديد (يشبه بلاط بيتهم في القطمون)، ومنع الوسائل التقنية الحديثة مثل التدفئة المركزية والثلاجة، ورفض تزيين البيت، لأنها رأت أنها سترجع إلى فلسطين عاجلاً أو آجلاً. ولكنها لم تكتف برفض التأقلم مع الحياة الإنجليزية، وإنما ذهبت لتشجع أبناءها على الإحجام عن التأقلم مع نمط هذه الحياة كذلك. ولذا كانت الحياة قاسية على والدة غادة لعدة سنوات أخرى، وتحولت هذه المرأة التي كانت من قبل ثرثارة اجتماعية ونشيطة بين النساء، إلى امرأة منعزلة فقدت كل مظاهر حيويتها.

إن هذا القسم من المذكرات يعج بقصص المحن التي عالجها اللاجئون الفلسطينيون في المهجر، كالبحث عن الحياة الطبيعية، والافتقار إلى أن يفهمهم الآخرون ويقدروا مصابهم، وأزمة الهوية المحيقة بهم، والتي تهدد نسيج الفرد الفلسطيني. وقد كانت الآثار التي تبعت هذا الإبعاد القسري عميقة ومهولة، وقد تجلى ذلك بوضوح في حياة الكاتبة، التي أصبح البحث عن طريقة للحياة لا تشعر فيه بالغربة ضرورية مهمة لها، علماً أنها وهي طفلة لم تجد قابلية لتقسيم ولاءها بين ثقافتين مختلفتين أشد الاختلاف. ولم تكن غادة كإخوتها الذين دل أسلوب حياتهم على أنهم مؤمنون بأنه الحياة التي رسموها لأنفسهم سترجع إليهم وأن عيشهم في فلسطين لا بد أن يستأنف مرة أخرى من جديد، بل سقطت في شرخ سحيق لا سبيل إليها للخروج منه، وبهذا تصبح حياتها صراعاً للحصول على الشعور بالانتماء لهذا المجتمع وأنها مقبولة فيه.

 وتوضح غادة الكرمي أن حياتها قد أصابها الفصام واعتراها النقص بسبب هذا المحيط الإنجليزي الذي تعشّقته وجعلته يقطع كل رابط يربطها بهويتها الفلسطينية. وقد اكتسبت هي هذا الحس الإنجليزي أول الأمر لما التحقت بمدرسة (La Sagresse Convent School) حيث البيئة الكاثوليكية والتي زادت من الفجوة بينها وبين الثقافة العربية. وقد كانت مرحلة المدرسة لغادة أمراً صعباً من الناحية الأكاديمية والشخصية، خصوصاً أنها عانت من صدمة ثقافية حادة. ولكن عملية التأقلم تأخذ مجراها بعد حين وتعتنق غادة تلك الحياة الإنجليزية، ولكنها مع ذلك تشير إلى أنّ هذه “السعادة الوهمية” ستنقضي حالما تصير أكثر إدراكاً للهراء السياسي الذي يحيط بها، وتبدأ حالة الوعي هذه بعد حدثين مهمين.

الحدث الأول هو أزمة قناة السويس عام 1956، وتوضح غادة الكرمي في هذا السياق مدى حضور جمال عبد الناصر على الساحة الدولية والأصداء السياسية لهذا على إنجلترا في نهاية الخمسينيات. وكانت النقاشات تحتد بين أفراد العائلة والأصدقاء عند الحديث عن الوضع السياسي بشيء من الحماسة، غير أن غادة، خارج ميدان العائلة، كانت تواجه انتقاداً كبيراً لجذورها العربية ولإخلاصها في دعم القضية العربية، فصار موضوع أزمة السويس والأسلوب السياسي لجمال عبد الناصر موضوعاً أساسياً للنقاش بين المعلمين وزملائها في المدرسة على السواء، وكان على غادة أن تحمل ذلك الوعي القاسي الذي من شأنه أن يضيق الفجوة بين جذورها العربية وانتمائها الإنجليزي الجديد. وسيكون لمثل هذه الحوادث وما ينجم عنها انعكاس على مواقف غادة السياسية، كما ستعمل على خلخلة هذه الحياة المغرقة بالمثالية التي توهمت غادة أنها في تناغم معها. وتذكر غادة في نهاية الفصل الثامن عن الأثر العميق الذي خلفته أزمة السويس في وجدانها فتقول: “لقد جعلتني أزمة السويس أراجع العديد من اقتناعاتي عن اليهود، ونظرتي إلى نفسي وإلى إنجلترا، ووجدت نفسي تائهة في خضم تلك المشاعر الخام والانفعالات الفطرية، ومثلي في ذلك كالأحجية التي لا أستطيع حلها”. وبهذا تصبح الحياة الإنجليزية التي تنبتها غادة بإذعان منها حياةً مهشمة، وسينتهي الأمر بها إلى المزيد من الدمار في نهاية الستينيات بالتزامن مع تدهور الأزمة السياسية في الشرق الأوسط وأزمتها الشخصية ففي بيتها.

تزوجت غادة من زميلها جون ثرونلي بعد أن تخرجت في جامعة بريستول عام 1964، وتجد غادة نفسها في أحضان عائلة زوجها التي استقبلتها استقبالاً حسناً، فتمكن لديها ما توهّمته من كونها  إنجليزية حقاً، وشعرت تلك العائلة أن هذا الزواج شيء طبيعي للغاية. بينما كان زواجها من هذا الرجل سوءاً على سوء بالنسبة لعائلتها، فجاء ردهم بمقاطعة غادة وإقصائها. ومع هذا تبقى غادة متفائلة بأنها وزوجها جون سيعيشان بسعادة ورضاً فيما بينهما بالرغم من الأزمة الثقافية التي نجمت عن ارتباطهما.

ثم يتعكر صفو هذه الحياة مرة أخرى، كما هي العادة في حياة غادة في إنجلترا، بتأثير التغيرات السياسية في الشرق الأوسط، وذلك بعد حرب الستة أيام عام 1967، والتي كانت الشعرة التي قصمت ولاءها الإنجليزي، وصارت واعية بأن حياتها كانت دائماً تتألف من عنصر يتميز بالتسرع وانعدام الواقعية، حيث تشربت ثقافة غير ثقافتها، وأصبحت مزيجاً من عالمين مختلفتين، وإذ بها “الفتاة الإنجليزية ذات البشرة الداكنة”. ثم تحل الصاعقة على غادة حين تدرك أن زوجها، من دون كل الناس، لا يتعاطف مع الفلسطينيين ولا حتى مع مشاعرها، وينتهي الأمر بإخفاق زواجهما وانفصالهما بالطلاق، ولكن هنالك دوماً جانب مضيء لكل قصة حزينة، وهذا ما سيحدث مع غادة، حيث كان طلاقها من زوجها دافعاً لها من أجل اكتشاف ذاتها وهويتها والتعرف من جديد على وطنها الفلسطيني.

إن حياة المهجر وضياع الحقوق خلقا لدى غادة شخصية حساسة تائهة منفصلة عن نفسها، تشبه في تكوينها شخصية لاكان ما بعد البنيوية. وقد رأت غادة أن هويتها لا تقوم إلا ضمن سياق خلفيتها الإنجليزية، ولكن روابطها التي تصلها بوطنها الأصلي تثير في الوقت ذاته مشاعر يصعب تجاهلها، نتج عنها ثنائية في شخصيتها. ولكنّها حيث كانت منقادة تحت غشاوة من الوهم، جاءت عملية استعادة الوعي لديها سريعة، وقوية في طبيعتها، وقررت على إثرها أن تنتقل إلى الشرق الأوسط.

أما القسم الأخير من مذكرات “بحثاً عن فاطمة” فقد كان بلا ريب الأعمق أثراً والأكثر تشويقاً، إذ تتحول رحلة اكتشاف الذات عند غادة الكرمي هدفاً أساسياً في حياتها.

تصبح غادة خلال السنوات التي تعيشها في الشرق الأوسط ناشطة في العمل الفلسطيني في بداية السبعينيات، وتتنقل عبر المنطقة وتلتقي العديد من القادة السياسيين، ولاسيما ياسر عرفات. بيد أن غادة تقول إن هذا الالتزام “لم يساعدها في العثور على جذورها”، وأصبح الشعور بالهوية والانتماء الفلسطيني غير ممكن إلا بالعودة إلى حي القطمون، لتبحث عن موطن طفولتها، والذي تجده بعد جهد متقطع وعسير. ومع أنها وجدت هذا الوطن يعد بالمستوطنين اليهود، إلا أنها أدركت خلال معاناتها الطويلة هذه، أنه بالرغم من أن التغيير قد فرض على فلسطين، إلا أن جذورها قوية راسخة في أرضها وفي قلوب شعب فلسطين وعقولهم.

كما تبحث غادة خلال رحلتها إلى حي القطمون عن تلك المرأة الغامضة التي باتت رمزاً على ماضيها كطفلة في وطنها، وتصبح فاطمة عند غادة مصدراً للراحة والحنق في آن معاً. وتتحدث غادة عن حاجتها الملحة لراحة البال والعثور على الذات من خلال معرفة مكان تلك المرأة التي ربتها وأطعمتها لما كانت طفلة، وتقول: “في لحظة مجنونة، بحثت عن فاطمة بين النساء اللواتي يعملن في الفلاحة، أتفحص وجوههنّ، على أمل في أن أراها من جديد، غير مكترثة بكل هذا الزمان الذي مضى”، ولسوء الحظ لا تجد غادة أي أثر لفاطمة. وقد وضحت غادة الكرمي في مقابلة أجرتها معها آن جودمان عام 2008 مع صحيفة “الديمقراطية الآن” (Democracy Now)، المجاز في شخصية فاطمة التي تمثل موطن الطفولة لديها.

كما تذكر الكرمي أنها ذهبت في العام 2005 مرة أخرى للبحث عن فاطمة، غير أنها لا تجد سوى حفيدٍ لها.

يتحدث إدوارد سعيد في مقال نشرتها له صحيفة الأهرام والحياة في أيلول 2001 عن التصور القائل بأن “الفلسطينيين لا ينظر إليهم من جهة القصة التي هي قصتهم، ولا من جهة الصورة الإنسانية التي يمكن لجميع الناس أن يتعرفوا عليها”. فمن المؤسف حقاً أن لا يتلقى الفلسطينيون الاهتمام الكافي والضروري لتوضيح المعاناة التي يقاسونها، ومن المؤسف كذلك أن يصبح هذا الإهمال حال المجتمع الدولي بأسره. ولكن أعمال الكتاب المرموقين من أمثال غادة الكرمي، سيساعد على تسليط الضوء على عدد من القضايا المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وتعزيز مكانة الشعب الفلسطيني والتركيز على الجانب الإنساني في قصته. كما تلقي هذه المذكرات الضوء على البعد النفسي الذي يعاني منه معظم الفلسطينيين حول العالم اليوم والذي نادراً ما تتطرق إليه وسائل الإعلام. فمحاولة تأقلم المهاجرين الفلسطينيين مع المأساة التي تعرضوا لها قد أصبحت معضلة نفسية خطيرة لا بد من علاجها. كما أن حياة المهجر قد خلقت آثاراً جمة عند أولئك الفلسطينيين الذي يحاولون العثور على هوية ثقافية ثابتة.

ثم إن الكتاب يتحدث ضمناً عن فظاعة الظلم الذي حدث في فلسطين، حيث طرد أكثر من نصف مليون من أهلها عام 1948، سلبت منهم حقوقهم، وحرموا من الهوية، واحتملوا من غير حق إصر الجرائم والأخطاء التي ارتكبها سواهم. وتناقش غادة في مذكراتها وفي مقال لها نشر في الجارديان عام 2006 كيف أن هذا الظلم التاريخي العظيم ما زال قائماً دون أن يكترث به أحد، وتقول: “لم يكن لنا نحن الفلسطينيين يد في ما جرى في الهولوكوست، ولا في اضطهاد اليهود، ولكننا أرغمنا على التحول من شعب زراعي مسالم إلى أمة من المتسولين القابعين تحت الاحتلال، ومن اللاجئين والمهجّرين، أو مواطنين من الدرجة الثانية في إسرائيل. والأسوأ من كل هذا أننا أصبحنا نحن الإرهابيين، وجيل الانتحاريين من الإسلاميين المتطرفين. أوَتصبح الجريمة جريمتنا نحن؟ لقد كنا في المكان الخطأ في الوقت الخطأ.” وقد تساءلت غادة في كتابها لسنوات عديدة عن السبب الذي جعل شعبها هو الوحيد من بين كل شعوب العالم الذي يتعرض للاعتداء والاقتلاع من أرضه، وأن يجبر على الهجرة ويحرم من حق العودة. وما يزال المجتمع الدولي لا يحري جواباً عن هذا التساؤل.

وفي النهاية تنقل غادة الكرمي رسالة جليلة في مذكراتها، فحيث تبدو الهوية الفلسطينية في بعض الظروف غامضة وتكون الحقيقة صعبة المنال، إلا أن الهوية كما الحقيقة ثابتة لا تتحور، وتسعى غادة إلى نشر الأمل والثقة بأن القصة الفلسطينية ستظل تُحكى ليعرفها الجميع. ولقد كان تعرّف غادة الكرمي على هويتها، بعد كثير من الإحباط والإخفاق، عنصراً ثابتاً في سعيها من أجل بيان حقوق شعبها والحرص على ألا يتنازل الفلسطينيون عن الإيمان والأمل.

[1] Miss Havisham: إحدى الشخصيات الأساسية في رواية “الآمال العظيمة” لتشارلز ديكنز.

فكرة واحدة على ”بحثا عن فاطمة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s