سميراء تدوّن بالعربيّة

سميراء كوج، كانت طالبة متميزة، وهي الآن صديقة وزميلة تكتب وتدوّن. درست العربية واجتهدت فيها، فقطفت من ثمارها الدانية، وحققت ما يصعب أن يحققه أي طالب عاديّ. قلّة فقط من الطلاب تركوا أثرًا لا يمّحي من ذاكرتنا، وسميراء واحدة منهم.

سميراء تقرأ لتجد، وتكتب لتكون. وعدتها بأن أنشر مقالها هذا في مدونتي، وأنا سعيد بهذا أيما سعادة.

بسم الله الرحمن الرحيم

 

فتاة تركية في فيينا

ما في المقامِ لذي عقلٍ وذي أدبِ…. مِنْ رَاحَة ٍ فَدعِ الأَوْطَانَ واغْتَرِبِ

سافر تجد عوضاً عمَّن تفارقهُ…. وَانْصِبْ فَإنَّ لَذِيذَ الْعَيْشِ فِي النَّصَبِ

 (الامام الشافعي)

تنفتح أمام المسافر آفاق جديدة، وتعّرفه بلادًا وشعوبًا جديدة، وعندما يشاهد المسافر ما في السياحة من عجائب يزيد عقله علما و ثقافة، إذ يرى آيات الله المختلفة في الكون.

والإسلام يحث على السياحة فتبدأ أكثر من آية في القرآن الكريم بــ”قل سيروا في الأرض”. هذه حقيقة لا تقبل الجدل إلا أنني لم أدركها تمامًا حتى قدّر لي السفر و منّ الله عليّ بزيارة عاصمتين في وقت قريب، و بعد ذلك أيقنت الحكمة من السفر.

كانت أولاهما الى عمان، عاصمة الأردن وهي قصة طويلة وليست موضوع هذه المقالة، أما الأخرى فهي إلى فيينا عاصمة النمسا التي حاصرها أجدادي مرتين و لم يتمكنوا من فتحها – كما أبلغنا المؤرّخون  – فقد كان السلطان سليمان القانوني وهو من أعظم السلاطين العثمانيين قد فتح هنغاريا بحرب الموهاج وهي من أقصر الحروب في تاريخ العالم إذ استمرت ساعتين! لكن أرشيدوق النمسا (فرديناند) كان يرغب في السيطرة على هنغاريا كذلك فهاجمها و استولى على بعض أراضيها، وحينئذ حاصر السلطان سليمان القانوني فيينا لكنه فشل في السيطرة عليها بسبب  البرد القارس  فيها ثم انسحب الجيش العثماني، وكان هذا أوّل إخفاق للعثمانيين في فيينا، وأمّا الإخفاق الثاني فكان في عهد السلطان محمد الرابع  في سنة 1638، وفرح الأوروبيون بعد هذه الهزيمة فرحة غامرة وأدركوا بعدها أنه يمكن هزيمة العثمانيين وهذا ما شجعهم على الهجوم عليهم، وبعد هذه الحادثة دخلت الدولة العثمانية في “عهد التراجع”.

وبعد هذه اللمحة السريعة عن تاريخ فيينا هيا بنا نقذف الماضي ونتحدث عن الحاضر ونتجوّل في شوارعها، إذ تخبرك الشوارع عن نفسها أشياء كثيرة لا تجدها في الكتب. ها هي شوارعها الواسعة النظيفة تجاورها طرق لسائقي الدرّاجات، تتمشّى  في الطرق وتصاحبك الأشجار والهدوء ويخيل لك أن هناك حظرا للتجوّل في هذا البلد، وللحظة يخيل لك أنك تسمع صوت الرجال الذين يصرخون من الحافلات قائلين “صويلح، صويلح!” في عمان و تبتسم ثم تستمر في المشي وتحس كأن هناك شيئًا ناقصًا، ولا يمر وقت طويل حتى تجده و تسأل أين الأصوات الصاخبة ودخان العوادم والازدحام المروري، فتعلم أنهم قد حلّوا كل هذه المشاكل بـترام وقطار الأنفاق وربطوا كل مكان فيها بالقطار فيعجبك هذا كثيرا و تنادي إسطنبول من بعيد”عقبالك حبيبتي”، وتمضي ماشياً حتى مركز المدينة و حين تصل هناك تجد نفسك في مدينة محاطة بمتاحف ذات مبانٍ ضخمة وتصاميم معمارية رائعة، وتلاحظ على جدران بعض هذه المباني أشكالًا دائرية وتسأل عن ماهيتها و يدهشك الجواب؛ عندما تعرف أنها قنابل المدافع التي رماها العثمانيون على فيينا أثناء حصارها وهم كانوا قد التقطوا هذه القنابل و دهنوها بلون أصفر ربما بماء الذهب – لست أدري- ووضعوها على مباني المدينة حتى يتذكروا تلك الأيام و يتعلّم أطفالهم و أجيالهم الجديدة كيف تغلب النمساويون على العثمانيين في الماضي؟!

أحزنت أخي؟ لا تحزن، و تابع الطريق وشاهد ما الذي ينتظرك. تتميز فيينا بتماثيلها تشاهدها صغيرة أو كبيرة في كل مكان و ويرمز كل تمثال لشيء معين حسب اعتقادهم، ولقد شاهدت تمثالا لجندي عثماني تحت أقدام جنود نمساويين و أسلحته قد تناثرت على الأرض و لواء الدولة العالية العثمانية تحت الأقدام كذلك، وفي تمثال آخر تشاهد قائد نمساوي فوق صهوة حصانه و تحت قدم الحصان رسم الهلال الذي يرمز به المسلمون للفظ الجلالة،  وبعد ذلك تريد أن تذرف دمعا حامياً، تسأل لماذا؟ وأجيبك بأنهم خافوا كثيرا من هجمات العثمانيين، أتريد دليلًا على هذا؟ إذن اسمع، كانوا قد وظّفوا جنودا حتى يرصدوا جيوش العثمانيين و يخبروا الجميع عن طريق دق الجرس، بدأ هذا الأمر سنة 1534 و استمر حتى سنة 1956 إلى أن أيقنوا أنهم في مأمن من الهجمات، وهكذا استمر فيهم رعب الأتراك 422 سنة تماما، يا لها من مهابة كان عليها أجدادي.

وحين تشاهد كل ذلك تتسائل عن أحوال الأتراك و المسلمين الذين يعيشون في النمسا بالطبع، وهنا تختلط الأمور في رأسي؛ لأنني كنت أظنّ أنهم يظلمون المسلمين بسبب حقدهم لكنِّي عرفت – بعدما قابلت بعض الأتراك الذين يعيشون فيها و تكلمت معهم بشأن ذلك – أنّ المسلمين مرتاحين فيها حقا و يؤيد ذلك نسبة المسلمين الذين يعيشون فيها حيث تصل إلى 20% من السكان و هذه أكبر نسبة في أوروبا كلها!  وهذا مؤشر لارتياحهم هناك ، ولولا ذلك لما هاجرت الطالبات المحجبات التركيات من وطنهن إليها بسبب حظر الحجاب في الجامعات التركية، يا للغرابة! اضطرت البنات التركيات إلى الهجرة من موطنهن الذي يدين جل سكانه بالإسلام الى بلد يدين معظم سكانه بالمسيحية حتى يدرسن وهن يلبسن الحجاب!

أتعرف أخي أن حكومة النمسا تعترف بالإسلام دينا رسميا منذ قرن و توظف موظفين مسلمين في المدارس و السجون، ويستطيع المواطن المسلم تدريس الدين الاسلامي أيضاً، وهناك كلية في الجامعات تدرس علم أصول تدريس الإسلام بالنمسا. لكن هل تعتقد أخي أن كل هذا بسبب حبهم للمسلمين؟ لا أعتقد ذلك، فقد قال الله تعالى في كتابه العزيز “ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم” إذن ما هو السبب في هذا الانفتاح على المسلمين هناك؟ فهم يريدون أن يؤكدوا على الحرية، ويؤكد رأيي مهرجان المثليين الذي شاهدته في فيينا، و بالنسبة لي فإن موضوع “الإسلام في النمسا” يحتاج إلى دراسة لأن الدعوة إلى الإسلام بمثل هذا البلد الذي تخيم عليه الحرية أمر سهل و نستطيع فتح فيينا من خلال القلوب لا من خلال الحروب، فانظر ماذا ترى؟

سر في النمسا وانظر ما فيها يزد علمك ، سر وشاهد الكنيسة الملعونة- كما يعتقد البعض – لأن جدرانها اسودّت من تلقاء ذاتها، وشاهد بيوت الفنانين المشهورين أمثال موزارت وبتهوفن ، والقصور الرائعة والحدائق الغنية، وأكبر حديقة للحيوانات في أوربا في فيينا.

“اقرأ تجد، اكتب تكن”، قرأت سميراء بعض فصول من القرآن  الصامت-الكون- حتى تجد و كتبت حتى تكون .يقول عالم متصوف فارسي”لا يستطيع كل من يبحث العثور، لكن الذي وجد هو الذي بحث” اللهم اجعلنا من الذين بحثوا و وجدوا… آمين

سميراء خديجة قوج 31-08-2013

 الفاتح

فكرتان اثنتان على ”سميراء تدوّن بالعربيّة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s