عربيّ في إسطنبول

هذه الحلقة من حياتي لها أسلوب خاص. بدأت من مجرد إعلان صغير على الفيس بوك.

لم أكن أتوقع أن إرسال إيميل إلى جامعة في إسطنبول، سينقلني إلى حياة جديدة لم أكن أتوقعها، ولم أكن أرى في نفسي الجرأة على الإقدام عليها. كنت أراجع قبل قليل تلك الإيميلات العديدة التي دارت بيني وبين الدكتور إبراهيم الحلالشة، رئيس القسم الذي أعمل به في إسطنبول، حيث قلت له في إحداها: أرجو أن تنظروا في طلبي، وأنا مستعد لتجاوز أي امتحان أو متطلب. بعد شهرين ونصف من المراسلات والمقابلات الهاتفية، حططت رحالي في إسطنبول.

أيام، تعلمت فيها أنّ الشيء الذي يبقى هو ابتسامة شاركتها الآخرين ولم تتصنع فيها . ما يبقى هو بعض العاطفة في خضم كل هذا الجنون الذي نعيشه في حياتنا، ما يبقى هو أن تشعر أنك في لحظة في حياتك حاولت أن تؤكد على قيمة الإنسان عندك وعند الآخرين. أنك استبدلت الحقيقة بالكذب، والصدق بالنفاق، والحب بالبغضاء. ما يبقى هو أن تشعر أن كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله، التي ترددها على لسانك صبح مساء، تجمع عليك نفسك، وتتركك وحدك ومع الدنيا، حرّا بلا قيود، وإنسانا يعرف كيف يسأل عن ربّه ويتعرف إليه، من خلال خلقه.

هذه هي الأيام التي عشتها حتى اللحظة في إسطنبول. قضيت أيامًا في عشّ من الحب والإنسانية، من اليوم الأول التي وطئت بها  قدمي هذه البلاد. من بداية لقائي بسائق الجامعة اللطيف، الذي كان يجاهد للحديث معي ببعض الكلمات الإنجليزية التي يعرفها، والذي عرض عليّ من اليوم الأول أن يأخذني إلى مكتبة جيدة لشراء قاموس للغة التركية، كما عرض عليّ أن نلعب البلي ستيشن بعدما أستقر وأبدأ العمل. وانتهاءً برئيس الجامعة الذي كان يأخذ طعامه بيده من المطعم، ويقف في الطابور الطويل مع الناس والطلاب، ومرورًا برئيس قسمي، الشخصية التي لا تخفى على أحد يعرف شيئًا عن العرب والعربية في تركيا ربما، وهو مع ذلك، شخصية في غاية التواضع، لا يعرف في حياته سوى أن يفعل شيئًا جديدًا للطلاب أو يأتي بمشروع جديد خطر على باله وهو يحلق لحيته أمام مرآة الصباح، وأساتذتي الذيت تشرفت بالعمل معهم، والذين كانوا لي خير عون، واستفدت من خبراتهم في مجال تدريس العربية الشيء الكثير.

غير أنّ الذي جعل هذه الأشهر القليلة مرحلة لا تنسى في حياتي، هو الطلاب أنفسهم، في جميع المستويات. أذكر كيف كانت البداية تمامًا. أنا لا أعرف التركية، وقال بعض الطلاب إن هذا الأستاذ لن يحسن تدريسنا! كيف يدرّسنا العربية وهو لا يعرف شيئا من التركية! الآن، لا ينقضي يوم إلا ونحن في مطعم أو كافتيريا، أو في قاعة أو ملعب، نتكلم العربية، والعربية فقط، مع طلاب حسبت للوهلة الأولى أنني سأفشل معهم فشلا ذريعا. حتى أولئك الطلاب الذين لم أدرسهم، وكانوا في المستوى المبتدئ، أحرزوا تقدما ملحوظًا، وساعدتهم في الأسبوعين الماضيين في بعض الدروس الإضافية في المساء، وقضيت معهم أوقاتا جميلة ونحن نستمع إلى المحقق كونان ونحاول تحليل ما يقوله هو وأصدقاؤه.

ما يزال هناك الكثير لأفعله مع هؤلاء الشباب، سيكونون معنا في عمّان حتى أيلول القادم، ولا أدري ما الذي تخبؤه لنا الأيام هنا. بعضهم يتحمس لتعلم العامية والتعرف إلى المنسف، ، فتعلم العامية سيضفي طعمًا جديدًا على تجربتهم اللغوية وسيعطيهم بعدًا جديدا في التعامل مع العرب والتواصل معهم

قضيت في يوم التدريس الأخير هنا ساعتين جميلتين برفقة شباب المستوى الخامس من الطالبات، وكانت سهرة لطيفة حقّا، وكنت في غاية السعادة، السعادة التي أشعر بها حين أرى أنّ الناس من حولي سعيدون ومنشرحو الصدر، عندما أشعر أن الإنسان الذي بداخلي (وجودي الحقيقي) يكبر ويكتمل. حينما أشعر، ولو للحظات معدودة في هذا العبث الذي يملؤ الرأس أنّ في هذه الدنيا ما يستحق الحياة، وأنّ فيها ما يستحق التضحية من أجله، وأن فيها ما يطلب منّا أن نبحث دوماً عن الحق ونقف إلى جانبه.

رغم كل الجمال الذي وجدته في إسطنبول، في مساجدها وحدائقها، متاحفها وزقاقها، شايها وطعامها ونرجيلتها، بحرها وجسورها، إلا أنّ الإنسان أجمل ما فيها. ترى نفحة الإيمان تسري في روح الناس وتظهر بالبِشر على وجوههم، ترى أن أربعة قرون من الخلافة الإسلامية لا تنتهي بمجرد إصدار قانون لحظر اللحية أو الحجاب، أو تبديل الحروف من عربية إلى لاتينية. ترى أن الإنسان يتوق إلى أصل وتراث يتعدّى في تاريخه ستين سنةً. هذا ما ألفيته في الأتراك الذين اختلطت بهم في هذه الجامعة، هم يشعرون في قرارة أنفسهم أنهم ينتمون لحضارة لم تبدأ ببداية الدولة التركية الحديثة، بل يرون أنهم أحفاد دولة عظيمة كانت إمبراطورية للمسلمين على مدى مئات السنين، وأنهم جزء من أمّة كبيرة فتراهم تواقين للمعرفة، فخورين بتاريخهم، وواعين كذلك بأهمية المراجعة والنظر بعين جديدة إلى ما انقضى منه، بحثا عن طريق الوصل وسبيل للاتكاء على هذه العراقة التي لا يمكن أن يتنكر لها إلا جاهل أو ظالم لنفسه مبين.

لا أدري حقا إن كنت سأتمكن من العودة إلى إسطنبول العام المقبل أو لا، ولكنّي على ثقة أنني تركت هناك جمعًا كبيرا من الأصدقاء والأحباب الذين تركوا في حياتي بصمة لن أنساها أبدًا. تعلمت منهم أضعاف أضعاف ما علّمت، وسأبقى دائمًا شاكرًا لكل فرد منهم، بما فيهم موظفو مطعم الجامعة، الذين كانوا يسلمون عليّ بالعربية كلما أتيحت لهم الفرصة. وكم أشعر بالندم حقا لأنني لم أتمكن من التسليم عليهم فردا فردا قبل مغادرة إسطنبول

عرض الشرائح هذا يتطلب تفعيل جافاسكربت.

أعتقد أن خمسة أشهر في إسطنبول تحتاج إلى الكثير من التأمل والكتابة. ولكن أنا الآن في عمّان، في غرفتي الصغيرة، أنتظر لقاء الطلاب غدا على صدر من المنسف الأردني، وترتيب زيارة سريعة إلى وسط البلد أو جبل اللويبدة.

شكرا لكم شباب إسطنبول 29 مايو على كل ما قدمتموه، وأتمنى أن أراكم قريبا كلكم في عمّان العربية.

أنتظركم بشوق

8 أفكار على ”عربيّ في إسطنبول

  1. شكرنا لله الذي أعطى لنا فرصة لنتعرف بعضنا البعض و ندرس العربية على أيدي الأساتذة العربيين المتميزين بفضل إدارة جامعتنا التي تبذل ما يجيئ من القوة. شكرا لاعترافكم الجميل و جهدكم الذي لا يعرف الحدود من من الطعام و المكتبة و الصف و الحياة كلها. ننتظر وقت عمان بفارغ الصبر. سلام على عمان , سلام على العرب و الترك والفولان و المسلم كلهم, السلام على الإسلام الذي شرفنا بمعرفته و أخنا بفضله.
    دعوة فلاح عالم الإسلام

  2. لا يمكنكم أن تخيلوا كم انا استمتعت بقراءة هذه العبارات يا استاذي.ذهبت بي إلى بداية أيام الدراسة في الجامعة.هذه الأيام كانت ممتعة و مليئة بالاستفادة عن العربية لكلنا بفضلكم يا أستاذي والحمد لله لا تزال تستمر حتى الآن. نود أن يستمر هذه المعية في السنوات المقبلة بإذن الله تعالى
    شكرا جزيلا على كل الأشياء…

    1. شكرا يا رقية، وشكرا يا عائشة،
      في الواقع، بفضلكم أنتم أنا دخلت عالمَكم الجميل. خمسة أشهر في إسطنبول بحجم الدنيا، علمتني الكثير من الأشياء، وغيّرت فيّ الكثير من الأشياء كذلك.
      لكم المودة والاحترام أبدًا، وأتمنى لكم التوفيق في العربية ودراستكم في السنة القادمة.

    1. انا ابحث منذ فترة عن مثل هذه الفكرة بأن أتطوع كل صيف لتعليم اللغة العربية والقرآن الكريم . ولكن أحتاج إلى مركز أتواصل معه. أرجو توجيهي ومساعدتي للوصول

  3. اشكر كاتب هذه الكلمات التي عنت لي الكثير . وأحيت في نفسي الامل أن ما أفكر به ليس وهما. فكم لي من الوقت ابحث عن وميض اهتدي به، حتى هداني الله لقراءة هذا المقال الرائع . أشكر الاستاذ

  4. سيدي الكريم … اتمنى المساعدة … ارغب في معرفة بعض الامور عن تركيا لاني سوف اذهب الى اسطنبول للدراسة ارجوا المساعدة

    0795419641
    ارجوا الاتصال
    انا من الاردن
    اسمي همام الفواعرة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s