يا صاحبي السّجن

لا بدّ من مقدّمة بين يدي ما أكتب.

يقول على الطنطاوي رحمه الله، في كتابه فِكَر ومباحث : “وجرّبت أن أكتب عنهما (سيد قطب والزيّات)، فما استطعت، إكبارًا لهما، وإعظامًا لشأنهما، وكذلك الأثر الأدبي، إذا هبط إلى قرارة الفساد أو سما إلى ذروة الجودة، أعجزّ النقّاد، وابتلاهم في الكتابة عنه بأضعف التكاليف… لأنّ من تحصيل الحاصل أن تقول للجيّد لا شكّ فيه، هو جيّد، وأن تقول للفاسد المتفق عليه هو فاسد..”

وهذا حالي مع رواية أيمن العتوم، يا صاحبي السّجن. فالرواية أخذت من نفسي حيّزًا عجيبًا، فأنا أقرأها تارة روايةً، وتارة أقرأها فصولًا من سيرةٍ سجين سياسي شريف، ثم أقرأها نصّا عربيّا فيه من الجمال وقوة اللغة ما يجعلك تشعر أنّك تقرأ نثرًا كأنه الشعر، فاحترت في أمري، ولم أحسن أن أبدأ بكتابة شيء عن هذا الكتاب، الذي جاء جبّا لأحداث جسيمة من الناحية الواقعية في تاريخ الأردن الحديث، وبئرًا زاخرة بالمعاني والأفكار العظيمة، عدا عن العربية العاليةِ التي تمتعُ المستبصر بهذه اللغة ومن حصّل طرفًا من ملكة تذّوقها، وهكذا رأيت حالي في ورطة عويصة، ثم رأيتني أمسي كل يومٍ أقلّب صفحاته من جديد، لأقع على اقتباس من هنا وهناك، لأشبع رغبتي العارمة في العيش أكثر مع النص.
لذا، فإنّ ما أكتبه الآن من سطور، لا يعدو عن كونه انطباعات شخصيّة وإشارات لمعت في ذهني خلال الأيام المنصرمة التي قضيتها مع الرواية أو قضاها الراوي معي من خلال كتابه.
1) الشعور العام الذي تملّكني، هو أنّ الضياع (والإقرار به) سمةٌ من سمات الإنسان العاقل الباحث عن الحقيقة. رأيت الرواي حائرًا في السّجن، يقلّب البصر في حياة مضت، وحياة ستأتي، فيدخل، ويدخل القارئ معه، في حالة وعي بحالة من الضياع الذي يستدعي البحث عن الذات والحقيقة، من الصفحات الأولى:

ليس سهلا أن أقفني لأسلّم عليّ، بعد أن أنكرتُني.. لا أدري لماذا نتنكّر لأنفسنا أحيانًا، ونخون ذلك الملاك الذي يعيش فينا.. صفحة 6

لأوّل مرةٍ أشعر بي، نعمةٌ كبيرة يسديها إليك الآخرون حين يشعرونك كم أنتَ أنت. صفحة 19

يبدو أن السّذاجة هي عنوان حياتي السابقة.. صفحة 32

كم أضعنا من الشهور والسنين نحاول أن نعرف من نحن أو ما نحن فما اهتدينا!! صفحة 99

كانت هذه الهالة زادي من الجوع، ودفئي من البرد، وريّي من العطش، وظلّي من الهجير، ولقائي بي من الضّياع!! صفحة 119

واحسرتاه على عمري الذي ضاع وأنا أبحث عنه!! صفحة 148

من يدلّني عليّ؟ …. ماذا يفعل الليل بنا؟! يرينا كم هي أعمارنا ضائعة، وكم هي أمانينا ساذجة، وكم هي حياتنا إلى زوال؟! صفحة 245

وهكذا وجدت نفسي وأنا أقرأ في جبّ من نوع آخر، وهذه الأسئلة التي طرحها العتوم على نفسه، ألفيتها موجّهة لي أنا. وصرت وأنا أقرأ أشعر بأنّ الرواي في روايته الأولى يقصّ فصلًا من حياته في سجون المخابرات الأردنيّة، ويروي في الوقت نفسه، وبتركيز أكبر، رحلة شاقّة في البحث عن الذات وتعريفها. أيمن العتوم، شاعر موهوب، ولكنّه معروف إلى حدّ ما داخل دائرة الحراك الإسلامي والإخوان المسلمين في الأردنّ، ولكنّها معروفيّة خطابيّة شفويّة لا ترتبط بكتابٍ، فجلّ شعره ليس منشورًا في الدواوين إلا واحدًا، كما أنّ الحقيقة المرة التي باتت معروفة عند القاصي والداني هي أنّ جمهور الحركات الإسلامية لا تنتمي إلى الكتاب ولا إلى الثقافة، وهذا ما أشار إليه العتوم نفسه في غير موضع في الرواية.

ويغيظني حين أجد تهمة شحّ القراءة عند أصحاب الاتجاهات الإسلامية ماثلة في أحد صورها الصادقة أمامي صفحة 293

ولأنّ العتوم شخصية إنسانيّة على قدر عالٍ من الثقافة، ولأنّه يبحث عن الخروج من إطار التأثير الشفوي العابر إلى ميدان الكلمة المكتوبة، ومن ضيق الحزبية إلى سعة الإنسانية والعالمية، جاءت ثيمة البحث عن الذات في هذه الرواية واضحةً جليّة، وإن كان هو قد تجاوز هذه المرحلة، إلا أنّه على ما أعتقد كان يرغب في توجيه رسالة إلى القارئ مفادها: هذه طريق سلكناها، وسلكها كل عاقل قبلنا، فاستيقظ وتنبّه واعرف من أنت.

2) امتلك أيمن العتوم حساسية مرهفة في التعامل مع الأشياء، المادّية منها، فأصبح يأنسن الأشياء ويشخصها، بل ويتحاور معها في بعض الأحيان. فالسجن في الرواية يكاد يتكلم من فرط ما حاوره الرواي، ولعل تلك اللحظة عند العتوم كانت فارقة حين أدخل السواقة وقال:

شكرا معتقل سواقة، لقد كنت معلّما بارعًا، وكنتُ بين يديك تلميذا لامعًا

تلك العلاقة الحميمة التي طوّرها أيمن مع القلم، “القلم رصاص الفكرة”، ومع المرآة المهشّمة في السّجن، ورغيف الخبز، والأفرهول الأزرق، ومعجونة التمر التي اكتنزها في الانفرادي، كل هذه وغيرها أشياء كان يأنس الراوي بها، وينقلها من أشياء عادّية إلى أشياء في غاية الأهمّية والتأثير في الجوّ العامّ للرواية، حتى ليخيّل إليك أثناء القراءة أنّك تريد أن تذهب وتسأل إن كانت تلك السكّين التي كان يستخدمها ليث الشبيلات في تقطيع الخضار ما تزال موجودة، أو تلك المرآة الغريبة في ذاك المهجع التاريخي الذي مكث فيه الراوي.

3) اكتب رواية حتّى أراك! الذي يقرأ الرواية، حتى لو لم يكن يعرف الكاتب، سيتعرف إلى ما في روحه من شبق للطيران والحريّة والإبداع، وكسر القيود بكافّة أشكالها، مادّية وفكريّة، والثانية أقوى وأخطر. وتأتي الصورة آكد باستخدام الراوي لضمير المتكلم، وبعكس الرواية لأحداث واقعية شخصية، فلا يتردّد القارئ في أن يعيش مع إنسان ما زال هناك، ربّما يكون جاره، أو أستاذه في المدرسة، وهذا أمرٌ يجعل من كاتب الرواية في مجتمعنا عنصرًا لا غنى عنه في التغيير والتأثير، وأنّ الروائي الناجح هو الذي يخوض التجربة الاجتماعية بأكملها، ولا شكّ أن تجربة السجن، والسجن السياسي على الأخص، من أعمق هذه التجارب. فالروائي صاحب المسؤولية يكون جزءًا من الناس، يرتاد مقاهيهم، ويتحدّث لغتهم، ويتماهى معهم في بعض الأحيان، كيما يتحدّث بلسان مبين عنهم. هذا هو الروائي الذي نحتاجه، إنسان يعرف قضايانا ويكون جزءًا منها.

فبالرغم من اللغة العالية التي استخدمها العتوم في الرواية، والتي اقتربت إلى الشعر في كثير من الأحيان، إلا أنّه لم يتردّد في أن تكون الحوارات بالعامية الأردنيّة، بل وأن يشير إلى ما يرد في كلام السجناء وأفراد الشرطة من ألفاظ نابية:

– ولكو رح يشبحونا، إنتا قدّ الشبح يا حمار إنتَ ويّاه.         صفحة 147

– في حدا من اخوات الش… مضايقك؟؟                       صفحة 90

وأن يقتبس من أمثال العامّة، وأغاني الشباب (علّي صوتك في الغنا لسّا الأغاني ممكنة). وهكذا تكون الراوية وعاء للثقافة، وأداة مكتوبة للتواصل بين النّاس. فالقارئ حينما يجلس مع الرواية، يسكن معها برهة من الزمن، يتنقل بين شوارع إربد وجرش، وماركا (حيث أمن الدولة) ويتصور الناس والمطاعم، ويقرأ لهجة قومه فيها، وأمثالهم، وأشعارهم وأغانيهم، وهذه قوّة في الرواية تجعلها جزءًا في المستقبل من الوعي الجمعيّ، بل وتساهم بداءة في تشكيله ورسمه.

ما زال هناك الكثير ليكتب عن الرواية، وما يزال هذا الكتاب يغري بالقراءة والتحليل، والاقتباس والتأويل. نتمنّى أن تعمل آلة النقد في هذه الرواية بما تستحقّه الرواية، وأن يصبح العمل الروائي في الأردنّ بوّابة لرفع مستوى الوعي والثقافة، وأن تكون فاتحة لقنوات جديدة من التواصل والتأثير والنهضة.

فكرتان اثنتان على ”يا صاحبي السّجن

  1. فعلا رواية أكثر من رائعة, لم أتوقع أن أتعلق براوية عربية إلى هذه الدرجة,كنت قد ترددت في شرائها أو عدمه, لانعدام ثقتي بالروايات العربية بشكل عام (مع الأسف), لكني اشتريتها في نهاية المطاف, وحصلت على توقيع الدكتور أيمن رغم أني لم أكن قد سمعت به من قبل… والآن أحمد الله أنني قد فعلت!
    فعلا ابداع لا يدانيه إبداع, وقد أجدت في وصفه أخ محمد زيدان. جزاك الله خيرا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s