بالفصيحة.. مسؤوليتنا

قبل يومين كنت في محاضرة في مكتبة شومان حول اللغة العربية، وقدمها الأستاذ الدكتور عبدالسلام المسدّي من تونس. كان الحضور (كما هو متوقّع) مجموعة من كبيرة من الأساتذة والشيوخ، ولم يحضر من الشباب المختص أو غير المختصّ سوى عدد محدود، زاده قليلًا وجود اثني عشر طالبًا من الطلبة الأتراك الذين يدرسون العربية هنا في عمّان. ركّز المحاضر في موضوعه على العلاقة الوثيقة التي تربط اللغة بالسياسة، وقال مؤكّدا غيرَ مرةٍ إن العربية الفصيحة لن يُكتب لها الحياة إلا بقرار سياسي حازم من الدول العربية، وإنه إن لم تتخذ الدول العربية قرارًا بشأن رعاية الفصيحة فإنها ستتلاشى خلال ثلاثة أجيال على الأكثر.

كلام فيه ما فيه من التشاؤم، كما علّق الكثير من الناس بعد المحاضرة، إلا أنني أؤمن أنّ تحذيرًا من أستاذ بقيمة المسدّي، يجب على الأقل، أن يكون كفيلًا بإثارة حالة من القلق والقلقلة في أوساط الشباب العرب، عداك عن أوساط المثقفين وصنّاع القرار.

إلا أنّ اللافت للنظر في محاضرة المسدّي أنه لم ينطلق في دفاعه عن الفصيحة والدعوة إلى حمايتها من الانتقاص من العامية والدعوة لمحاربتها، بل إنّه أكّد أن العاميّات لغات طبيعية لا بد من حفظها والعناية بها، فهي لهجات التراث والتاريخ والحب والغزل والحزب والفرح، ولكنّه حذّر من انتشار مستوى لغويّ وسيط بين العاميّة والفصيحة، ينتشر على ألسنة الإعلاميين والسياسيين وشخصيات المجتمع، الدينية وغير الدينية، ظنّا منهم أنّ هذه لغة أسهل من الفصيحة، وأنّها أقرب إلى النّاس. إلا أنّ المسدّي قد فنّد هذه الادعاءات، ودعا إلى وقفة جادّة، من صنّاع القرار في الوطن العربي مع الفصيحة.

أحد المعقّبين على محاضرة الدكتور، رجل ممتلئ الكرش قصير القامة، ظننت أن وراءه قصّة عجيبة بعد أن عرّف عن نفسه بذكر مكان دراسته في أمريكا!! أصرّ هذا الرجل على استخدام العامّية دون الفصيحة، ليتكلم عن أهمية تعليم الفصيحة في المدارس.قلت في نفسي، لا أريد أن أصل إلى عمر هذا الرجل وأنا لا أتقن اللغة التي تجمعني مع 350 مليون عربيّ، وغيرهم الكثير من المسلمين وغيرهم ممن يتكلمون الفصيحة حول العالم.

من النقاط المهمّة التي طرحها المسدّي في حديثه عن العربية في التعليم، أنه يرى أنّه يمكن تعليم العلوم باللغات الأجنبية، مع الاحتفاظ بمكانة الفصيحة في المجتمع العربي. فهو يرى أنّ موضوع الفصيحة وحمايتها أمرٌ منفصل عن قضية تعريب العلوم، وأنّ الفصيحة يمكن أن تزدهر وتعود لمكانتها على ألسنة أهلها حتى لو لم تترجم العلوم (الطبيعية خاصة) إلى العربية. غير أنّه أشار إلى أنّ هذا موضوع يحتاج نقاشًا مطولًا ودراسة أعمق.

من ملاحظاتي الشخصية في الحياة اليومية، أرى أنّ الوعي بالعربية بين أوساطنا الشبابية في ازدياد، لأنّ الشعور بالهويّة يتعزّز لدينا، وأشعر أن مستوى من الوعي جديدًا يدعونا إلى الاعتزاز بلغتنا والعناية بها، لأنها هي الأقدر (أو يجب أن تكون الأقدر) على التعبير عنّا وعن همومنا وآمالنا.

مما يؤلم حقّا أن مجلس النوّاب الأردنيّ، الذي فقد شرعيّته عند كثير منّا، لا يستطيع الكثير من أعضائه أن يستخدم الفصيحة لا قراءة ولا كتابة. لو أضفنا إلى هذا تدخينهم أمام الشعب تحت القبّة، وما انتشر بينهم مؤخّرا من عادة أكل التسالي وتوزيعها، فإننا سنتوصّل إلى نتيجة مفادها أن الشباب الأردنيّ عليه الكثير لإنجازه لإنقاذ البلد، والعربية.

هناك دعوة يوم السبت القادم لاستخدام الفصيحة على التويتر لإشاعة استخدامها بيننا.

الفصيحة مسؤوليتنا.

4 أفكار على ”بالفصيحة.. مسؤوليتنا

  1. شكراً لك،

    كنت اجلس في الأمس في أحد المقاهي في أبوظبي بعد أن أخرجت كومة من المشاعر تنيجةً لقراءتي رواتين لإبراهيم نصرالله في خاطرة، وبعد ذلك أتت إحدى صديقاتي وشرعنا في الحديث عن الكتابة والعربية، فتذكرتك. رغم أنني لم ألتق بك سوى مرة واحدة، إلا انني تأثرت بك وبنزعتك نحو حماية العربية واستخدامها على الوجه الذي يليق بها. حتى أن غيرت أسمي على الفسيبوك إلى العربية وبدأت باستخدام العربية بدلاً من (العربيزي). ينقصني الكثير لؤعيد بناءه في العربية، فأنا أتحدث على السليقة ولا أذكر من النحو والصرف إلا أقل من القليل، كما أنني استثقل خوض غمار النحو من جديد.

    أتمنى لك دوام التوفيق

  2. شكرا أحمد،
    تسعدني حقّا متابعتك لمدونتي الصغيرة أيها الرحالة الغائب، وأتمنى أن ألتقي بك في عمّان قريبًا إن شا الله. قراءتك ستغني فصيحتك بلا شك، وأنا متأكد أنك تحرص على كتابة الاقتباسات وحفظ طرفٍ من بعض الأشياء، وهذا سيساعد كثيرا أيضًا.
    سنتكلم قريبا، وإن كان هناك ما يمكنني أن أساعد به، فإنني أسعد بذلك.
    شكرا مرة أخرى صديقي (الذي لم ألتق به إلا مرة واحدة)🙂

  3. يبدو انها كانت محاضرة شيقة!

    من السخيف ان نكون تحت راية ” الدول عربية ” ونحن لا نستخدم العربية عامية كانت او فصيحة في كل امورنا من بداية المصطلحات الرسمية إلى احوالنا اليومية العادية …
    كنت اعتقد دوما ان المسلسلات المكسيكية والمدبجلة هى المنقذ الوحيد للعربية الفصيحة ولكن حتى هذه طغلت عليها العامية…

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s