“قبل السفر”

كنت قد كتبت شيئًا منّي فيما سبق، وما زلت أحلم بكتابتي. كنت أفتّش بين أغراضي القديمة استعدادًا للزواج وحرصًا على أن لا تفلت ورقة مجنونة من هنا أو هناك كنت أنوي حذفها من الذاكرة، ووجدتني من جديد، إنسانًا كان يحلم بالكتابة، إنسانًا كان يحاول أن يقتات على فتات أفكار يكتبها ويخطّها بيده. وجدت كلامًا مكتوبًا قبل 18 سنة من هذه اللحظة، أمورًا كتبتها أنا وأشياء كتبها لي آخرون، منهم أبي، الذي كتب لي على دفتر صغير نصيحة في سبع صفحات عام 1994، وبعض الأساتذة في الابتدائية كنت أحبّهم، ولا أستطيع أن أعود بالذاكرة لأعرف من أين لي بهذه العادة السمجة؛ أن أطلب من الآخرين الكتابة لي في مدوّنة للمذكّرات؟

الغربة تغري بالحبّ وتغذّيه! الحبيبة في الغربة هي كل شيء، هي الحب، وهي الحنين، وهي الذاكرة، وهي الوطن، وهي الزوجة، وهي الآم، وهي الأخت، وهي الصاحبة، وهي الأمل، وهي المعنى. يمكنني على الأقل أن أدّعي هذا على مستوى حياتي أنا، الآن.

في الغربة، عن بعض الأوطان، تجد قوةً في الحب، وقوةً مضاعفة في التعبير عنه. في الغربة، مع امتزاج المشاعر المجردة وانعكاسها على السلوك اليومي، بله اللحظي، يصل الإنسان، الواعي بما يدور في حياته، إلى قناعات وتصوّرات جديدة عن الوجود، يعود إلى بعض أفكار بالية، ويعيد التفكير في بعض أشكال الغباء الذي تلبّسه في أيام حياته السالفة، ويحاول في أحيان أخرى أن يعتاد على ذكاء من نوع ما جديد، وغباء من نوع مختلف، لا بد أن يتكيّف معه بشكل أو بآخر.

قبل زواجي، التقيت بأديب في الأردن، واستنصحته، فقال لي بسرعة وبداهة، شيئًا لم أفهمه لحظتها: “تزوج إنسانة ترتفع بك يا محمّد!”. هززت رأسي أمامه متظاهرًا أني أدركت عميق عبارته تلك. بعد أسبوعين، أدركت مسؤولية ما يرمي إليه، وصار قوله يتردّد على ذهني صبح مساء، مستشعرًا قوة الكلمة وصدقها.

سأرجع إلى عمّان بعد أسبوع، وحتّى الصيف، مع طلاب من الجامعة، أستدرك ما فات، وأستأنف ما انقطع، وأعيد صياغة بعض الأشياء.

فرحة

فكرة واحدة على ”“قبل السفر”

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s