الأسبوع الثامن/2

كتب أحد الأصدقاء قائلًا إنّه يرجو مما يكتبه البعض ومما ينشر من صور في وسائل التواصل الاجتماعي أن يكونوا سعيدين حقّا بقدر ما تدلّ عليه كتاباتهم أو صورهم. عادة ما يكون التعبير عن السعادة كتابةً أمرًا تحوم حوله الشبهات، ويعكّر صفوه شعور عامّ بأنّ السعادة أمر بعيد المنال، بالأخصّ عنّا نحن. أمّا التعبير عن الحزن فهو الآخر مشوب بتعكيرات أخرى، تجعل المعبّر عنه، لو انتظر وتأنّى، يفضّل كتمه في سرّه والإحجام عن نشره.

الكتابة أمر صعب، وأصعب ما فيه أن تكون في انتظار قارئ ما. كل ما نحتاجه في كتابتنا أن نكتب لنا نحن، أن نعيش لحظةً شخصيّة بعيدًا عن أعين الآخرين وردود أفعالهم. لك الحقّ في حفظ حكاياتك، كتابتها، تذكّرها، التعلّم منها. لك الحقّ في تعلّم الكتابة، في العيش مع لغتك وكلماتك، في تعلّمها ومعرفة مفرداتها وتحليل حروفها. لم تقرأ العقّاد والرافعي والطهطاوي وميخائيل نعيمة وجبران بعد؟ لا تقلق، انخرط بكتابة نفسك، وستجدها منساقة تتعلّم طوعًا مما كتب السابقون. ألم تقرأ في بطون الأدب وأخبار المتأدّبين والشعراء الأوائل،؟ لا عليك، عشقك للغتك سيحطّ بك يومًا ما في ديوان شاعر منهم، أو رسالة أديب بينهم، وستهديك الكتابة إلى مزيد من القراءة.

أجد المصداق الواقعيّ لهذا الشعور أثناء الترجمة، حين أنشغل بترجمة كتاب أو نص طويل، فأستغرق بالترجمة، أصل إلى نقطة لا أستطيع عندها أن أترجم سطرًا آخر، فلا تتجدّد الروح في ذهني المترجم سوى بالقراءة، فأقرأ في وحي الرافعيّ أو أتنقّل بين فصول “جواهر الأدب” للهاشمي، أو أجد نفسي بين قصائد لدنقل أو درويش، أو حتّى أذهب لبعض ما ينشر في الصفحة الثقافيّة في العربي الجديد إن كان المكان الذي أترجم فيه خلوًا من الكتب. وربّما هذا ما يزعج زوجتي في بعض الأحيان، فترى كتبًا متراكمة على مكتبي، فتقول لي، أحقّا تقرأ في كل هذه الكتب؟؟ في آنٍ معًا؟ والجواب أنْ نعم، القراءة هي السرّ الذي يدفعني للترجمة، وهي الزاد الذي يجعلني مترجمًا يطمح لأن يفعل شيئًا في عالمه. أذكر حين ترجمت كتاب “فلسطين تاريخ شخصي” وقد ترجمت معظم فصوله في مكتبة شومان، أنني كنت أحمل معي جزءًا من المعجم الوسيط، وكتاب وحي القلم للرافعي، فأقرأ ساعتين أو أكثر، ثم أباشر بالترجمة، فكنت أشعر أن شيئًا من روح الرافعيّ تتسلّل إلى قلمي. الأمر يشبه الإحماء قبل الرياضة، وكلامَ المدرّب الذي يحفّزك على إنهاء تدريبك وعدم الاستسلام، فكان إحمائي للترجمة بالقراءة المكثّفة.

وكذا الأمر في الكتابة، كلما قرأتَ أكثر كَبُر ونما شيطان قلمك أو ملاكه، سمّه ما تشاء. كل ما أريد قوله هو أنّنا نشرّق ونغرّب بعيدًا عن لغتنا في كل يوم، ولا أجد شيئًا كالكتابة يعيدنا إلينا وإليها.

حين شرعت في الكتابة هذا الصباح، لم أكن أقصد أن أكتب كلّ ما سبق، إنّما كنت أريد أن أخبركم بأنني على وشك الانتهاء من الأسبوع الثامن من برنامج الركض، سأركض غدًا الركضة الأخيرة منه، ثم أشرع في الأسبوع التاسع والأخير من البرنامج الأوّل. أركض الآن 28 دقيقة بشكل متواصل، بعد أن كانت ثلاث دقائق فقط كفيلة بقطع نفسي. سعادةً ورضًا، بتّ مؤمنًا بأنّ للرياضة أثرًا عجيبًا على النّفس، إذ يقلّ التوتّر، ويزيد الإنتاج، وتخفّف عن نفسك من ضغوط الحياة متجنّبًا الهروب من لظى الروتين وضغط العمل إلى لهب الفحم والدخان والأرجيلة.

#اركضوا_تصحّوا

الأسبوع الثامن الركضة الثانية
الأسبوع الثامن الركضة الثانية

10 أفكار على ”الأسبوع الثامن/2

  1. أنا أتابعك منذ أن بدأت الكتابة، منذ أيام (الأرجيلة والتأرجل) وأشعر بالسعادة كونك تحقق هذا الإنجاز، فقد عشت فرحته سابقاً. لقد خضت نفس التجربة تقريباً، فقد كنت من المدخنين الشرسين، لكن عندما ذهبت لدراسة الماجستير في الولايات المتحدة كانت الولاية جميلة جداً، وساعدتني البيئة الجميلة على ترك التدخين وكان بإمكاني أن أركض أكثر من 35 دقيقة، لكنني تراجعت كثيراً بعد أن عدت إلى الإمارات. أما ما يتعلق بالكتابة فأنا أحب الكتابة لأني أخرج بها من وحدة القراءة الجميلة، وأشعر من خلالها بإنسانيتي، والأهم من ذلك أنني أنسى كثيراً، أحياناً أحاول أن أسترجع مشاعري وأفكاري في موقفٍ محدد في حياتي وأجدني عاجزاً عن ذلك، قد يكون ذلك نعمة أو نقمة بالطبع، لكنني قررت أن لا تضيع هذه الأحداث سدى. ورغم أنني قارئٌ جيّد إلا أنني أجدني عاجزاً تماماً عن كتابة أي شيء بجانب مذكراتي، بت أكتب بعقلية المترجم، فلا أشعر بسلاسة اللغة ولا بعفويتها ربما لأني اقرأ بالإنجليزية أكثر من العربية ويمكنك أن تلاحظ ذلك حتى في علامات الترقيم! اقرأ في كل شيء، أحب الشعر واقرأ كثيراً لمحمود سامي البارودي. المهم أنني أفكر أن أترجم كتباين أو ثلاثة الآن، وكبيرٌ من الفضل يعود لك، أريد أن أنجز شيئاً، وبما أنني أحب العربية وأحب علم النفس والتاريخ والأدب فكرت في أن أترجم في هذه المجالات. هذه الكتب أثّرت في نفسي كثيراً لذلك قررت أن أترجمها:
    Strangers to Ourselves – Timothy D. Wilson (Psychology)
    Malcolm Gladwell – Blink (Social Psychology)
    القوقعة – مصطفى خليفة (أدب السجون)

    1. صديقي أحمد، وأنا دومًا سعيد بمتابعتك ومتبعة هيثم الشيشاني، وسعيد بأن ما أكتبه يصل ولو لشخص أو شخصين، هذا رائع🙂
      مبروك أنك تركت التدخين، ومبروك لأنّك تعرف الطرق التي تؤدي إلى نفسك. ستجدني دومًا جاهزًا للمساعدة في مشاريعك الترجمية، وأتمنى أن نلتقي قريبًا.

    2. سلام أحمد.

      سعيد بأنك اقلعت عن التدخين. أرجو أن تكون “شرساً” في إقناع و لو شخص واحد كل سنة بأن باستطاعتهم تحقيق ذلك أيضاً🙂
      —————–
      ذهبت لمدونتك و قرأت بعد التدوينات (بالعربية + بالانجليزية) – كلام جميل
      وجدت رابطاً، أيضاً، لمقطع فيديو تتحدث فيه عن مشروعك/مدونتك
      —————————-
      “إلا أنني أجدني عاجزاً تماماً عن كتابة أي شيء بجانب مذكراتي”
      ربما مقارباتك للكتابة لم تك متوافقة مع أسلوبك في التعبير. أعني أن تقييمك لكتاباتك + حصر الجيد منها بتصنيف “مذكراتي”
      ربما مرجعه أنك تحاول الانسياق وراء قولبت جاهزة، عموماً، لم نطلق عليه كتابة “جيدة”. ربما🙂

      أعتذر إن بدوت بعاليه كمن يطلق أحكاماً لكن مقصدي أن تحاول أكثر في جهد الكتابة + إن كنت تقارن -و لو من غير قصد- ذاك الجهد ب-“معايير”
      معينة أو متصورة لجهد الكتابة أن تجعل ذلك واحداً من معير حكمك على كتاباتك و ليس الأوحد أو الأهم. كلمتا “عاجزاً تماماً” ذكرتني بنفسي وصراعاتي
      مع الكتابة + تحولات الكتابة “من ترجمة إلى أكاديمية وكذا محاولة روائية” و أعتقد جازماً أن كلاً من قاطني الكوكب يقدر على الإتيان بفعل الكتابة
      .. تحتاج مراناً، عضلات الكتابة نزقة!
      من لمحة سريعة على مدونتك أنت قطعت مسافات واسعة أكثر ممن لم “يجرؤ” على خط جملة بعد!🙂

      أشكرك و عذراً على الإطالة + الإقحام!

  2. أطلقه لينمو، أكثر، هذا القلم🙂

    “و ستهديك الكتابة إلى مزيد من القراءة”
    هدايةً و هدية!🙂

    + 30 minutes.. here I come😀

  3. 🙂 سلام هيثم، أشكرك كثيراً على قراءة تدويناتي ونقدك وعنايتك بالإجابة

    أعتقد أنك على حق عندما تقول أن المقاربة نوعاً ما غير متوافقة مع التعبير، ربما أكون قد بالغت قليلاُ حيث أنني في الفترة الأخيرة لم أبذل الجهد المطلوب وحقيقةً لم أعني بذلك أن مذكراتي جيدة، فأنا لا أحكم عليها بحكم أنني لا أنشرها. كما ولا أنكر تأثري بالأفكار المقولبة عن الكتابة أحياناً، مع أنني أحاول أن أقاوم الأفكار الجاهزة وأحاول أن أذكر نفسي أنني أكتب لأسبابي فهذا يريحني من عناء المقارنة والتقييم نوعاً ما.
    يسعدني ما حققت من تقدم وأتمنى لك مزيداً من النجاح وإن كنت قد نشرت أي عمل روائي فيسعدني أن أقتنيه واقرأه.
    أما ما يتعلق بالتدخين فبالفعل فد أثرت على رجل يدعى هنري من تكساس، وكان مقتنعاً تماماً بأنه لا يمكنه فعل ذلك بعد عمرٍ مليء بالنيكوتين، وحقق إنجازاً ملحوظاً🙂
    أتمنى أن نتقابل قريباً وأتعرف عليك شخصياً

    1. يسعدني أن نلتقي. من يدري قد يكون قريباً🙂

      محاولة روائية = خربشات ليس إلا🙂

      فرحت بقراءة أنك ساعدت شخصاً على ترك تلك الآفة!

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s