هل يمكن أن نشفى من الشر

هل يمكن أن نشفى من الشر؟

جوناثان فريدلاند

ترجمة محمد زيدان

رابط المقال في نون بوست:

http://goo.gl/0T9C6h

لا يمكن للسياسة وحدها أن تفسّر لنا ساديّة داعش، فالأمر يأتي من جهة أعمق وأكثر ظلمةً من السياسة.

توالت هجمات مرعبة في فرنسا وفي تونس وفي الكويت، وكلّ ذلك في يوم واحد. بدا الأمر وكأنه تحدٍّ مريع، كل فاجعة تحاول التفوّق على أختها في جذب اهتمامنا المذهول رعبًا. الحادثة الأولى كانت قرب ليون، حيث حصل هجوم على مصنع هناك وعثر على رأس مقطوع على إحدى البوابات والجسد الذي انفصل عنه الرأس على مقربة منها، وقال الرئيس الفرنسي إنّ شيئًا ما كان قد كتب على الجثّة.

أمّا في سوسة التونسية فقد نشر السيّاح من هنالك صورًا فظيعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي التقطوها من غرفهم بعد أن هربوا إليها مسرعين، إذ ظنّوا بداية الأمر أنّ هنالك عرضًا للألعاب الناريّة ليتبيّن لهم أنّ تلك كانت أصوات عيارات ناريّة من مذبحةٍ حقيقيّة على الشاطئ. وفي مدينة الكويت كان العرض الأقبح من بين ما سبق، إذ دخل انتحاريّ إلى مسجد يكتظ بألفين من المصلّين وفجّر نفسه راجيًا أن يوقع العشرات من القتلى.

في يوم الثلاثاء السابق نشرت داعش شريط فيديو يظهر فيه خمسة من الرجال المسلمين أُلبسوا بذّات برتقالية أشبه بتلك التي تظهر على معتقلي غوانتانامو وقد احتجزوا في قفص معلّق ويجري إنزالهم وهم في القفص إلى بركة ماء كي يموتوا غرقًا. وقد أظهرت كاميرات حديثة تعمل تحت الماء لحظات موت أولئك الرجال، كيف يتخبّطون بلا جدوى فرارًا من الغرق الذي أدركهم. (وقد اعتمدت في نقلي لهذه الصورة على تقارير قرأتها، لأنّي أرفض مشاهدة مقاطع الفيديو التي يبثها ما يدعى تنظيم الدولة).

ما الذي نفهمه من هذه الأحداث؟ ما الذي بوسعنا أن نقوم به أمام ما شهدناه؟ سيقوم الخبراء بالبحث عمّا يربط بين هذه الهجمات لمعرفة العقل المدبّر لها، وستطالعنا وسائل الإعلام بجهات تدّعي مسؤوليتها عن الهجمات، وقد حدث فعلًا أن تبنّت داعش مسؤولياتها عن هجوم الكويت. وسنستمع إلى الكثير من التحليلات عن داعش وعن ردات الفعل حول العالم وعن طبيعة الإرهاب المعاصر.

إلا أنّ شيئًا أبسط من هذه كلّه له أن يربط بين هذه الأحداث الفظيعة جميعها، كان قد رشح شيء يذكّرنا به إلا أنّه قد ضاع في خضمّ هذه الجمعة الدامية، حيث قامت الملكة إليزابيث بزيارة معسكر بيرجن بيلسن، الذي كان أحد معسكرات الاعتقال النازية الذي شهد أشدّ الفظائع هولًا في تاريخنا المعاصر وقتل فيه أكثر من خمسين ألف إنسان.

حين وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها عام 1945 كتبت المنظّرة السياسية حنا أرندت تقول: “إن قضية الشرّ ستبقى السؤال الأساسيّ الذي تدور حوله الحياة الفكريّة في أوروبا ما بعد الحرب.” وكانت تقصد أنّه بعد الهولوكوست، حين يرى الأوروبيون ما كانوا قادرين على اقترافه، سيكون الاهتمام الأكبر منصبًا على فهم كيف كان هذا القدر من الرعب ممكنا. لم يبدأ التفكير بأمر الهولوكوست مباشرة عقب الحرب بطبيعة الحال، ولم يحصل ذلك في كل مكان، ولكنّه حصل في نهاية المطاف.

إبّان ذلك صارت “مسألة الشرّ” تعبيرًا يمثّل تحديًا خاصة للمؤمنين: كيف للمرء أن يؤمن برب رحيم قدير في عالم يشتمل على هذا القدر من الشرّ؟ لقد صار مقتل ستة ملايين يهودي من بينهم مليون طفل في أوروبا مسألة تتعلق بالعقيدة، إذ أضحت هذه الفاجعة من الأدلة التي يسوقها البعض على عدم إمكانية وجود إله كريم.

إلا أنّ ما شهدناه اليوم يؤكّد أن “مسألة الشر” هذه ليست أمرًا تاريخيًا، بل هي سؤال الآن الذي لا يمثّل تحديّا للمؤمنين وحسب، بل يمثل تحديًا لنا جميعًا ونحن ننظر إلى هذه العالم الذي ما يزال من الممكن أن تحدث فيه مثل هذه الفظائع، سواء كان ذلك في قتل مصلين في كنيسة كما حصل في تشارلستون في الأسبوع الماضي أو في مسجد كما حدث اليوم في الكويت.

أعرف أنّ هنالك تفسيرات متماسكة وصلبة لجميع هذه الأحداث فهنالك تفسيرات تاريخية وأخرى تتحدث عن صراعات جيوسياسية وأخرى عن عوامل محلية، وكل هذا يكشف لنا الكثير بلا شك، إلا أنّها لا تساعدنا في الوصول إلى لبّ القضيّة: كيف لكل هذا الرعب أن يكون أمرًا ممكنا؟

فلنأخذ على سبيل المثيل مقطع الفيديو الذي يظهر إغراق مجموعة من الرجال الذي تم تصويره بكل دقّة واحترافيّة. قد نفترض مثلًا أن الحقد الطائفيّ يفسّر هذه الجريمة، وأنّ احتلال العراق عام 2003 قد يفسّر مصدر القدرات التي مكّنت هذه المجموعة من امتلاك أدوات العنف والقتل، وأنّه لم يكن لها أن تسيطر على نينوى لولا أنّ قوات التحالف بقيادة الولايات المتّحدة لم تدمّر العراق الدولة. غير أنّ هذا ليس كافيًا لتفسير الساديّة لدى هؤلاء وقدرتهم لا على القتل وحسب بل على إذاقة طعم الموت المؤلم والمهين للآخرين.

الخيار الآخر المتوفّر لدينا هو أن نتوقف عن الشعورة بالحيرة تجاه هذا الأمر. إحدى الشخصيات في فيلم “هانا وأخواتها” والذي أخرجه وودي آلن والتي أجابت عن سؤال أرندت عن الشر حين قالت إنّ الناس الذين يتساءلون كيف كان للهولوكوست أن يحصل يطرحون السؤال الخاطئ. فبالنظر إلى طبيعة الناس، لا بدّ أن يكون السؤال كالتالي: “لم لا يحدث مثل هذا الأمر أكثر؟

العبارة المفصلية هنا هي: “بالنظر إلى طبيعة البشر”، وهي نظرة تستند إلى فكرة سوداويّة بشأن الطبيعة البشرية. فإن كنا نعتقد أنّ الإنسان كائن وحشي بالفطرة يجد اللذة في تعذيب غيره من البشر، فلن يكون ما يفعله هؤلاء الفتية من داعش أمرًا مستغربًا، إذ تتحول الساديّة لديهم إلى مجرد رياضة تنافسيّة.

ولكن إن انطلقنا من نظرة أخرى مختلفة للطبيعة البشرية تؤمن بقدرتنا على الحب والعطف، فإنّ مسألة الشرّ ستبقى بلا جواب. قد يجد البعض شفاء من جوابه في علم النفس مقترحًا أو ربما آملًا أن يكون هؤلاء الأشخاص المسؤولون عن جرائم اليوم مجرد مجموعة من المجانين المحطّمين. أمّا إن ذهبنا إلى أنّ هؤلاء القتلة ليسوا مجانين أن ندرس سلوك هذه المجموعة، على غرار ما فعل ستانلي ملغرام في دراسته بعد محاكمات بعض المتهمين في محرقة الهولوكوست عن الانصياع للسلطة وكيف أنّ الفرد قد يكون على استعداد لإلحاق الأذى بالآخرين بناء على اتباعه لتعليمات من سلطة يثق بها.

يمكن أيضًا أن نستعين بآخر النظريّات في مجال “فلسفة العقل” التي تقول إنّ الذات قد تكون مجموعة من سمات متشظّية للشخصيّة. فقد وضّح لي الأستاذ قاسم قسّام (Quassim Cassam) من جامعة واركِ أنّ الذات الموحَّدة تنضوي على كينونة متّسقة، أما عند بعض الأفراد فإن الذات تكون مشكّلة من شظايا مختلفة غير منسجمة مع بعضها. ومثل هؤلاء يكونون قادرين على استخدام آلية التقسيم (compartmentalization) حيث يمتثلون للطبيعة الإنسانية السويّة في جزء من حياتهم وينتهكونها في جزء آخر.

أمّا التفسير الأكثر بساطة فيشير إلى أنّ سفاحي داعش إنما يسيرون وفق تكتيك عسكري كلاسيكي سار على نهجه من قبلهم جنكيز خان وأتيلا الهوني يقضي بترهيب العدوّ وإرعابه، وعليه فإنّ داعش إنّا أغرقت أولئك الرجال لأنّها تريد بثّ الرعب في صدورنا.

في المقابل، ورغم أنّ هذه الأعمال قد تؤتي أكلها أحيانًا، وتزرع الرعب في نفوس بعض النّاس، إلا أنّها تبعث كذلك على التبرؤ والتقزّز منها. تكلمت في الأمس مع أسامة حسن، وهو مفكر إسلامي وجهادي سابق، فأخبرني عن “قرفه” من الفظائع التي ارتكبت هذا الأسبوع، وكيف أنّها بعيدة كل البعد عن النصوص الإسلامية التي تحرّم من بين ما تحرّم التمثيل بجثث القتلى.

أخبرني الشيخ أسامة أن هنالك معركة دائرة تستهدف الحضارة بأكملها، ولا بدّ أن تجمع هذه المعركة الناس على اختلاف مجتمعاتهم وأديانهم، من مسيحيين ومسلمين وهندوس ويهود وغيرهم، ليقفوا أمام فرقة الموت البغيضة هذه. إن الحديث عن حرب ضد الشرّ هو محض هراء، فلا يمكن الانتصار في حرب كهذه، فالشر فينا، ويظهر أنّنا لن نشفى منه. ولكن علينا أن لا نخافَ من تسمية هذا الشرّ باسمه.

فكرة واحدة على ”هل يمكن أن نشفى من الشر

  1. I will write in English, so excuse me

    I, also, think that the title question is not where the focus should be
    it ought to be:
    how could we diminish evil

    we shall (will?) never be able to cure from it, it is within us, it is us, too, whether we like it or otherwise

    It; evil, needs to be not just controlled but also diminished diligently and repeatedly. Because again, it is something innate in us, with varying degrees, but .. it is there!

    ————-
    so, and to end your misery and mine, the short answer is
    NO, we cannot

    the long answer would be

    NOOOOOOOOOOOOOOOOOO, never 😦

    but there is more than a “something” to do, there always is

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s