ما تزال الغربة توحي بالكتابة، سواء كنت قريبًا من الوطن أو بعيدًا عنه، سواء كان من حولك يتحدثون لغتك أو يتحدثون لغة أخرى ما زلت تعرج فيها. ما نزال نحن المهاجرين، نحلم بالعودة، وما نزال كذلك نهرب منها. في كل يوم أقرأ فلسطين، في كل شهر من الأشهر الماضية، أقرأ شيئًا لكنفاني أو نصر الله، أقرأ شعرًا لدرويش أو العتوم، أحاول أن أحدد شكل انتمائي لتلك الأرض التي طالما حدثني والدي عنها، وطالما تفاخرت أمي أمام أبي بأنها كانت ترسل الطعام للفدائيين. أحاول أن أحدد شكل انتمائي للرواية المستحيلة التي لمّا يكتبها أحد. أريد أن أفهم إن كان ذلك الوطن مجرد سلاح أستخدمه في وجه العبث، وأمام تفكك الهوية وضياع الروح.

هل الوطن هنالك ليساعدني أم لأساعده؟ هل أنا له أو هو لي؟ هل أنا بحاجة إليه، أم أنني أستغله وحسب؟ أهكذا بات انتمائي لوطن؟ أي وطن؟ ما الوطن؟ أين صفية؟ وهل أحتاج عشرين سنة أخرى لأسأل عن الوطن؟ هل أحتاج غربةً هاربة عشرين سنة أخرى لأرجع للوطن؟ أيكون المغترب كذلك الصوفي الجديد الذي جمع أموالًا طائلة وبلغ الستين من العمر وقرر أن يتصوف؟ أيمكن أن أصبح وطنيًا بعد أن أشبع وأنجح؟ ثم يا صفية، أين هو الوطن؟ أهو أشياء قرأتها وسمعت عنها، أهو نشيد كررته أمام أبي في الصغر “هل حقا أنا عربي، أنا ثائر فلسطيني؟”.

في الغربة تضحي أنت المتهم، وأنت المتّهم. في الغربة، تتضح الصور أكثر، وتتجرد الأشياء. تزداد الحياة فرحًا وهدوءًا، نعم، إلا أنّ صفحة ماء “الوطن” تصبح مشوشة أكثر، تصبح أقرب إلى صورة بنت توهمك بحبها وأنت تنفق عليها مالك، وتضع اسمها وشمًا على يدك، وهي بعد ستشبع منك وتهجرك. ربما هو أكثر من ذلك، ولكن هذا كلامٌ من خارج الوطن.

فكرتان اثنتان على ”كلام من الخارج

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s