احسبها صح

الكتابة عن أمجد قورشة والخطاب الدعويّ الذي يقدمه أمرٌ ليس سهلا، فالدكتور قورشة من الشخصيات التي تتمتع بحضور مميز في المجتمع وله من المعجبين والمعجبات الكثير، كأي إنسان يقدم خطابًا جديدًا في وسائل الإعلام البديلة، ترى الأتباع من حوله يتقاطرون، ويتزايدون، ويقبلون ما يقدّم الدكتور، ربّما لأنه شخصية غير نمطية، جريء، ويرطن لنا بالإنجليزية بين الفينة والأخرى، ويتحدث لنا عن الإتيكيت الإسلامي والعلاقة بين الشاب والبنت في المجتمع، وموضوعات أخرى تتعلق بالمجتمع وقضاياه.

كتب المدون فادي زغموت عن فيديوهات “احسبها صح” التي تنتجها خرابيش، والتي يقدم فيها أمجد قورشة خطابًا دعويا ذا لون جديد. ويبين فادي بعض المواضع التي تُؤخذ على قورشة في أسلوبه الذي يتبعه، خاصة في الحلقتين المتتابعتين، فايع مفلسف، وفايعة مفلسفة

.

أولا، لا بد أن نقف قليلا عند كلمة فايع، وفايعة، وهما كلمتان يبدو أنهما تتجهان للتعبير عن شخصية نمطية يودّ الدكتور أن يؤكدها في المجتمع، وهو أنّ كل من لا يلتزم بالمظهر الخارجي لل “الشيخ” و “الشيخة” هو بالضرورة “فايع” و “فايعة” على التوالي. وبدلا من أن يتوجه اهتمام الإنسان الأكاديمي، كرجل بمكانة أمجد قورشة، إلى تخليصنا في المجتمع الأردني من هذه المصطلحات الاعتباطية (الأربعة) التي تفرض- مع التكرار- نوعًا من معايير متخلفة في التقييم، لا تتناسب مع القيم الدينية أساسًا، كاعتبار الشكل حاكمًا أساسيًا على قبول الشخص أو رفضه، حتى وإن كان ذلك مقتصرًا على الانطباع الأول

التصنيف الثلاثي العجيب للمشاهدين عند قورشة، أمر يثير القلق من هدف الفيديو في المقام الأول. فالمشاهدين عنده ثلاثة:

العنيدة التي لا يؤمل منها الخير وهي غير محجبة= فايعة

الطيبة التي لا تستطيع إفحام العنيدة وتخجيلها = شيخة

البنت التي قد تصل إلى درجة العنيدة ولكن بذرة الخير ما زالت فيها

إذا كانت بذرة الخير غير موجودة في الطرف الأول، فماذا يكون الهدف من الكلام كله؟ أهو مجرد الإحراج؟ أهو مجرد تقلين درس لا ينسى في الأخلاق على الطريقة “الشارعية” أم أنه مجرد إظهار لمهارات الدكتور في إضحاك الناس؟

أرى أن الخطاب الديني عند قورشة في مواضيع تتعلق بالشاب والفتاة والعلاقة بينهما، قد أصبح مساحة لتبادل الشتائم، وإحراج الآخرين، بالانطلاق من قواعد سلوكية مجتمعية قد لا تكون صحيحة بالضرورة، أو قد يكون مجال النظر فيها مبنيّا على نظرة تمييز غريبة بين الشاب والبنت في المجتمع الأردني، مثل أن الشاب يغار على عرضه (ويضرب ويقتل) أما البنت فلا.  وهذا أمر غير صحيح، فكلاهما يغار على الآخر، ولكن ما هي هذه الغيرة المطلوبة في مجتمعنا، وهل يصحّ مثلا إذا رأيت أختي في الجامعة مع شاب أن أثور وأقتل، وإذا رأتني مع فتاة أن تذهب إلى البيت وتشكوني إلى أبي؟؟ ما هو المعيار الذي يجب أن أحكّمه في قضية الغيرة، التي وظّفها الدكتور قورشة توظيفًا عاطفيًا يلعب على ثقل معروف لهذه القضية في مجتمعنا الأردني الذي ما زال مجتمعًا قبليا إلى حد بعيد.

والقضية في فيديوهات فايع وفايعة هو الإصرار عند قورشة على تحويل الخطاب الدعوي الإسلامي (والذي يفترض أنه خطاب يخاطب الفكر والروح معًا) إلى خطاب انفعاليّ سطحيّ، وفجّ أيضًا، كأن عربيتنا عدمت الوسيلة في التعبير عن همومنا وقضايانا بأسلوب أكثر هدوءا واتزانا، فنراه يتناول القشور ويخضع لمنطق القبيلة والعادات الأردنية (والتي ليست صحيحة كلها بالضرورة). كما أن الأسلوب الذي يستخدمه قورشه (ويستخدمه في محاضراته في الجامعة على ما يبدو) يبتعد عن الخطاب الذي يجب أن يسود في بيئة جامعية، وهو الحوار المبني على التفاهم والتأثير بالفكرة والسلوك الحسن، لا التركيز على الإفحام والإخضاع و ” تسويد الوجه”، فلا هذا ما يريده الدين الحنيف، ولا هذا ما عهدناه في هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه ولا الدعاة من بعده.

لا شك أنّ مجتمع الجامعة يعاني من مشاكل عديدة، ولم أقبل في حياتي أن أرى الطلاب مفترشين الممرات مع البنات بصوت الموسيقى الصاخب والقهقهة المستمرة وبشكلٍ لا يدل إلا على المياعة وانعدام الشخصية بينما كنا نحن ندرس في المحاضرات ونحاول الاستماع إلى الأساتذة. وكنت أعلم في الوقت نفسه أن شكل العلاقة لا بد أن يرقى في البيئة الجامعية، وأن تكون مساحة التواصل أرحب من مجرد النظر إليها على أنها طريق إلى الفاحشة والتسيب، بل كنت أرى دومًا إمكانية أن يكون التواصل بين الجنسين في الجامعة بوابة نحو الإبداع وبناء الشخصية المتزنة التي تعرف حدودها وتحترم الآخرين وتحافظ على ثقافتها وهويتها. ولكن لا بدّ هنا أن نعرف أن البيئة التي توفرها جامعاتنا تمعن في تشويه شخصيات الطلبة، من خلال قمع الحريات والتأكيد على الضيق العشائري، وانعدام روح البحث العلمي ومناهج التدريس الحديثة. كل هذا من شأنه بلا شك أن ينعكس على آفاق الطلبة فيما يتعلق بقضايا تخص الاجتماع والعلاقة مع الآخرين، ذكرا كان أنثى.

لا بد في رأيي أن نحاول الوقوف وقفة جادة وناقدة لانتشار خطاب إسلامي من هذا الشكل، خاصة إذا لاحظنا حجم المتابعة الكبير والصدى الذي تتركه فيديوهات أمجد قورشة، وهي أرقام قد تستخدم للتدليل على حجم النجاح الذي تحققه هذه الفيديوهات ، ولكن ليس كل ما حقق أعلى عدد من المشاهدات على اليوتيوب صار بالضرورة ناجحًا وجيدًا، كما أنّ المسؤولية الاجتماعية الحقيقية تملي علينا أن نكون دائما مستعدين للنقاش والتقييم والنقد وتبادل الأفكار ووجهات النظر، حول جميع القضايا، مهما كان مصدرها ومنشؤها، وبغض النظر عمن يمثلها ويقف وراءها، وأن نعمل جاهدين على إنهاء هذه الحساسيات التي تمنعنا من التعبير عن آرائنا، وتجعلنا نحسب ألف حساب قبل التعرض لشخصية من الشخصيات، دينية كانت أو سياسية.

في النهاية، إذا نظرنا إلى مجتمعنا الأردني الذي واجه ويواجه البلطجة الرسمية بأعتى صورها، فإننا سندرك أهمية أن نوقف جميع أشكال البلطجة السياسية والدينية والفكرية، التي تعتمد على الاستهزاء بالآخرين وتشويه صورتهم والتسرع في إطلاق التعميمات وعدم “حسابها صح” خاصة من قبل شخصية نعدّها في واجهة الدفاع عن الحريات وانتقاد الفساد والبلطجة في الأردن.

7 أفكار على ”احسبها صح

  1. الشكر الك عزيزنا فادي، أنا تشجعت للكتابة عن الموضوع بعد قراءة تدوينتك، ونشرها، وحبيت النقاش يستمر حول هذه القضايا
    أتوق لقراءة روايتك، وهذا أول ما سأفعله فور وصولي عمان قريبا على خير

  2. شكرا لك محمد على طريقة النقد البناء والراقي لهذا الموضوع وخاصة أنك وضعت يدك على الوجع الحقيقي الموجود في بيئة الجامعات الأردنية ، طبيعة عملي مع هذه الفئة من الشباب و في الحقيقة أنا ألمس تغيير كبير على سخصياتهم في الفترة الأخيرة حيث معظمهم على نهج تغيير حياتهم الأكاديمية و العملية للأفضل. كنت أتوقع من دكتور في الجامعة حاصل على درجة أكاديمية و خبرة عالية ويدرس لأكثر من 5000 ،وأخذ على عاتقه الدعوة بوسائل الاعلام البديله الحديثة ، أن يكون قد أرتقى لفهم الفئة التي تستخدم وتتابع هذه الوسائل ويجاري الفكر الحديث و الهموم الحقيقة لها لا أن يسلط الضوء على فئة نحمد الله أنها بدات بالانقراض ليشجع على تكاثرها من جديد بالمجتمع ، ووجود ناقدين أمثالك و أمثال الأستاذ فادي دليل على أن مجتمعنا يسير إلى الخير حتى لو بخطوات متواضعة
    شكرا لكم
    أمان

    1. شكرا كتير أستاذتنا أمان، وبشرفني متابعتك حقا
      العمل مع الشباب أمر حساس جدا، وأنا الآن أدرس العربية في إسطنبول، وأتعامل مع فئات مختلفة من الشباب، والموضوع صعب، خاصة إن كان الإنسان قد أخذ على عاتقه أن يحقق أكبر قدر من الإنسانية في حياته، والابتعاد عن الاستبداد وتكرار المنظومة التي عشناها منذ صغرنا في المدارس حتى كبرنا وذهبنا إلى الجامعات.
      أشكرك مرة أخرى،

  3. أخي محمد،
    أجد متعة جمة في قراءة خواطرك، وقد لاحت في رأسي عدة أفكار قد تناقض إلى حد ما بعض ما جئت به، لكنني سأكتفي بها لنفسي لأنني رأيت المنطلق الطيب الذي تتحدث منه.

    جزيت خيراً

  4. برأيي الداعية (الفايع) قورشة فقد الكثير من الجدية التي يجب التزامها في مجال الدعوة. هو لا يخفف دمه بل يستخف بمن يشاهده…
    أتمنى له أن يكون نفسه ولا يحاول تقليد غيره.

  5. مسا الخير ع الجميع
    ليش احنا مكبرين الموضوع و مافي احترام لبعض المهم عشان موضوع الاختلاط ولله انو الله اعطانا نعمت العقل والتفكير بطريقه صحيحه يعني شئ الغلط ليش نروح عليه ؟؟
    انا سنه رابعه بلجامعه ولله ماحكيت مع اي شخص الا بس أذا بدي اسال عن مكان او موظف بس بشوف الشباب كيف بتعاملو ولله مناضر خادشه للحياء
    بنهايه الله يهعدينا ويهدي شبابنا و بناتنا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s