والولد كتب القصة

استيقظت من نومي، كنت ليلتها أحاول أن أشاهد فيلما على مضض، فلم أحسن ذلك. شيء ما دعاني لأن أجذب اللابتوب إلى السرير لأفتح وأتصبح بأخبار أوطاننا. قرأت عن مجزرة حمص، فاهتزّ بدني، وفركت عيني جيدا لأتأكد من الخبر. إذ لم أصدق لوهلة أنني كنت نائمًا، ثم انتقلت إلى تويتر، ورأيت سيلا من التغريدات عن المجزرة. فنفضت اللحاف عني، أول شعور حام حول صدري هو الخجل والعار، والعجز عن مقاومة هذه الدنيا التي كل ما فيها يلهينا عن أهم ما فيها. روح الإنسان.

لم تكتمل المصيبة الإنسانية عندي هنا. فبعد أن غسلت وجهي وتوضأت، شعرت بشيء من النشاط في تلك الساعة المبكرة، والطلاب نيام، والجامعة خالية، وأرضها تزهو بالخضرة بعد ذوبان الثلج، فذهبت إلى المطعم لأتناول شيئًا هناك، ثم جلس إلى طاولتي طالب اسمه عبد الكريم:

صباح الخير أستاذ

صباح النور

هل سمعت عن المذبحة في سوريا؟

نعم سمعت، لا حول ولا قوة إلا بالله

ثم تابعنا طعامنا بهدوء.

راودني ذلك الشعور ثانية في تلك اللحظة. كيف لإنسان ذي عقل وقلب أن يتحدث عن استشهاد خمسمئة من بني قومه، من أهله وإخوانه، ثم لا يفقد القدرة على رفع اللقمة إلى فيه؟ ما هي الأشياء التي تعلمها وقرأها؟ أتراه يا ترى يهتم للحقيقة والنور؟ أم أنّه مجرد هاوٍ مستطلع؟ يتحدث عن ثورة شعب يذبح، ليكفّر عن هذا الذنب الذي يخفيه بين ضلوعه، أو محاولًا على أفضل تقدير أن يتعلم شيئًا من طرائق الثوار في الحصول على الحقيقة.

كم يجدر بنا أن نكتب حتى يتحرر الوطن؟

كم ساعة يجدر بنا أن نمضيها على لوحة المفاتيح لنبلغ أسرار قطرة دم غيرت وجه الدنيا إلى الأبد؟

كم كلمة جديدة علينا أن ندخلها قاموسنا العربي؟ وهل يا ترى سيمنحنا الشهداء الإذن من السماء باستخدام مفردات الأرض؟

لا أستطيع أن أتخلص من صورة ذلك العربي البغدادي الذي قرأنا قصته ونحن على مقاعد الدراسة، حين أمره المغولي بالبقاء في مكانه حتى يحضر سيفا ويقتله، ولا أفكر في هذه الحادثة بمقدار ما أفكّر بمقدار الشتائم التي ستنصب علينا من أولادنا الذين سيأتون بعدنا ويقرأون أن آلاف المسلمين والعرب قتلوا على مرأى منا ومسمع. وأننا اكتفينا كالعادة بمتابعة الجزيرة والنشرة الرياضية، وحاولنا أن نشاهد فيلما قبل النوم.

أحاول عادة أن أحافظ على ذلك الإحساس الطفولي بالتفاؤل، تلك المهارة التي اكتسبتها من جدتي، وبقيت معي حتى وقت قريب. كنت في كل ليلة أعتقد أنّ النهار القادم سيأتي لنا ببشرى سقوط هذا الطاغية. في كل نهار أحلم بأمسية سعيدة من الرقص والغناء أمام القنصلية السورية في إسطنبول. غير أن شيئًا من هذه الأحلام لم يتحقق حتى لحظة كتابة هذه الأسطر. كل ما يحفّز هذا الشعور في كل مرةٍ هو أنّ شعبًا قادرًا على احتواء الدنيا بأسرها والتاريخ بهذه التضحيات لن يرضى بإنهاء قصيدته بشطر مخلول، ولن يرضى بما أباحه الشعراء لأنفسهم.  ما يسقي بذرة الأمل فينا هو أنّ هذا الشعب العظيم لا يريد شيئًا سوى الحرية.

شعرنا بذلك أو لم نشعر. هذه الثورة رسمتنا وحددت طريقنا في المستقبل القريب. ثورة سوريا صنعتنا على عينها. ثورة سوريا هي تعريف للثورة.

أعتذر للشهداء، فليس ثمة سوى الكلمات والدعاء، والوعد بأن نبقى لسوريا الجميلة، والوعد بأن نبحث دومًا عن طريق للخروج من عار العجز الذي أورثنا إياه سادتنا وكبراؤنا فأضلونا السبيل.

لم يعلم السوريون لنبلهم أنهم بحياتهم (والحياة والاستشهاد سواء هنا) يهدون الحياة لهذه البشرية كلها، ولو كان ذلك على شكل صفعات أليمة يشعر بها من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد

عاشت سوريا حرة، وسقط بشار الكلب

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s