العودة إلى الالتزام

العودة إلى الالتزام

مناش بتاشارجي

ترجمة: محمد زيدان

نشرت الترجمة في صحيفة التقرير في 16 فبراير 2015

http://goo.gl/4b5vGC

https://www.guernicamag.com/wp-content/uploads/2014/12/391607175_ae982b5513_z.jpg

حين دخل الألمان باريس جلس بابلو بيكاسو هناك ورسم تفاحة، وقد مثّلت هذه الحكاية للكاتب الروسي فلاديمير سوروكين حالة صارخةً على ضعف تأثّر الفنّ بأكثر مواقف التاريخ إفزاعًا. لقد رأى سوروكين في فعل بيكاسو تجاهلًا للاستفزازات التي يدعو إليها وصول الفاشية إلى عقر داره، فكان الفعل في رأيه غير سياسيّ ولا شيء يترتّب عليه. غيرَ أنّ الأمر بخلاف ذلك تمامًا، فلا فعل أكثرَ ممانعة مما فعل بيكاسو، حيث يؤكّد الفنّ أثره السياسيّ بسهولة وثقة في وجه الاستفزاز والعنف. فبدلًا من الانطواء على الذات وهجر المكان الذي انتهكته القوات الغازية، فإنّ بيكاسو فرض نفسه فيه، وترك أثرًا لا يمّحي للسياسة في الفنّ.

لقد أثار جان بول سارتر في كتابه الشهير “ما الأدب” (1947) سؤال الالتزام في الفنّ والمعنى المقصود في عبارة “الأدب الملتزم”. وبأسلوبه الفذ في التحليل، توصل سارتر إلى رأي مفاده أنّ كتابة النثر وحدها هي ما يمكن أن يدخل في الأدب الملتزم، ذلك أنّ النثر أقدر على كشف الحقيقة. وهذه فكرة سارتريّة في مدح النثر تثير إشكالات شتّى: كتابة النثر هي الشكل الوحيد الملائم للكتابة الملتزمة ليس لأنها أفضل أشكال الكتابة أو أعلاها رتبة بل لأنها الأقدر على تحقيق الدور الأداتيّ في استجلاء الأمور ذات الأهمّية السياسية. فالوجهة التي يرسمها النثر في رأيه لا يوازيها شيء من ناحية التعبير عن القضايا السياسية لأنها تمهّد السبيل نحو الفعل السياسيّ. فممارسة الكتابة الملتزمة تحتاج أن تتوفّر على قوة قابلة لأن تترجم إلى فعل في عالم السياسة في أرض الواقع. فالنثر ولا شيء إلا النثر “يظهر حقيقة العالم” بهدف تغيير العالم. فالكتابة الملتزمة لدى سارتر هي ما تنتج بشكل مقصود (الوعد بــــ ) الفعل الملتزم.

أمّا الشعر فلا يوفّي المعايير التي افترضها سارتر للكتابة الملتزمة، إذ يبقى ضمن دائرة التفاعل السلبي مع العالم كحالة من “الشهود”. ثم إنّ الشعراء المبدعين من أمثال آرتور رامبو أو بيير إمانويل، ليسوا عنده سوى أمثلة على الفشل، اختارت أن تخسر في سبيل الفلاح. للشعر عند سارتر نقاء سلبي باعتباره أداة عاطفية توظّف فيها اللغة لتمثيل “الألم المتحوّل إلى شيء.” فالشعر مجرّد عن الوظيفيّة، ولذا لا إمكان فيه لكتابةٍ قادرة على إحداث التغيير. ينطبق الأمر ذاته على الفنّ، في لوحة غيرنيكا لبيكاسو على سبيل المثال، إذ يظهر العجز عن تحقيق الأثر السياسيّ من خلال البحث عن “الجمال” الذي عبّر عن “التزام أخلاقيّ” وليس عن “التزام سياسيّ”. فلوحة غيرنيكا في نظر سارتر قد قامت بتحويل “الفظائع إلى أشكال تجريديّة” من دون التصدّي بفعالية للحقائق السياسيّة الجليّة.

إن الهرميّة (السياسيّة) التي وضعها سارتر للالتزام في الفنّ والأدب قد نالت نصيبها من النقد والمراجعة من قبل عديد الكتاب والمثقفين. لكنّ ما يلزم توجيه الانتباه إليه هو أنّ الفنّ الذي أبدعته ريشة بيكاسو حين دخل النازيون إلى باريس كان قد حرّك الخيال السياسي إلى أقصى حدوده في أربعينيات القرن الماضي. لم يتمكّن سارتر من إدراك علائق أكثر عمقًا بين الفنّ والفعل السياسيّ، ذلك أنّه أراد وجود وظيفيّة أساسية مباشرة في العلاقة بين الاثنين. إن التمثيلات الرمزيّة للحقيقة السياسيّة يمكن أن تترجم إلى لغة مباشرة يمكن استخدامها سياسيّا. فالشعر والفنّ يسهمان في تشكيل الحساسيّة السياسيّة، ليس من خلال استثارة الحواس فحسب، وإنّما بإقامة علائق غير عقلانيّة بين وسائطها والسياسة. فلا يمكن افتراض أنّ الرموز والصور تعدم تناظرًا مع السياسة لمجرّد أنّها ليست داخلة في إطار لغة عقلانية ومنطقية. إنّ الفعل السياسيّ نفسه ليس حركة منطقية خالصة من القوى التي تشكل الحدث. إنّ لغة الفن والشعر قادرة هي الأخرى على أن تترجم إلى سياسة: كانت اليافطات التي حملها الطلاب في ميدان “تيان آن من” تشتمل على أسطر شعرية من قصيدة للشاعر بي داو (Bei Dao) بعنوان “الإجابة”. يقول الشاعر في هذه القصيدة التي كتبت بلهجة استنكارٍ للأكاذيب الرسمية: “دعني أقل لك، أيها العالم/ أنا- لا – أصدّق/ لو صار تحت الأقدام ألفٌ من الثائرين/عدوني واحدًا بعد الألف..”

كان أدورنو من أولئك المفكرين الذين ردّوا على سارتر، فبعد انقضاء خمسة عشر عامًا على تقديم سارتر لمفهوم الكتابة الملتزمة يطالعنا أدورنو بفكرة استقلاليّة الفنّ. إنّ الفنّ المستقل وفقًا لأدورنو يتناول القضايا بشكل سياسيّ كما هي الحال عند سارتر، فلا يكون الهدف منه متعلقًا بالسوق بل يبتعد كل البعد عن تحويله إلى بضاعة. إلا أنّ أدورونو يرفض فكرة الفنّ كالتزامٍ بمثالٍ سياسيّ في المقام الأول. الفنّ والأدب في رأيه يمتلكان سبلًا أكثر مكرًا للوصول إلى عمق السياسة، ذلك أنّ السياسة نفسها تعجّ بكل أنواع الإشارات والحوافز الغريبة. إنّ إدراك الغريب عبر المعقّد يشكّل طريقة فاعلة للتعامل مع معنى السياسة، إذ يساعد على كشف أساليب السياسة المعقدة في تحكمها في الواقع. غير أنّ أدورنو قد شطح وبالغ حين أطلق وصف “البربري” على كل شعر بعد الأوشفيتز، إذ فنّد باول سيلان هذه المقولة حين انعكست في شعره الروح السوداء للهولوكوست من خلال اللغة الخاصّة التي وظّفها. قد يكون سيلان “خاسرًا” حسب سارتر، إلا أنّ ما كتبه يزيد من فهمنا وحساسيتنا تجاه السياسة.

إن عالمنا اليوم يختلف عمّا كان عليه في زمان سارتر وأدورنو، فلم تعد الشيوعية الأيديولوجيا المسيطرة في عالم السياسة. بيدَ أنّ الفاشية والخوف منها ومن غيرها من أشكال الحكم الشمولي- كما كان يخشى كافكا وسيلان- ما تزال قائمة في العالم. لقد تمكنت الرأسمالية من إغواء ملايين البشر بأنّ مهارات الفرد التي تدل على شغفه بأمر ما هي الأمر المثالي، وأنّ أكثر ما هو مناسب للسوق إيجادُ أفراد يسعون خلف تحقيق ذواتهم وفق معادلة آين راند: الفردية الفجّة والعقلانيّة والأثرة المحافظة. وهكذا وصل بنا الأمر إلى المفارقة الخطيرة في أنّ الناس الراغبين في سعادة أكبر لا يتورعون عن دعم الحرب وتجارها. وهنا نذكر الفيلسوف الفرنسي جورج باطاي (Georges Bataille)، الذي قال في إحدى محاضراته عام 1938 إنّ القبح المستور للمجتمع يصبح مصدرًا للجذب ومن ثمّ يصير تطلّعًا إلى شكل وحشيّ من الجمال. إنّ الموتَ هو المخلّص للمجتمع الباحث عن المجد. لقد دُفعَ الناس للسير وراء طموح منقطع عن التاريخ يدعى: النجاح. فعلت هذه الكلمة فعلها في الناس، كقوّاد يرفع صوته في الأسواق يعد الجميع بجنّة من العاهرات، إلا أنّ العاهرة متملّصة مراوغة.

إن فكرة سارتر عن الشاعر بوصفه “خاسرًا” توقّفت عن كونها تلطّفًا فلسفيًا لوصف أولئك الذين لا ينفكّون عن الإخلاص لصنعتهم التي لا تتيح لهم كسب العالم، تاركةً لهم فرصة العيش في إطار فشلٍ سامٍ. فحتّى الشعراء والفنانون قد نجوا بأنفسهم من مغريات الفشل وانغمسوا في الإطراء الجماعيّ عليهم. إنّ تأمين مكانة رفيعة في الدوائر الاجتماعية والثقافية يتطلب حالة اقتصادية رفيعة للذات. وينشأ عن هذا ما أدعوه أنا بالشعر الخصوصي أو الفنّ الخصوصيّ، حيث يكون العالم موجودًا كأداة وحسب يجري التهامها من أجل تحقيق الذات. إنّه حبّ وثنيّ، حيث تكون الذات هي نفسها الوثن.

من الضروري تذكّر سارتر وانشغاله بقضيّة الأدب الملتزم، ولا بدّ من الإقرار بأنّ التناول النقديّ لهذه الفكرة من قبل مثقفين آخرين قد وسّع معنى الالتزام في الفن والأدب. من الضروري انتشال الأدب والفنّ من طوفان يولّي وجهه نحو العامّة والاستغراق في تضخيم الذات، تمامًا كما نحرص على حماية الأدب والفنّ من التصورات الستالينية عن الخلاص. لم تعد الثورة محصورة في فكرة واحدة. كل حقبة تضيف أفكارًا جديدة إلى تعقيدات التاريخ التي لا تفتأ تزداد. بإمكاننا التعامل مع هذه التعقيدات سياسيًا من خلال سمة قابلية الترجمة التي تتوفر عليها جميع أشكال الفن والأدب وطاقاتها الجمالية غير العقلانية. لقد عمدت جميع الحركات الراديكالية في الفن والأدب في العصر الحديث إلى معارضة السلطة البرجوازية وتقاليدها، وقد علمونا أنّ اتخاذ موقف ما يعني (كذلك) أن تتخذ موقفًا معارضًا ما. ففكرة الالتزام هي جزء من فكرة المعارضة في الفن والأدب. لقد حان الوقت للرجوع إلى فكرة الالتزام بمفهومها الأوسع والأكثر تنوعًا مما اقترحه سارتر، من أجل التعامل مع معضلات الحاضر. يجدر بنا تخيّل صورة بيكاسو مرّة أخرى وهو في حالة من الاكتراث وعدمه أمام دخول النازيين إلى باريس، حيث تحوّلت أفكاره وموقفه المعارض إلى شعلة على جداريته.

مناش باتاشارجي، شاعر وكاتب وباحث في العلوم السياسيّة في جامعة جواهر لال نهرو في نيودلهي.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s