لا أدري كيف تمر كل هذه الأيام من حياتي دون كتابة وتدوين!

شعرت في الفترة الماضية بانقطاع عن نفسي وانشغال بالآخرين عنّي، ولهذا هجرت الكتابة حينًا، وإن كنت لم أهجر قراءة ما كنت أكتبه وأدوّنه، ولو على سبيل أن أحصل على شيء من دافع لمتابعة التدوين.

انتهيت لتوّي من يوم طويل ومتعب. عندما أركب سيارتي في الصباح، أشعر بذلك العطش الذي يسببه بعض ما أكلت في السحور، وأبدأ أفكر بالساعات الأربعة التي سأقضيها في الكلام مع الطلبة. ولكن سرعان ما تبدأ الحصة، وسرعان ما أجد نفسي أنتقل من كلمة إلى أخرى ومن عبارة إلى أختها أو ضدها، وأعيش فورة لغويّة مع الطلاب، وأستطرد كعادتي معهم، حتى أصبحت كلمة “استطرد” من الكلمات التي لا يمكن للطلبة نسيانها أبدًا.

ثم ذهبت مع الطلاب في رحلة إلى جرش، وتجولنا قليلًا بين أعمدة هذه المدينة وحجارتها، ومشيت مع الطلاب، واشترطتْ عليّ إحداهنّ، واسمها فيضاء نور، أن أتكلم بالتركية وهي تتكلم بالعربية، وكان تمرينًا جميلًا أضعنا به بعض الوقت.

انتهى بنا المطاف في وسط البلد للإفطار، في مقهى قديم هناك، وتناولنا العرايس والصواني مع بعض أنواع العصائر. كان التوتر سيد الموقف هناك، فالطالبات شعرن بالحرج من وجودهنّ في هذا المقهى وأعين بعض الناس “تحدق” بهنّ كأنهن كائنات غريبة هبطت من الفضاء، وصار وجود الطلاب والطالبات الأتراك في المقهى في تلك الساعة حديث من لا حديث له، وترك الرجال لعب الطاولة والورق ليجلسوا مع هؤلاء الطلبة ويسألوا عن أمرهم!

كانت تجربة جميلة!

ولكن، ليس هذا ما كنت أودّ الكتابة عنه.

كنت أودّ أن أشير إلى حقيقة أن جميع هؤلاء الطلبة يحصلون على منحة شهرية من الجامعة، سواء أكانوا في إسطنبول أو عمّان، وتتكفل الجامعة بتكاليف دراستهم كاملة، من الألف إلى الياء. ولا يقتصر هذا على الجامعة التي أعمل فيها، بل هذا هو النظام في معظم الجامعات في تركيا.
كنت أتكلم مع إحدى الطالبات المتميزات قبل يومين، عن أهمية أن تتكفل الحكومة بتعليم الطالب، والقضية بلا شك، تتجاوز الجانب المادي إلى الجانب الاجتماعي والنفسي. فالمنحة التي يحصل عليها الطالب، باعتبارها حقا له كإنسان في دولة، بالإضافة إلى أنها تخفف العبء عن أهله، فإنها كذلك تجعل منه إنسانًأ مستقلّا إلى حدّ ما، لا يرتبط في هذه الفترة المهمة من تكوينه بجيب أبيه أو أمّه.
الطالب في بلادي، يبقى معتمدًا في كثير من الأوقات على ما يقدمه له والده أو والدته أحيانا من مصروف للطعام والمواصلات، عدا عن الكابوس الفصليّ عندما يحين موعد تسديد الرسوم الجامعية. أي أنه يبقى طفلا في نظرهم ونظر نفسه (وهذا هو الأهم) إلى أن يتخرج، بل إلى أن يجد وظيفة يقتات منها. وهكذا تجد نماذج من الطلبة في جامعاتنا الأردنية تفتقد الإحساس بالذات وإدراك حاجاتها ومطالبها، وعاجزة عن اتخاذ القرار الصائب في الوقت الصائب، ولأنه طفل، في نظر نفسه وأهله، فإنه يميل إلى تصرفات صبيانية لا تصدر إلى عن أولاد لا يملكون فكّ ارتباطهم عن ذويهم، فالمشكلة مهما كبرت ستصغر “لأن “البابا” هو من سيتابع الأمور وهو الذي سيقف إلى جانبي”.

لا بد من الإشارة، من باب الإنصاف، إلى وجود نماذج من الآباء الذين يزرعون حس المسؤولية في أبنائهم (الذكور أكثر من الإناث عادة) من خلال تربيتهم على الاعتماد على النفس وتوجيههم لكسب الرزق في مرحلة مبكرة من عمرهم، وذلك لكسر حاجز العيب المتعلق ببعض الأعمال ولإعدادهم لتحمل المسؤوليات التي يجب في الحالة الطبيعية أن يتحملوها. أي أنّ هناك من الآباء من يزرع فكرة التحرر في أولاده، كي يكون الاحترام بين أفراد الأسرة قائمًا على احترام الإنسان لذاته لا لما يحمله  من فائدة أو يقدم من مال. أي أنهم يحاولون أن يغيروا صورة الأب النمطية المتعلقة بتقديم المعونة المادية إلى صورة الأب الذي يمنح الصداقة والمحبة، وتغيير صوة الأب النمطية المتعلقة بإعداد الطعام إلى صورة الأم المربّية التي ترى في الوقوف في المطبخ كمالًا لها أو عبادة لربّها.

إن التعامل مع الطلاب في المرحلة الجامعية، خاصة وأنا بعد في هذه المرحلة كذلك، وإن كنت في الدراسات العليا الآن، تفتح أبوابًا جديدة على فهم بعض التصرفات وأنماط المعيشة في المجتمعات المختلفة، فترى صورة عند الطلبة الأمريكيين، تختلف عن الطلبة الأتراك، وتختلف ثمّ عن الطلبة الأردنيين، والمقارنة بين هذه الحالات أمر في غاية الإمتاع والأهمية.

أودّ من جانب آخر، عندما أرجع إلى إسطنبول وتتاح لي الفرصة أن أدرس واقع الثانويات الدينية، التي تأخذ أهمية كبيرة في تركيا الحديثة، وخاصة في التحرك الذي يحلو للبعض تسميته بعودة العثمانيين، أو “العثمانيون الجدد”، ذلك لأنّ مخرجات هذه المدارس تتراوح بين الجيد والرديء، ومستويات التدريس فيها ما تزال ضعيفة كما أسمع من الكثير من الشباب هناك، كما أن البيئة التي يعيش بها الطلبة في هذه المدارس قد وصفت من قبل البعض بأنها منغلقة وتدعو إلى  التطرّف، بينما يعارض كثيرون هذا الرأي ويرون فيه تجنّيا على هذه المدارس العريقة في تركيا.
وأتمنى من أصدقائي الذين يعرفون كتبًا أو مقالات حول المدارس الثانوية الدينية (ثانويات الأئمة والخطباء) أن يمدّوني بها مشكورين.

فكرتان اثنتان على ”من دون كتابة

  1. yazmadan yaşamak susuz yaşamaya benzer fikrimce…susuz yaşayabilir mi insan..? daha güzel günlerde daha güzel konuşmalar {türkçe} yapabilmek ümidiyle….

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s