طه حسين والتعليم بالفصيحة

ًلن تؤثر كثيرًا تلك الدعوات التي تنال من العامية وتنتقص منها، فليس البخس من أهمّية العامية، لغة حكايانا وأمثالنا، ولغة ألعابنا وصبانا، إلا محض انفعال عابر، ووهمًا سيزول لو عقلنا حقيقة بسيطة، هي أنّ الفصيحة كما أنّها لا تطلب التخلّص من تعلّم اللغات الأجنبية تمامًا لحفظها، فهي بالأحرى لا تريد كذا أن تقضي على ربيبتها العامّية. كل ما في الأمر هو أنّ العربية الفصيحة تحتاج إلى إحياء في سبل تعليمها ومناهج تدريسها ونطاقات استخدامها في المجتمع. العربية الفصيحة تحتاج إلى نفض لمعاجمها وإحياء لكثير من دارس مفرداتها التي نحتاج تداولها اليوم ومنحها روحًا ومعاني جديدة. تحتاج لأن تكون لغة العلم والتعليم في المدرسة والجامعة، وتريد من طلابها أن يكونوا قادرين على توظيفها والاستفادة من الإمكانات الهائلة التي تنام هذه اللغة عليها. ليس الأمر متعلقا بحرب على العامّية أو اللغات الأجنبية، بقدر ما هو مرتبط بإعطاء الفصيحة حقها وإنزالها منزلتها التي لا يمكن للغة أخرى أن تشغله إلا إذا كان العرب راغبين في المضي قدمًا نحو شبه أوطان بأشباه لغات ومزيج لهجات ومجتمعات معرفة لا عماد لها من لغةٍ جامعة هي لنهضة العلوم بمثابة الأساس للبناء.

وفي كثير من الأوقات التي نناقش فيها أمر الفصيحة والعاميةّ في مجتمعنا العربي، يهبّ بعضهم مهاجمين طه حسين، في محض انفعال وعاطفيّة مفرطة وعيش في انبهار بالرافعيّ خصيمه وبالأخص كتابه “تحت راية القرآن”. وكما لا يمكن بالضرورة قبول كل ما جاء به طه حسين إلّا أنّ الرؤية اللغوية التي امتلكها كانت أبعد نظرًا وأكثر صحّة وأقل انفعالًا مما كان عند الرافعي وغيره من معاصريه ممن حملوا عليه. وليس أدلّ على ذلك من اقتباس أنقله من كتابه “مستقبل الثقافة في مصر” يقول فيه:

فاللغة العربية التي أريد أن تعلّم في المدارس على أحسن وجه وأكمله، هي اللغة الفصحى لا غيرها، هي لغة القرآن الكريم والحديث الشريف، وهي ما أورثنا القدماء من شعر ونثر، ومن علم وأدب وفلسفة… وإني من أشد الناس ازورارًا على الذين يفكرون في اللغة العاميّة على أنها تصلح أداة للفهم والتفاهم، ووسيلة إلى تحقيق الأغراض المختلفة لحياتنا العقلية. قاومت ذلك منذ الصبا.. وسأقاوم ذلك في ما بقي لي من الحياة ما وسعتني المقاومة، لأني لا أستطيع أن أتصوّر التفريط ولو كان يسيرًا في هذا التراث العظيم الذي حفظته لنا اللغة العربية الفصحى، ولأني لم أؤمن قط، ولن أستطيع أن أؤمن بأن للغة العامية من الخصائص والمميزات ما يجعلها خليقة بأن تسمّى لغة، وإنما رأيتها وسأراها دائمًا لهجة.

ولكنّه في الوقت نفسه وجّه دعوات إلى إصلاح للغة وطرائق التعليم والنهوض بالصناعة المعجمية والترجمة، من دون تعصّب لقديم ووقوف عنده، وقد تركت هذه الدعوات آثارًا كان يمكن أن يكتب لها النجاح لو توافرت الشروط الموضوعيّة الأخرى من إرادة سياسيّة وتدبير لغويّ عامّ تقوم به الدولة وتدعمه.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s