آسف، هذه ليست لغتي

كم سعدت حين تمكنت من قهر ظروف العمل والدراسة التي أعيش بها الآن، من أجل أن أحضر لقاء لفريق صغير جميل في الجامعة الأردنية، اسمه فريق فجر العربية. في الواقع، كنت أظنّ، بطبيعي المتفائلة، أن يكون هذا الملتقى في مدرج الحسن، وظننت كذلك أنني سأسبب إحراجًا لأصدقائي منظمي اللقاء لأنني أحضرت معي اثني عشر طالبًا وطالبة من الطلبة الأتراك لحضور هذا اللقاء المشوق. غير أن العدد كان بسيطًا جدًا، ويعد على أصابع اليد، وانتقل اللقاء من غرفة الفريق في كلية الآداب، إلى مدرج الفراهيدي. كان الجو في الداخل باردًا، ولكن الحوار كان دافئًا بل مشتعلًا في بعض الأحيان.

كان الحوار عن العربية الفصيحة والعامية، وطبيعة العلاقة بينهما، ولن أخوض الآن غمار الحديث عن هذه القضية هنا، إلا أننا نعرف أن العربية الفصيحة ليست هي اللغة الطبيعية التي نكتسبها، في الغالب الأعم، واللغة الطبيعية التي نكتسبها اكتسابًا طبيعيا، وتتطور تطورا طبيعيا معنا إنما هي العامية من دون شك، وهذا هو باب النظر إلى العامية على أنها لغة حيّة تحمل الكثير من مشاعرنا وهمومنا، وتاريخنا وتراثنا، وبدلًا من صب اللعنات عليها علينا أن نوجّه النظر والاهتمام إلى الفصيحة ونطورها لتحتلّ حيّزا أكبر في حياتنا، على جميع المستويات.

بدأت كلامي باعتراف بسيط مفاده أن العربية الفصيحة التي استخدمها إنما هي مما تعلمته وما أزال من العربية الفصيحة. فأنا، وإن كنت نشأت في بيت شجعني على حفظ سور القرآن الكريم وأشعار العرب وخطبهم، إلا أنني أعرف أن فصيحتي تتحسن بالممارسة والقراءة والنظر وإعادة النظر، بينما العامية تبقى، رغم التطور الذي يلحق بها مع مرور الأجيال، غير خاضعة للتعلم الواعي، اللهم إلا ما كان من أمر بعض الكلمات والعبارات التي تدخل قواميسنا الذهنية من وسائل الإعلام والتواصل مع الآخرين وغيرها من القنوات. أما الفصيحة فمستوى آخر من قدرتنا اللغوية يكون كل منا قاردا على تطويره، كل حسب جهده وظروفه الخاصة، بما فيها تلك الظروف التي نشأ عليها أثناء الطفولة.

ولكن كما أسلفت، ليس الهدف من كتابتي هذه الأسطر الخوض في الموضوع من جديد، ولكن المقصود أن نشير إلى مثل هذه الجهود والمبادرات، وأن نشكل وعيًا حولها من خلال الكتابة والمراجعة والحوار والتعليق، لنصل في أمر العربية (الفصيحة والعامية) درجة من الوعي الذي قد يصل إلى ظاهرة مجتمعية، ومبادرات على مستوى أوسع، على مستوى المدارس والجامعات (التي تعد مقبرة للفصيحة بطبيعة الحال). إذ لا يمكن أن نكوّن حالة من الوعي حول قضية  مثل قضية العربية إن لم نكتب عنها وندون، لنوثق بالكلمات عن همومنا وآمالنا وخططنا ومشاريعنا.

كانت الذروة في الحوار اليوم، حين بدأت إحدى الطالبات مداخلتها معتذرة عن عدم استخدام الفصيحة، لأنها لا تستطيع ذلك البتّة، وعندما قالت إنّ الذنب ليس ذنبها فقط، لأنها لم تدرس بالفصيحة في أي مرحلة من مراحل حياتها، وأنها أحياناً تشعر بالحزن وبرغبة بالبكاء لأنها لا تستطيع أن تضع جملة صحيحة بالفصيحة.

هذه المداخلة فقط، لو وقفنا على أبعادها، من ناحية القدرة اللغوية للطالب الجامعي، ومن الناحية النفسية والاجتماعية، تتطلب منا الكثير من النظر والتفكير وهي رسالة واضحة تشير إلى أننا اليوم أكثر وعيا بأهمية لغتنا العربية كمكون من مكونات هويتنا، لا يمكن لأي لغة أخرى أن تنازعها في ذلك.

شكرا لفريق فجر العربية

فكرتان اثنتان على ”آسف، هذه ليست لغتي

  1. قال لي بعض أعضاء الفريق بعد اللقاء ، الأتراك يرغبون بتعلم العربية و التحدث فيها أكثر من العرب أنفسهم ..!!

    رزقنا العربية فطرة فلم ندرك إلى الآن أهميتها و جمالها …

    و لكن الأمل فينا باق أن فجر العربية آت لا محالة …

  2. قد تكون العامية هى اللغة المكتسبة ولكن الفصيحة هى فطرة الإنسان لا محالة وما على الإنسان إلا ان يخرجها من مكنونات عقله الباطن ليصبح طليق اللسان..

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s