الأمة والرواية

الأمة والرواية

كارل صباغ

ترجمة محمد زيدان

المجلة الثقافية

الجامعة الأردنية

كانت الرواية في كثير من الأحيان وسيلةً لإظهار ما يمكن أن تكون عليه أحوال الأمم والمجتمعات، كما هو الحال في رواية (1984) لجورج أوروِل والتي كانت بمثابة تحذير بشأن المجتمع الذي سيكون خاضعاً للرقابة، والذي يرى البعضُ أنه قد صار حقيقةً قبل التاريخ الذي افترضه أوروِل بنحو عشرين عاماً. ونجد أيضاً رواية بعنوان (2001) والذي استشرف فيها آرثر سي كلارك صورة للمجتمع يكون فيها لأجهزة الحاسوب أدمغةٌ خاصة بها، إلا أنَّ هذا لم يتحقق بعد. أمّا رواية ثيودور هيرزل بعنوان (الأرض القديمة الجديدة) والتي كتبها عام 1902 فهي إنما تتحدث عن فلسطين التي كانت نسبة العرب فيها في ذلك الحين تتجاوز 90% وكيف أنها ستصبح دولة لليهود في غضون 20 سنةً.

ولو افترضنا جدلاً أنّ روايةً على هذا النمط قد كتبت في عصرنا هذا وتحدثت عن تحوّل هذه المنطقة التي تشوّه محيّاها مظاهرُ التقسيم من البحر الأبيض المتوسط إلى نهر الأردن لتصبح دولة مشتركة بين جميع سكانها، فهل يمكن أن تكون حقاً حافزاً للتفكير الجاد بالعودة إلى فلسطين ما قبل 1948 لتكون دولة واحدة ينعم فيها اليهود والعرب والمسيحيون والمسلمون بهناءة العيش المشترك، ويشعر كل فرد من أفرادها بالاحترام والإنصاف وأنه مواطن في دولة موحدة تدعى فلسطين؟

أقدم إليكم فيما يلي من السطور رؤيتي لهذه الأرض “القديمة الجديدة” وكيف يمكن أن تكون واقعاً وذلك من خلال مراجعتي الأدبية لرواية لم تكتب بعد.

الأرض القديمة الجديدة: رواية

قد يكون كتاب “الأرض القديمة الجديدة” من الحوافز الأساسية للتحرك نحو إيجاد دولة واحدة في فلسطين وإسرائيل. فيمكن للرواية – من خلال تصويرها الواقعي لمجتمع قد كان من الممكن أن يظهر إلى حيز الوجود لو فشلت الأمم المتحدة عام 1947 في التصويت على خطة التقسيم- أن تنجح في صرف أنظار الفلسطينيين وكثير من الإسرائيليين بعيداً عن حل الدولتين، الذي لم يكن كافياً ولا قابلاً للتطبيق، والتفكير بدلاً من ذلك بمنهج أكثر نضوجاً يمكن من خلاله أن تقبل جميع الأطراف عاجلاً أو آجلاً فكرة العيش المشترك بين اليهود والعرب في دولة واحدة بما يضمن الإنصاف والعدل.

تنقسم هذه الرواية إلى ثلاثة أقسام، حيث تبدأ أحداثها بزيارة يقوم بها موظف في الخدمة المدنية البريطانية يدعى بن ويلر إلى فلسطين إبّان الحرب العالمية الثانية. يصل ويلر إلى هذه الدولة التي تمزقها حالة من العنف تقودها جماعات إرهابية يهودية ضد الأهداف البريطانية وتعتريها حالة من اليأس بين العرب لما يلوح لهم من أن فلسطين قد باتت قاب قوسين من تسليمها للصهاينة، ويلتقي أثناء إقامته هناك بفتاة تدعى ليلى شريفة كانت تعمل صحفية في جريدة عربية. كان ويلر قد حضر إلى فلسطين كسكرتير ضمن وفد من أعضاء البرلمان البريطاني ولم يكن يعلم كثيراً عن هذه الأرض. ونشأت بين الاثنين بعد لقاءهما الأول في حانة في فندق الملك علاقة ودية، ودرجت عادته أن يذهب برفقتها بعد عمله الرسمي ليتعرف على فلسطين ويلتقي وإياها بشخصيات فلسطينية بارزة. واتضح له بعد برهة من الوقت أنّ كارثة هائلة على وشك أن تحدث وكان على علم بالقرارات التي تلوح في الأفق والتي تناقش في أروقة الحكومة البريطانية لإعلان الانسحاب من فلسطين في تاريخ محدد تاركةً اليهود والعرب ليقاتلوا عليها. ويقوم وييلر بالإفصاح لليلى عن هذه المعلومات بعد أن أصبح تربطه بها علاقة أكثر وداً، ويخبرها بضرورة فعل شيء حيال ذلك، فالصهاينة سيستغلون حالة الفوضى التي ستعقب رحيل البريطانيين إلا إن أقدم العرب على اتخاذ خطوة ما.

أما القسم الثاني من الرواية فقد اشتمل على وصف لمسرح الأحداث بعد مضي أربعين سنة. كان ويلر في ذلك الحين قد تقاعد من منصب رفيع في الخدمة المدنية في لندن ولم يمنعه التقدم في السن من الاتصال بليلى، والتي أضحت شخصية بارزة في الحكومة الفلسطينية وتعيش في القدس في بيت أحد أبنائها، لكنها كانت في فلسطين التي لم تكن يوماً سوى حبر على ورق. ويتخذ الكاتب في هذا السياق أسلوبا افتراضياً للتاريخ على مبدأ (ماذا لو؟) وتتعرض الرواية في هذا الجزء إلى سلسلة من الأحداث التي وقعت بعد عودة ويلر إلى إنجلترا عام 1946. كانت ليلى قد كتبت سلسلة مقالات مهمة التي تحث الفلسطينيين – من خلال علاقاتها التي تربطها بشخصيات قيادية وطنية- على أن ينطلقوا في تعاملهم مع الصهاينة من خطة محكمة ومنسقة فيما بينهم ليتم الاتفاق على أن تكون فلسطين مابعد الانتداب دولة تديرها حكومة مشتركة من العرب واليهود، مع وجود أطراف دولية تضمن توفير الحماية لحقوق جميع الأعراق والأديان، مع وجود أكثرية للعرب في الحكومة تعكس ديمغرافية فلسطين، مع تشكيل لجان للتخطيط من العرب واليهود في كل وزارة للتوصل إلى أفضل السبل للعمل المشترك، ويحق لليهود في هذه الدولة أن يكونوا تحت أي مظلة يرغبون بها بشرط أن لا يدّعوا أي شكل من أشكال السيادة على أي جزء من فلسطين. وبينما أخذت المباحثات بالتطور وتجلت للجميع جدوى الضمانات الدستورية في هذا الإطار، أخذت تتلاشى مطالب الصهاينة بأن يكون لهم “وطن قومي” يقوم حصراً على الهوية العرقية لشعب إسرائيل، حتى إن أكثر الصهاينة تطرفاً أصبحوا على يقين بأنهم سيكونون بمنأى عن الاضطهاد في رحاب هذه الدولة الجديدة.

يقرر ويلر أن يزور هذه الدولة “القديمة الجديدة” كي يتجدد الوصل مع ليلى والتي تأخذه معها في القسم الثالث من الرواية ليتعرف على فلسطين الموحدة من البحر إلى النهر حيث يحل العرب واليهود فيها ويتنقلون كما يطيب لهم. يرى ويلر في هذه الدولة بعض الحاضرات الكبيرة كمدينة يافا-تل أبيب، والتي يقطنها 300 ألف عربي و 200 ألف يهودي يتوزعون على أحياء خاصة أو تجمعات حضرية مختلطة. أما عاصمة الدولة فهي القدس التي يسكنها مليون نسمة ينقسمون بالتساوي بين اليهود والعرب، والأمر سيان في بقية المدن والقرى الفلسطينية حيث يعيش العرب واليهود ويعملون معاً يجمعهم ولاءٌ مشتركٌ لأرض واحدة تدعى “فلسطين”. أما منصب الرئيس ونائب الرئيس فيكونان بالتناوب بين العرب واليهود كل خمس سنوات، على الرغم من أن عدداً متزايداً من الشخصيات الرفيعة في فلسطين ينظرون إلى أنفسهم على أنهم “فلسطينيون” لا على أنهم عرب أو يهود.

ومما يميز هذه الرواية ذكر الكاتب بعضَ الشخصيات المألوفة في أدوار ليست مألوفة لهم. فهنالك على سبيل المثال شركة خدمات هندسية تدعى “شفات” يشترك في منصب الرئيس التنفيذي فيها شخصيتان هما ياسر عرفات و أريل شارون، وهنالك إيلان بابي الذي يكون رئيساً للدولة، أمّا نائب الرئيس فهي غادة كرمي. ويظهر في الرواية كذلك رئيس الجامعة الأهم في هذه الدولة في حرم جامعي خاص خارج طولكرم وهو إدوارد سعيد. ومن الشخصيات الثانوية في الرواية أستاذ في مدرسة ثانوية يدعى بينيامين نتنياهو، ومزارع غير موفق في بيارة برتقال يدعى ديفيد بن چوريون، وقائد ناد شبابي يدعى مناحيم بيچن.

يجمع الكتاب بين الهجاء والخيال الخصب، وبالطريقة ذاتها التي وضعت فيها رواية ثيودور هرزل (الأرض القديمة الجديدة) النقاط على الحروف فيما يتعلق بالفكرة الصهيونية، فإنه يمكن لهذه الرواية أن تكون دافعاً للمضي قدماً نحو تحقيق دولة واحدة في فلسطين وإسرائيل. وسيفهم كل من يقرأ هذا الكتاب كيف أن فلسطين هي أمة واحدة رغم ما يشوهها اليوم من تقسيم على صورة حواجز وجدران فصلٍ ونقاط تفتيش، ويصبح في وسعنا من خلال النظر إلى الشخصيات التي نلتقيها في هذه “الأرض القديمة الجديدة” أن نؤمن بإمكانية تحقيق الهوية الفلسطينية المشتركة بين العرب واليهود والقائمة على الانتماء إلى الأرض والثقافة ومزيج الأديان. وقد أظهر المؤلف في ثنايا روايته كيف أن هذه الهوية ليست ممكنة وحسب، بل أنها الطريقة الأكثر عدلاً وإنصافاً لإنهاء المأساة الفلسطينية.

ويعد المزج بين الحقيقة والخيال في ذهن القارئ من الأساليب النفسية التي يمكن استخدامها أحياناً في الرواية، حيث تعمل العناصر الثابتة التي “حدثت بالفعل” على تعميق واقعية العناصر الخيالية التي لم تحدث. وقد درج استخدام هذا الأسلوب في الروايات التاريخية التي تشتمل على عرض معلومات حول أحداث وأناس من أرض الواقع لتقديم إطار للرواية الخيالية. ويتجلى هذا الأمر في عالم السينما، حيث أسهمت هذه العملية النفسية في بعض الأفلام الأكثر نجاحاً في العقود الخمسة الأخيرة، ابتداءً من فيلم “الخروج” وانتهاء بفيلم “قائمة شندلر”، والتي تم فيها عرض التاريخ اليهودي، أو نسخة من هذا التاريخ، للملايين من المشاهدين باتباع أسلوب الخيال الممزوج بالواقع في الأعمال الروائية. وقد لا ترى بالضرورة في هذين الفيلمين مثلاً تصويراً لمفهوم الأمة اليهودية، بالرغم من أنهما قد نجحا إلى حد ما في خلق تصور لهذه الدولة. ومن الأمثلة الأخرى التي يمكن الاستشهاد بها على توظيف الخيال والواقع معاً روايةٌ قلّ من يعرفها تدعى (لو خسرت إسرائيل الحرب) والتي تصور السيناريو الذي كان من الممكن أن يتبلور لو قامت الدول العربية بشن هجمات جوية ناجحة على إسرائيل. وإن تعجبْ فعجبٌ لما تقوله الدعاية على ظهر الكتاب والتي تقول: “قصة كابوس في الشرق الأوسط وعواقبه حول العالم”، وكأن الهجمات الجوية غير الإسرائيلية هي وحدها المسؤولة عن السيناريوهات المرعبة التي قد تحصل.

ولا شك في أن الأمثلة التي تناولناها فيما سبق تظهر جانبي الضعف والقوة في أسلوب الدمج بين الخيال والواقع في تصوير الأمم. فيمكن توظيف الخيال كأداة للدعاية الإعلامية ورسم صورة للأمة لا توجد على أرض الواقع ولن توجد أبداً. لكن وكما رأينا في الرواية الأصلية لهيرزل (الأرض القديمة الجديدة)، يصبح الأبعد احتمالاً قريباً وشيك التحقق، ومن يا ترى ينكر أن الرواية لم تصل بالنهاية إلى ظهور الأمة؟ إن أحد المزايا التي يتفوق بها الوصف الخيالي على النقاش القائم على الوقائع هو مستوى التفاصيل الذي يمكن للرواية أن تنقله للقارئ. قد أتمكن يوماً من كتابة رواية تتحدث عن حل الدولة الواحدة للمشكلة الفلسطينية- وهنالك العديد ممن قاموا بذلك فعلاً – ولكنها قد لا تصل إلى جمهور واسع من القراء، أو قد لا تتمتع بالمستوى ذاته من الإقناع الذي قد تجده في رواية تتميز بأسلوب رصين يصف عالَماً من نسج الخيال فيه من الحياة ما يكفي ليتمكن القارئ من الولوج إليها. ومع ذلك يبقى ذلك الأسلوب المزجي للوصف والمتبع في العنصر الخيالي في رواية “الأرض القديمة الجديدة” أكثر إقناعاً من الوصف الواقعي الصريح للسمات المحتملة للدولة الحديثة الواحدة في فلسطين-إسرائيل (وليس إسراطين كما يحلو لمعمر القذافي أن يسمها).

وبالرغم من أن المثال السابق عن رواية (الأرض القديمة الجديدة) كان تهكمياً في طبيعته، إلا إنني أرغب بكل صدق أن أكتب رواية على نسقها، مع علمي بما يفرضه ذلك من تحديات أمامي، إذ يلزمني لتحقيق ذلك أن أحصل على ما يلزم لرسم صورة واضحة المعالم لهذه الدولة القادمة. ماذا كان سيحصل بالفعل مباشرة بعد تصويت الأمم المتحدة لو لم تكن الأغلبية مع قرار التقسيم؟ كيف كان لنظام الحكم الذي أشرت إليه سابقاً في مراجعتي أن يعمل على أرض الواقع؟ كيف ستكون نسب توزيع السكان في هذه الدولة بعد عدة عقود لو تم التحكم بحركة الهجرة على الوجه الملائم؟ إنه من الأسهل بكثير أن تكتب رواية عن قيس يحب ليلى ويقتل زوجها زيداً ويكشف أمره المحقق عمرو، في قرية صغيرة في أحد الأرياف.

ويمكن أن نعزو سبب إحجام الروائيين عن كتابة مثل هذا النوع من الروايات التي تعتمد على معطيات من الواقع إلى الجهد المضاعف الذي يلزم للكاتب أن يبذله في القراءة والتنقيب عن موضوع روايتهِ أكثر من أي نوع آخر من الروايات. لكن وفي ضوء ما اختبرناه من القوة التي يتمتع بها العمل الروائي في إيصال الحقيقة وإعطاء صبغة واقعية للشخصيات -فالعديد من الناس مثلاً يعتقدون أن شرلوك هولمز و هاري بوتر أناس حقيقيون- تبقى الرواية وسيلة يقصر الكثير عن استخدامها في نقل الحقائق والوقائع الخاصة بالأمم في الماضي والحاضر والمستقبل.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s