الثعالب

الثعالب

رومان سيميتش بودروجِتش

نشرت الترجمة في صحيفة العربي الجديد في 19 سبتمبر 2014

http://goo.gl/Uf0Fdr

الثعالب

لطالما سمعت في حياتي أشياءَ عجيبةً يصعب تصديقُها، إلّا أنّ قصةَ الكلب تبقى القصة الوحيدة التي لا أنساها. لقد أخبرتِني بها في باكورةِ علاقتنا، حين كنّا نخرج سويّة نتشَاكى. في هذا السّياق ربّما أتت  قصّة الكلب. على أيةِ حال، كان هنالك قبل زمن بعيد كلبٌ ضالّ في الشارع الذي تسكنين فيه، فأتى ولدٌ وألقى على سمعِ هذا الكلبِ كلمةَ “كرواتيا”، فما كانَ من ولدٍ آخرَ سوى أنْ أعدمَ الكلب، وهكذا بدأت الحرب، بسبب كلب وبضعة أولاد، وهذه الإضافة الأخيرة منّي أنا، إذ لم أفهم حقيقة ما حصل، ولا أظنّ أنني سأفهم أبدًا.

في خريف 1991، كنتُ عائدًا من معسكرات الجيش الوطني اليوغسلافي جنوبيّ صربيا، أمّا أنتِ فقد كان عليكِ أن تمدّدي إجازتك الصيفية على جزيرة في البحر الأدرياتيكي، ووالدك كان يختفي في مكان ما في فوكوفَر. قلتِ لي إنّه كان “يختفي” وكأنّ الأمر يستغرق وقتًا طويلًا، كما أخبرتني أنّ بعضَ أخبارِه كانت تصلكم لفترة ما، أو على الأقل كانت أمك قادرةً على سماع صوته عبر معجزة الهاتف، وهي معجزةٌ بحقّ لأنّ الاتصال بدا وكأنّه يجري وجهًا لوجه، ومعجزةٌ لأنّ ذلك الاتّصال كان صادقًا أكثر من أي أمر سواه في حياتنا السابقة.

قد أبدو غبيًا بقولي “حياتنا السابقة”، ولكنّها هي هكذا.

في خريف 1991، أنا في التاسعة عشرة، أنتِ في التاسعة، وأبوكِ في السادسة والثلاثين. عدتُ إلى المدينة وتوجهت إلى الساحل، وإذْ بالقصف يبدأ، وانفجرت قنبلةٌ في الحديقة، فأمضيتُ الليلة وأختي في ملجأ إيطاليّ. لا أذكرُ مقدارَ خوفي حينها،كلّ ما أذكره هو أنني أخرجتها من البيت وأنا أحملها وذهبت بها إلى تلك الحفرة الخرسانية متجمدّةً كجُثّة، غير أنها كانت على قيد الحياة. انتظرنا هناك حتى طلعَ علينا الصباح، لم تكن أمّي قد عادت من عملها بعد، وأبي لم يكن يعيش معنا، فاستيقظنا وحدنا ونزلنا صوبَ البحر، وكان هادئًا لا يبالي بشيء، كالثقوب في البيت الذي عشنا فيه، نستأجره من مستأجِرٍ آخر، ولحظتها حسِبتُ أنّنا أحرزنا انتصارًا من نوع ما، أننا في واقع الأمر لم نكن نملك شيئًا لنخسره.

ثم توجّهتُ إلى زغرب، وكان الذهاب هناك حربًا بالنسبة ليّ، مع أنّ الأمر كان مختلفًا بالنسبة لعائلتك. قد تقولين إن الأمر كان مختلفًا للجميع، لكنّ غياب والدكِ يجعلك، برغم السنوات العشرة التي تفصل بيننا، أوسعَ معرفةً، أو فلأقلْ: أكثرَ نُضجًا.

لا أدري إن كنتُ قد أخبرتك سابقًا عن خوفي من سؤالك عن شأنِ ذلك الاختفاء. فحينما كنا في قريةِ أُفْتشارا للمرة الأولى كدت أختنق؛ مساحةٌ رحيبةٌ وفضاء مفتوح، وكلّ شيءٍ خالٍ من مظاهرِ الحياة، وليس ثمّة سوى أنتِ وأمك وأخيك، وأناسٍ يبيعون حمامًا صغيرًا دَحداحًا[1] من منطقة فوتشيدول، وأشياء تذكارية تشبه آثار العصر الحجري، السياحةُ التي لا مفرّ منها، كما رأيت بُسُطًا على مقدّمات السيارات المتّسخة. هنالك فكرةٌ تقول إنّ كل الأعمال الصغيرة لم تكن لتقوم لولا تلك الأعمال التجارية الضخمة، ذلك النحس الذي يمحق بيوتًا ولا يترك سوى مقاعد وطاولاتٍ مغطاةً بخَيش الخيام، وتجارة لن تغني من جوع.

حين استلقينا في ذلك المساء وقد التحفنا حتى كدنا نغطّي أعيينا، قلتِ لي من دون سابقِ سؤالٍ منّي إنّه حين سقطتِ المدينة أُخِذَ الجرحى والرجال الذين تمكنوا من الاختباء في المستشفى إلى مزرعةٍ في الجوارِ وغُلِّقتْ عليهم أبوابُها، وقلتِ لي إنهم وُضِعوا في حظائرَ ونُكّل بهم حتى الصباح، ومن ثم وُضعوا في حافلات وسِيقوا إلى تلك الصحراء، إلى العراء. خمسُ حافلات، عَثروا على جثث من كانوا في أربعةٍ منها، أما أبوك فقد كان في الخامسة، تلك الحافلة التي ما زال يتحفّظ بشأنها جيراننا الصرب. ونحن أيضًا كنا ساكنيَن، كانت الغرفة معتمة، ولم يكن ثمة نجوم على السقف، أضمّك إليّ وأنا مُرتاعٌ من التنفس.  على تلك الأرض المُراحة، أذكر أنّ أمّك كانت مربوعةً ذات ملامحَ سمراء، أما أنت فنحيلةٌ طويلة بيضاء، فالشبه ليس كبيرًا بينك وأمك، ولكنّي أعتقد أنّ أحدهم أخذ معه بعض سماتك في تلك الحافلة الخامسة، ذراعيك الدقيقتين، ابتسامتك، عينيك الخضراوين اللتين أمستا مصفرّتين غامقتين تحت هذه السماء، فالخريف حلّ وكلّ شيء يذبل، أمّا القلب، فحدّث ولا حرج. لست أنا الذي أقول ذلك، ولكنّ هذا المكان، حقًّا، حقًّا، أشدّ الأماكن حزنًا على وجه الأرض.

كلّما فكرت في ذلك المساء، أذكر كل شيء بأشدّ التفاصيل دقةً، إذ أذكر ملابسك، وحقيبة أمّك الصغيرة، والموسيقى التي كانت تصدر من سيارة أخيك، وتلك الصّلبان والمسبحات الصغيرة التي تركتْها الثّكالى عند نصب الضحايا، تلك الكومة الصغيرة من قطع الخشب والمعدن التي كبُرت وكبُرت إلى أنْ أتى أحدُهم وأخذها بعيدًا. كنّا نشاهد الأخبارَ أمام التلفاز، وكنتِ أنت تحضّرين العشاء بينما أنا أنتظر أخبارَ الرياضة، ولم تكترثي أنت للأمرِ ورحت تُغرقين نفسك أكثر وأكثر بين الأواني والأطباق، وظهرتْ على الشاشة امرأة ترجوهم أن يعيدوا ذلك على الأقل، ولكنّكِ لم تقولي شيئًا، وقلتُ في نفسي إنّ الحرب ما تزال قائمة، وإنّه كان حريًّا بي أن آخذك بعيدًا عنها، ولو لوقت قصير، كما فعلتُ معَ أختي، وقد أخذتك بعيدًا بالفعل، غير أنّي لم أجد مكانًا لنلجأ إليه، ولا يمكن حقيقةً أن يحصّن المرء نفسه أمام أخبار كهذه، فهي تجلبُ لك من يعرف ومن لا يعرف، كرسالة مكتوبٍ عليها اسمُك وإنْ كانت بلا عنوان. ذكّرني ذلك بما حدث لي بعد الحرب، حين سافرت إلى بلغراد مع صديقتي القديمة وركبنا مع سائق تكسي فسألَنا عن المكان الذي أتينا منه، وحين أخبرناه قال لنا إنه كان أثناء الحرب في فوكوفَر، واعترف بإنّه لو سألناه الآن عن السبب لما عرف الإجابة، ولكنّه أخبرنا بأنّ الأمر كان يعني له شيئًا حينها، وأخبرنا عن علاقاتٍ لزوجته في فينكوفشي، عن الأمريكيين الذين ألّبوا بعضنا على بعض، وبدا لنا أنّ الرجل قد وصل درجةً من اليأس لا نفعَ معها لشيء. لا أذكر وجه الرجل الآن، غيرَ أنّي أذكر صوته. أعطيناه الأجرة وانطلقنا، أنا وتلك الفتاة، ولكنّه ترك حسرةً في قلوبنا، شيئًا من عار. أقول هذا بعد كل هذه السنوات، لأنه قد يكون هو سائقَ الحافلةِ الخامسة، تلك الحافلة التي لا يذكرها جيران الحيّ، لعله هو الذي قاد الحافلة التي أبعدت ذلك الرجلَ الذي لم أقابله قطّ، أباك الذي يخيّل إليّ أنّه ما يزال حتى اليوم، وبعد كل تلك السنين، جالسا مع أمّك على طاولة الطعام، وتحت سقفنا الذي لا نجوم له، ذلك الرجل الذي قيل لي إنّه اختفى.

ولكنّي أودّ أن أحدّثك عنّا نحن، مَن بَقينا هنا. فلأقلْ مثلًا إنني أجلس على مقعد في حديقة الحيوانات أكتب لك رسالة. أنتِ في البيت تدرسين وتظنّين أنني أشرب مع أصدقائي. أحيانًا آتي إلى هذا المكان، في كل مرّة أجلس أمام قفص مختلف وأصرّ على تلك الكذبة الصغيرة، أنني دفعت ثمن التذكرة من أجل أن أكون في خلوةٍ ما، خلوةٍ من أجلكِ أنت. وعندما ذهبنا معًا إلى حديقة الحيوانات، وقد حدث ذلك قبل فترة طويلة كافية لتجعلني أنسى كم كرهنا تلك الحديقة، ومع ذلك فإنه بوُسعي الآن أن أكتب لك عنها لساعاتٍ بلا انقطاع. سأخبرك مثلًا عمّن أنشأ هذه الحديقة ووقت إنشائها ومساحة الأرض التي بنيت عليها، وسأقول لك أيضًا إن ثعلبين وثلاثة من طيور البوم كانت أول من أُدخل إليها. لم يكن النظر إليها شيئًا عظيمًا، فقد كانت كأغراض الطعام، لم يعد أحد يقول شيئًا عنها، فهي الماضي، أما ما عدا ذلك فليس سوى بطاقاتٍ مكتوبٍ عليها أسماء لاتينية مُبهَمة وبعضُ الأشياء عن السلطات المعنيّة؛ شيءٌ مملّ للغاية. كنت أقف أمام البحيرة الصغيرة وحوليَ تلعب ثعالب الماء الصغيرة، وأنا أكتب، وأفكّر بالكلب الذي ما تزال قصته عالقةً في ذهني. أشعر أحيانًا أنّ كل القصص التي تذكرينها لي تشبه قصته. كتلك القصة حين رجعت أمك من فوكوفَر، فعشتم أنتم الثلاثة مع أقرباء لكم في زغرب، وحينَ استثقلوا إقامتكم معهم ذهب أقرباؤكم وقرروا نقل أمك إلى شقة شبه مهجورة في الطابق الأخير من ناطحة سحاب، وهي شقة فارغة مهملة يسكنها الطير وتطلّ على أطراف المدينة، وتكاد تهتزّ كلما هبّت ريح قوية. فانتقلتم إلى تلك الشقة، بمساعدة الجيران وبعض الغرباء الذين أحبّوا المساعدة. ومع أنّ صاحب الشقّة لم يسكن فيها قطّ، إلّا أنهُ تذكّر حين انتقلتم إليها أنّ له شقّة، فطردكم منها وانتهى بكم المطاف في حافلة، مع أشخاص آخرين على شاكلتكم، باحثين عن مكان آخر تسكنون فيه لا تزعجون فيه أحدًا.

أحدهم قال مرّة إن مشكلة حديقة الحيوانات تكمن في أنّ الحيونات وهي في أقفاصها تصبح شيئًا مختلفًا، فبمجرد أن تدخلَ أقفاصها تكتسبُ روحًا ما، والأرواح مشكلة في ذاتها، أليس كذلك؟ حين وضعوكم في غرفة صغيرة فيما كان في الماضي مدرسة للشرطة، في تلك القرية التي كنت تذهبين إليها مِرارًا أيامَ العطلة قبل اندلاع الحرب، وهي مسقط رأس رئيسنا الأزليّ، كانت أمك في السابعة والثلاثين من عمرها، وكنتِ أنت في الحادية عشرة، أما أنا فكنت قد أتممت سنةً بعد العشرين، أدرس الفلسفة وكنت على يقين بأنّ كل ما يجري من حولي لم يكن له أيّ علاقة بي. كانت أمي أكبر بقليل من أمك، وكانت تعمل طبيبة في ميدان الحرب. قالت لي ذات مرّة إنها ترى كلّ يوم أطفالًا في عمري يموتون، بينما أنا أتفلسف حول زغرب، وقالت لي مرةً أخرى إنها كانت ترغب في أن أكون هناك، إلى جانب أولئك الأطفال، فقلت لها مستنكرًا: إلى جانبهم!! وكان ذلك آخر حوار معها على تلك الشاكلة، وبعدها تحوّل الأمر إلى عناقات جافّة في الصيف وفي أعياد الميلاد، في تلك الأيام التي كنا نقضيها سويّة، وكأنّه وبأمر سماويّ ما ستكون هنالك هدنةٌ وصمت طويل حائر.

حينما كنت تكبرَين في غرفتكِ الصغيرة في كمروفيتش كنتُ أسافر وأقوم بأشياء أخرى. لا أدري إن قلت لك هذا من قبل، غيرَ أنّه ذاتَ صيفٍ كنت أعمل في إسبانيا وصحبني بعض المعارف هناك إلى مدينة صغيرة مشهورة بمتحفٍ فيها صغيرٍ ومُهمَلٍ نوعًا ما. كان هذا المتحف تِركةَ عالمٍ من علماء الطبيعيّات، وهو رجل جاب الدنيا وجمع العديد من الأشياء من شتّى البقاع في نهاية القرن التاسع عشر. يتكّون هذا المتحف من غرف ملأى بالمكتشفات الأثرية وحفريات النباتات والحيوانات، وكتبٍ عن الأعشاب وأنواع التربة. مررنا على هذه الأشياء بشكل سريع، من دون أن يلفت انتباهَنا أيُّ شيء مميّز يستحقّ أن نقطعَ من أجلهِ استمتاعنا بالجلوس في ذلك المقهى على جانب النهر. ولكنّ الأشخاص الذين نزلتُ في ضيافتهم بدأوا يبتسمون بصورة غريبة حين بدأنا ننظر في تلك الغرف التي تحتوي على مجسّمات من صنع ذلك العالم نفسه، فرأينا طيورًا وحيواناتٍ بريّة كما رأينا مجسّمًا لأسدٍ تجمّع عليه الغبار. أمّا الغرفة الأخيرة فقد اشتملت على ما يعدّ سبب الشهرة الحقيقيّ لهذا المتحف: ففي وعاء زجاجي رأينا رجلًا وُضِعَت عليه خِرقتان بَهَت لونُهما، يَحمل جعبةَ سهامٍ ورمحًا خفيفًا، وظهر مكان العينين قطعتان من المرمر والتفّ حول العنق عِقدٌ بالكاد يحجب نَدَبةً قبيحةً على عرض رقبته، أسمر البشرة مربوع القامة أشعث الشعر. كان في الصندوق أيضًا عددٌ من الأغصان وطبقة رقيقة من التربة الحمراء، وذلك لتقديم صورة عن الموطن الأصلي لهذا الإنسان، بالإضافة إلى بطاقة عليها بعض المعلومات تفحّصناها مليّا إلى أن قال أحدُ من أنا برفقتهم بعدَ أن هزّ كتفيه: “لا شكَّ أنّك لن ترى مثل هذا الشيء في بلدك”، ثمّ اعتراه الصّمت، وكأنّه تذكّر وجود التلفاز والراديو والفضائيات وكلّ تلك الأشياء التي تؤكّد إمكانيّة حدوث ذلك، فارتبك قليلًا. علمتُ بعد فترة أنّ المتحف قد أُغلقَ وغادرتُ تلك البلاد وبقيت القصّة، قصة الروح والقفص: تكتسب الحيوانات روحًا خلفَ القضبان، أمّا البشر فيخسرونها. ليس هذا على أيّة حال ما أنا بصدد الحديث عنه، فالشمس في كبد السماء، وثعالب الماء تتحرك بشكل بهلواني، تتشقلب وتغوص في الماء وتمرّ من جانبي بسرعة، ترمقني وأرمقها، وأشعر بأنّ الحياة تدبّ فينا، ولكنّ الأفضل أن نتكلم عنا نحن.

أفكّر في نفسي وأقول: كلّ تجاربنا في الحياة يحدّدها ماضينا، مهما غابَت تجليّاته عنّا. لو حبكنا كل القصص التي في جعبتي وجعبتك، ونحن على الأريكة، وبعد العمل، وعند العودة من السينما، وفي المساءات أمام التلفاز، وبعد ممارسة الحب، فسيكون من الجيّد أن نتحرّر منها، ولو لوقت قصير، ولكن أنّى لنا ذلك؟ فأنتِ تحدثينني في بعض الأحيان عن جدّتك لأمّك التي لم ترحل عن فوكوفَر إلى أن بلغت الثانيةَ بعد التسعين، والتي بقيت مع جدّك حتى بعد سقوط المدينة إلى أن اضطروا لتسليم البيت لشخص آخر ورُحّلوا منه، وكيف أنّ جدّتك كسرت ذراعها، وأنّ جدّك أدمن الشرابَ، وأنّ هذا كما تدّعين ليس مرتبطًا بالحرب بالضرورة، تمامًا كما هي الحال مع ذراع جدّتك المكسورة، فقد قلتِ لي إنّ هذه أشياء عاديّة تحدثُ مع الناس في السلم وفي الحرب. ولكنّ الحرب على أيّة حال هي التي دفعتك للذهاب بحثًا عنهما في مخيّمات الصليب الأحمر، وكانا قد وصلا إلى تلك المدينة التي هي مسقط رأس رئيسنا الأزلي وتزامن مَقدمُهم هناك مع مقدمك أنتِ، وهناك توفّيَ جدّك وبقيتِ أنت مع جدّتك. لعل هذه القصة تجعلك تبتسمين. لقد ذكرتِ لي أيضًا أن جدّتك جزءٌ ثابت من الشقّة التي تسكنها أمّك، فهي تصلّي قرب المذياع، فمُها مَفضوضٌ بلا أسنان، تطلب من أمّك أحيانًا أن تقلّب عينيها، فتضحكين خِفيةً مع أنّها لا تستطيع سماعك، ولكنّها ضحكة تُخفي شيئًا، وتبدو مصطَنعة لكنّها تحاول أن تبدو حقيقية. هنالك في كلّ مقامٍ “لكن” من نوع ما. أمّا جدّتك لأبيك، فقد وجدتْكِ بشكلٍ أسرعَ نوعًا ما، وماتت في مكان آخر يدعى سبليت، فهي لم ترغب في الذهاب إلى مكان ميلاد الرئيس السابق، وقالت إنّها تفضّل الموت على ذلك، وقد كان لها ما تريد، فهي امرأة صلبةٌ من هيرجوفينيا، كانت تريد أن تقولي لها “نانا” حين تنادينها، ولكنّها لم تكن تحبّك،وإنّما كانت تحبّ أخاك كثيرًا، فهو بمثابة الرجل الجديد في العائلة، وبلغ بها الأمر أن ضربتكِ في يومٍ ما كما قلت لي حتى تركت على جسدك نُدوبًا لأيامٍ عديدة. وأخبرتني كذلك أنها أتت إلى زغرب عبر فوجفودينا وهنغاريا، وأخبرتكِ بأنهم قَتلوا جدّكِ في ساحة البيت واغتصبوا امرأة كبيرة كانَ مختبئًا معها في قبو. كنت تحرصين على زيارتها عقب الحرب في تلك الشقّة الصّغيرة التي أُعطِيتْ لها إذ فقدت زوجها وابنها، وبدَأتِ تشعرين بشيءٍ من الإعجاب بها، خاصّة حينَ قالت لكِ يومًا ما قبل وفاتها أن كوني في حياتك كما تشائين أنتِ، ولكن إياك والزواجَ من صربيّ، وكم ضحكنا على هذه القصة، فقد كانت ممتعة أكثر من تلك القصص عن جدّتك الأولى، بل لقد ضحكنا على هذه الحادثة أكثر من أي قصةٍ مضت، وذلك لأنني قد أخبرتك بتلك القصة عن جدتي التي هربت إلى صربيا لاحقةً جدّي في بداية الحرب، وكيف أنّها لم تخبرْ أبي إلا حين وصلت المطار، وأننا لم نسمع عنهما شيئًا لعدّة سنوات، وحين كان يتحدّث والدي معهما بالهاتف بعدها كان لا يخبرهما أيَّ شيء عن القصف والموتى، وقال لي والدي إنه من الصعب الحديث معهما، كل ما يمكن فعله هو الاستماع إليهما وحسب. لقد كان لقد أبي خائفًا رغم سنيّ عمره الأربعين ويكأنّ الأمر يحدث في قصّة خرافيّة، وقال لي: أمي وأبي غادرا ولن يرجعا، فرمقتُه برهةً وقلت في نفسي: لو بلغ الإنسان من العمر ألف عام فإنّه يبقى دومًا ضائعًا في حضور والديه، والأمر يسري عليّ أنا كما يسري على أبي، كما يسري علينا كلّنا، سواكم أنتم أيّها اليتامى.

لكلّ واحدٍ منّا نقصُه، فمنّا من نقصُه في وجود أبيه، ومنّا من نقصه في مدينته، وأحيانا يكون نقصنا فيما نقول، كأنّنا نرفع العتاب عن أنفسنا. أمّا بالنسبة إليّ، فنقصي كان دومًا متعلقًا بالكلمات والجرأة لتقديم الإجابات. ولذلك تراني أذهب إلى حديقة الحيوانات، وأخرج من البحيرة مع ثعالب الماء الصغيرة وأشعر بشيء من الانزعاج، وأحاول كما درجتِ العادة في مثل هذه المواقف أن أفكّر بما أملكه في تلك اللحظة، أفكر بتلك الحيوانات، عضلاتِها الضّامرة ونظراتِها الكسولة، وفرائِها الرطب عند هطول المطر. أفكّر بكل ذلك الجنون الذي تشتمل عليه تلك المساحة الصغيرة، تراودني فكرة كتابة رسالة لك عن هذه الحيوانات، لا عن الغياب ولا عن الروح، ولا عن الناس في صناديق الزجاج أو خارجها، كنت أفكر في الكتابة لك عن كل ما يفصل بيننا ويجمع، يومًا بعد يوم، رغم كلّ ما يحيط بنا.

أستحضر كل ما لديّ من قصصنا إلى هذه الحديقة ثم أتركها لأستنشق بعض الهواء، وحين أرى أنْ لا شيءَ يحول بيني وبينك أحيانًا فإنني أكتب. أكتب: أودّ أن أخبرك شيئًا لم تسمعي به من قبل، سأخبرك شيئًا سيشفيك من كل أسباب الغياب، من كلّ ما لا يمكن قوله، غير أنّي لا أملك الكلمات المناسبة. أراك تجلسين في بيتك تدرسين، وقد عكفتُ أسابيعَ بطولها لكتابة رسالة لك، ثمّ نسيتُ لبضعة أسابيع أخرى أن أعطيها لك، إذ أجد نفسي في نهاية المطاف أفكّر بالثعلبين من جديد. وحدَهما على تلك الأمتار الأولى من الأرض، وقف آدمُ وحوّاء من دون أن تكون الحيّةُ هناك بعد، يحيط بهما الناس، متعلّقين بالأرض تاركين السماء لطيور البوم، أتصورهم بين  حياةٍ وموتٍ دون أن يتركوا شيئًا وراءهم سوى ملاحظة صغيرة كئيبة على لوحة عند مدخل حديقة الحيوانات. ما يزال ذلك الكلب من شارعك معنا، ولكن أين تلك الثعالب؟ أكتب وأقول: يمكن لكل هذه الأقفاص وكل هذه الأرواح أن تكون مدينةً، ولكنّها تبدو فقيرةً إلى ماضٍ ما، محتاجةً إلى أطفال. أتوقّف عن الكتابة وأغلق عينيّ. في كلّ مرّة أعود فيها إلى بيتي من هنا تعمدين أنتِ إلى غرز أنفك في ياقة قميصي، تشتمّينها من دون أن تنبِسي بكلمة. يمضي المساء بهدوء أكثر من المعتاد، وحين استلقينا في الليل معًا اقتربت من دفئك بصمت منصتًا إلى وجودِكِ قبل النوم. أين تلك الثعالب؟ سأكتفي بالصمت. لم أجد شارعًا ولا ميدانًا باسمها. أين مكان ميلادها؟ أين ماتت؟ أين قصصها؟ أين كل ما تركته خلفها؟ أين أطفالها؟ أضمّك إليّ بشكل جانبي، وأرى أذننا وقد صارت خمريّة وذيلينا يرتجفان في الثلج، والنفسُ يَصَّعد عبر خطامينا الرّطبين، الثلج والشمس يشعّان على فرائنا. أقول لك هامسًا في دفءِ فروك قربَ رقبتك ونحن نتنفس تلك الحياة خارج سريرنا، خارج قفصنا وغابتنا، أكرّر وأقول، من دون ذلك لاختفينا، من دون ذلك لما وُجدْنا أصلًا.

رومان سيميتش بودروجيتش(1972) كاتبٌ من كرواتيا درس الأدبَ الإسباني والأدب المقارن وصدرت له ثلاث مجموعات قصصية كانَ آخرها عام 2012 بعنوان “أطعموني”. تُرجمت قَصصه إلى لغاتٍ عدّة كالصربية والألمانية والإنجليزية، ويعمل حاليًّا مديرًا فنيًا للمهرجان الأوروبي للقصة القصيرة.

[1]دحداح: قصير غليظ البطن

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s