فوبيا اليوتيوب

لا بدّ أن أكتب عن هذا بعد أن تردّدت فيه حينًا

قبل شهر وعدة أيام، إحدى الطالبات اللواتي يدرسن العربية في هذه الجامعة ارتقت المنصة وقدمت محاضرة سريعة عن موضوع ما، وكانت متكلمة ممتازة، ذات نطق جميل، وكلمات متوازنة. وكنا قد أخذنا على أنفسنا في القسم أن نوثق هذه الأمور ونصورها من باب الأرشفة من ناحية، ولكون هذه الأمور تشجع الإنسان، أيًّأ كان، وتكون أمرًا جميلًا في حياته هو، كجزء من تاريخه في الجامعة . في ذلك اليوم، خرج عدد من الطلاب كذلك، وكانوا متميزين، وصورنا بالفيديو ما قدّموا أمام الجمع الغفير في قاعة المؤتمرات في الجامعة.

قبل أن أحمّل الفيديو على اليوتيوب، استأذنت من الطلبة، خاصة تلك الطالبة، من باب الذوق ومن باب إخلاء المسؤولية الأدبية. وافق الشباب، واعتذرت البنت. قالت إن هذا لا يليق! شعرتُ بشيءٍ من الغصّة حينها، لأنني من المؤمنين بأن دور الفتاة المسلمة لا بد أن يأخذ أبعادًا جديدة في عصرنا هذا، وما شاهدناه إبّان الثورات العربية المجيدة من حضور للفتاة العربية، أمر يشير بكل وضوح إلى أنها باتت أكثر وعيًا بدورها وما يمكن لها أو لا يمكن. ولا يبالغ من يقول إن من أهم إنجازات الثورة هي التخلص من الصنميات الحديثة المتمثلة بالحكام ولفيفهم من العلماء وشيوخ الدين، وإعادة الاعتبار للمرأة العربية وإخراجها من ظلمات الاستبداد بجميع أشكاله إلى نور الحرية والكرامة.

قلت في ذلك الحين، لعل لهذه البنت شأنًا خاصًا، فلا داعي للإلحاح. ولكني تفاجئت اليوم، أن طالبة من الطالبات، أبدعت هي الأخرى في عرض شيء عن الإمام الغزالي وكتابه الولد، قد طلبت مني حذف الفيديو الذي وضعته لها على اليوتيوب، متعللة بعلل لم أفهمها، وحاولت أن أعطيها فرصة حتى تفكّر بالموضوع إلا أن الضغوط التي تعرّضت لها كانت كفيلة بأن تؤكّد عليّ أمر حذف الفيديو. هي تدرك في قرارة نفسها أنه أمر جميل، فهي بنت ما تزال في مقتبل عمرها، وهذا أمر جميل لها، فهي كانت مبدعة بحقّ، وكلامها أثّر على جمع كبير من الطلاب والحضور، بل بعض الأصدقاء الذين رأوا الفيديو بعدما نشرته أعجبوا بأدائها أيما إعجاب. ولكنّها أبت، لأنّه ليس من المناسب أن تظهر هي على اليوتيوب.

من الأشياء التي أزعجتني كذلك، هو أنني عرضت الموضوع على أحد الأساتذة الزملاء الذين يعملون معنا، فقال في البداية إنه لا يرى في هذا الأمر أي مشكلة، ولكن عندما سألتْه هذه الطالبة قائلة: وهل يمكن أن تظهر زوجتك على الإنترنت؟ فأجاب بالنفي، ثم اعترف للطالبة بأن معها حقّا في عدم نشر هذا الفيديو.

أدرك أن الموضوع يدور حول اختياراتنا، ولكنّني أدرك في الوقت ذاته أن في مجتمعاتنا المحافظة شيئًا لا يمكن فهمه عندما يتعلق الأمر بالمرأة. أنا في هذا السياق أتكلم عن فتاة مسلمة تلتزم بحجاب كامل، وتتكلم بالفصيحة مبتدئة الكلام بالبسملة والصلاة على النبي، واختممت كلامها بدعاء صغير، فكيف يمكن يا ترى أن يتحول هذا العرض مدعاة لنظر محرّم؟ وهل يجب يا ترى على البنت أو المرأة في حالة كهذه أن تضع في حسبانها أن رجلاً ما في هذا العالم، ستنزل به حيوانيته إلى الحد الذي ينظر بعين مريضة إليها؟ (هذا على افتراض أن عدد المشاهدات سيتجاوز المائة!) وهل تكون هذه الحجة مقبولة عند الناس، وتكون هي الطبيعي وما عداها هو “الأقلّ تديّنًا والأقل محافظة؟ “

في أحد الأيام، اختمرت في ذهني فكرة عن برنامج مصور، يظهر فيه عدد من الطلبة الأكثر تميّزًا، ليشرحوا بعض الأشياء عن العربية باللغة التركية. وقع اختياري على عدد من الشباب، وأنا في طبيعتي أحب إشراك الفتاة في أي نشاط، لذا اخترت  طالبة تتمتع بشخصية قويّة ولغة سليمة. تعرضت للصعقة ذاتها حين عبّرت الطالبة عن خوفها من هذا الأمر، وأنها لا تعرف كيف يمكن أن تظهر على الإنترنت ويراها كل الناس. !!

إذن الموضوع ليس استثناءات هنا وهناك، بل هو نمط عامّ يتكرّر، وهو الفكرة السائدة عند معظم  الطالبات هنا، وعدد كبير من الشباب. كنت أتوقع أن يكون نمط التديّن مختلفًا هنا في تركيا عما عهدته في الأردنّ، ولكنّ الأمرين سيّان. كنت مذ بدأت عملي في التدريس في هذه الجامعة أرفض أن ألعب دورًا يزيد عن كوني مدرّسًا للغة العربية وصديقًا لبقية الطلبة، إلا أنني أشعر بالمسؤولية نحو كل طالبة وطالبة بعد هذه الفترة من معاشرتهم، والأكل والشرب معهم، والدراسة حولهم في المكتبة حتى الحادية عشر ليلًا. لأنني أرى أنهم جزء منّي، وجزء من مجتمعي الإسلامي في الصورة الأعم. وكما أنني أدعو أختي في البيت وزميلتي في الجامعة إلى أن تأخذ دورًا أكبر في هذه الحياة، وأن تعرف أنّ علمها وثقافتها ورأيها الحر هو الذي يصنع الفرق في هذه الحياة، فإنني أودّ أن أنقل الرسالة عينها إلى هؤلاء  الطالبات هنا.

عادة ما أضرب مثالًا هنا بعبير الكالوتي ومي ملكاوي كأمثلة على الإعلامية التي تخرج بالإعلام من فضاء إلى فضاء، ومن نمط إلى نمط، ورغم كل التحديات التي واجهت عبير ومي، إلا أنهما حققتا نجاحًا منقطع النظير على الساحة الإعلامية والعربية، والنجاح الذي تحقق في هذا الميدان، هو نجاح يحرر الفتاة في مجتمعنا من ركام كبير من الصور النمطية التي لصقت بها وألصقتها هي بنفسها، ومن دون هذا التحرر الجديد لن تقوم للمرأة المسلمة قائمة.

لا بد أن أكتب أكثر وأنا قاب قوسين أو أدنى من مغادرة إسطنبول، ربما للرجوع إليها بعد حين، إن تمكنت من إنهاء الماجستير بإذن الله. لا ريب أنني تعلمت في هذه الأشهر القليلة من الطلبة أضعاف أضعاف ما تعلموا، وهذا أمر طبيعي في التدريس، فالذي يدرس يفيد أكثر من الطلبة. ولكنها كذلك كانت تجربة ثقافية كبيرة، وأعتقد أنها من الأمور التي ستساعدني على رسم خط حياتي في المستقبل.

3 أفكار على ”فوبيا اليوتيوب

  1. لا أستطيع أن أقول أني ألومهنّ بالكليّة

    الانفتاح المتشعب مخيف أحياناً

    و أنا متفق معك بأن التعليم يفتح آفاقا ً لمعطي المعلومة أكثر من متلقيها!
    .. إن أراد/ت🙂

  2. أعتقد أن لهذا الموضوع علاقة بالنشأة . ولكن عندما أفكر في هذا الموضوع أجد أن إذا لا أجد فيها فائدة لماذا أظهر نفسي في اليوتوب الذي يمكن الناس يشاهدون مرارا و تكرارا ما يوضع فيه. لا أحد يقول هذا حرام ولكن البنت زينة و لماذا من يريد يمكن أن يراها؟ و في اليوتيوب و لا نعرف “من ما يفكر” . ولكن نحن البنات المسلمات سنرفع أصواتنا في كل مكان عندما نحتاج إليها. نحن لسنا من القديمات و نعرف الحياة بدون أن ندافع حقوقنا لا تستمر على أكمل وجه لذي مناسب لنا و نحن نليق به. أعتذر منك و الاساتذة الأعزاء لأن من حقوقكم أن تروا متحصلات من جهدكم مثل كل الناس الذين تحدثوا من قبل و لكن أشكر أيضا للسانك اللين و إجابتك المحترمة.في المستقبل سنرى أجمل المواضع إن شاء الله و أتمنى سترانا محاميات عن حقوقنا بعد قليل إن شاء الله. بالتوفيق !

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s