هل سنقرأ في 2012؟

البوعزيزي أشعل نار الثورة في وطننا العربي، رحمه الله، إلا أن شرارات أخرى أجّجت هذه النار التي كانت بردًا وسلامًا على أرواح الأحرار، كالقراءة والكتابة.

بشكل عام، وأنا أنقل هنا أفكارًا قرأتها واستفدت منها، هناك طريقتان لتعلم الكتابة: أن تقرأ أكثر وأن تكتب أكثر. لا شيء أكثر من ذلك، ولا شيء أصعب.

لا شك أن هناك العديد من الإرشادات والكتب والمقررات حول الكتابة وإتقانها، إلا أنها ترجع إلى هذين الأصلين، اقرأ أكثر واكتب أكثر.

فالكاتب الجيد، أو الذي يريد أن يكون كاتبًا (أنا في هذه الحالة) عليه أن يقرأ بعين “كاتبيّة” . أي قراءة تساعد في المستقبل على الكتابة. هذه العملية قد تنزع عن القراءة مزاجها اللطيف أحيانًا، إلا أنه لا غنى عنها في كثير من الأحيان.

عند بعض الناس، الكلب هو الصديق الوفي (مع أن الأمر تغير الآن، إذ احتل هذه المكانة الآي فون) ولكن الكتاب هو الخل الوفيّ في ثقافتنا الإسلامية والعربية، وفي هذا تحدث أرباب الشعر والأدب. فخير جليس في الزمان كتاب.

هذه بعض النصائح العامة التي أفدتها خلال العام والتي أحاول أن أنقلها للطلبة وأنا أدرس الكتابة:

أولا: هل كوّنت عادةً للقراءة بعد؟

لا يكفي أن تقرأ بعد الفورة الأولى للحماسة التي تولدت لديك للقراءة وشراء الكتب، بل يجب أن تصل إلى مرحلة تكون القراءة فيها عادة لا يمكنك العيش دونها، ولا تتخيل أن تكبر وتتطور في الحياة إلا بها. قرأت مرة أنه يجب في مرحلة تكوين العادة  أن تركّز على القراءة وحدها من دون شريك، وأن تطرد كل همّ آخر خلال هذه المرحلة التكوينية.

اكتب على ورقة هدفك الخاص بالقراءة كعادة (أن أقرأ نصف ساعة يوميّا على الأقل) وألصقها على الحائط أمام مكتبك، وأخبر بذلك معارفك وأصدقاءك كي تلزم نفسك بهذه العادة في بداية الأمر. إذا داومت على هذه العادة أخبر صديقًا ما أنك أنجزت هذا الهدف اليوم، وافعل ذلك على فترة من الزمن كي تحقق المصداقية بينك وبين ذاتك. افعل هذا على مدى شهر وأغلب الظنّ بعد ذلك أنك ستكون قد اكتسبت عادة للقراءة لن تتركها أبدًا.

ثانيًا: اكتشف ما يدعوك للقراءة

كل عادة لها ما يدعو لها ويُشعرنا بالحاجة إليها، بعض الناس يتذكرون الكتابة عند الخروج من المنزل، لأنهم سيقرؤون في الباص، وبعضهم يتذكر القراءة عندما يذهب إلى الحمام، لأنه يمكث هناك وقتًا طويلًا، بعضهم عندما يذهب في المساء إلى المقهى. لذا يجب أن تحدد هذه الأشياء المغرية بوقتٍ للقراءة. بعض هذه المواقف تستدعي القراءة لخمس دقائق أو ست، كالقراءة على كرسي الحمّام مثلًا، وبعضها يستغرق وقتًا أطول، كانتظار الحافلة أو موعد الطبيب. وأحيانًا تكون القراءة قبل النوم ممارسة محبّذة لبعضهم، (أما أنا فأنام بعد الدقيقة الثالثة على ما أعتقد!)، وبهذا تصبح القراءة مرتبطة ببعض الأنشطة اليومية في حياتنا.

ثالثًا: احمل كتابًا

لا تخرج من البيت من دون كتاب، لا تعرف ما الذي سيحدث معك خلال اليوم. قد لا تتمكن من القراءة في بعض الأيام، ولكن ستندم في اللحظة التي تجد فيها الوقت ولا تجد الكتاب، فلا تضع نفسك في هذا الموقف الأليم.

رابعًا: اقرأ لأفضل الكتاب

ولا يعني هذا أبدًا أن تقصر قراءتك على الجاحظ والمتنبي والرافعي ومحفوظ ودرويش وأمين معلوف أو شكسبير ودوستويفسكي وديكنز وغيرهم من الأسماء اللامعة في عالم الأدب، بل حاول أن تستكشف أولاء الكتاب ، خاصة في أدبنا العربي الذين لا بد أن نعيد اكتشافهم وأن ندخلهم إلى دائرة النور في عصرنا الحديث. هذه العملية تحتاج الذهاب إلى المكتبات والبحث بين رفوف الكتب والجلوس على أرض المكتبة بدل البحث عن مقعد مريح. وهذا ما قد يميزك كقارئ عن سواك من القراء. متعة الاكتشاف جميلة وترسخ في الذهن والروح بشكل عجيب. أتجول بين رفوف اللغة العربية في مكتبة الجامعة التي أعمل بها هنا في إسطنبول، فأجد كتبًا لتوفيق الحكيم قديمة لم أرها من قبل، وأجد ترجمات عجيبة لعمر الخيّام، وغيرها من الكنوز التي لا أعتقد أنني سأجدها بمحض اختياري دون التجول بين هذه الرفوف والعبث بما تحمله.

رابعًا: هل تجوز السرقة؟

اسرق، بأدب، ما بدا لك من الكلمات والتعبيرات التي تعجبك من كتابات العظماء، فهكذا تحيي أدبهم وتنعش اللغة. كم نحتاج إلى الرجوع إلى قواميسنا ومعاجمنا لنستخدم الكلمات التي ماتت أو أشرفت على الموت بسبب جهل العديد من الكتاب في زماننا هذا. استفد من الأشياء التي تقرؤها وانسخها وانشرها واستخدمها في كتابتك وتعبيرك، وانسبها مرة أو مرتين، ثم ستكتشف أنها دخلت في خطابنا اليومي، وأعظِم بهذا الأمر من خدمة للأدب والأديب.

خامسًا: هل أصدقاؤك يقرؤون؟

من أهم الأشياء التي أثرت على عاداتي في القراءة هو أنني تعرفت إلى أصدقاء من أكثر الناس نهمًا وشغفًا بالقراءة، ولا أستطيع أن أجاريهم في ذلك، إلا أنني “أغار” منهم، وأحاول أن أستفيد منهم ومن الكتب التي يقرأون. إن لم يكن في حياتك أناس يقرأون فابحث الآن عنهم وتمسك بهم واستنصحهم وسترى أنك ستلحق بركبهم، بل ربما ستتجاوزهم إن كانت لديك ملكة نقد وتفكير محترمة. صديقي كان يقول لي، القراءة عادة “معدية”، وهي كذلك بالفعل، وعدوى القراءة تنتشر في مجتمعنا، بالرغم من انتشار المضادات من تلفاز وكمبيوتر وانترنت وسواها.

لم أكتب هذه الأسطر إلا لأنني أشعر بحاجة كبيرة للكتابة وللقراءة. عزمت على أن أكون قارئا أفضل في 1433 هجري  2012 ميلادي.

شكرا لجميع أصدقائي الذين شجعوني على القراءة في 2011

6 أفكار على ”هل سنقرأ في 2012؟

  1. شكرا صديقي , ابدعت ,راح اطبق نصيحتين من اللي حكيت عنهم , الاولى القراءة لافضل الكتاب , والثانية اختيار اوقات القراءة , وغالبا راح تكون صباحا
    بس حابب اسمع منك اكثر عن موضوع السرقة الادبية , واذا في امثلة بتحضر في ذهنك الان بكون جدا لطيق ارفاقها بالتدوينة ):

  2. والله صديقي الأمثلة التي كنت دائما أقدمها هي مثلًا ما شاع بيننا من استخدام عبارات يوسف زيدان: اكتب يا هيبا، وما تداولناه من مصطلح غرفة الشرق والزهللة في رواية ظل الأفعى،
    وكلمة مثل العكننة في سكرية محفوظ، بمعنى النكد على ما أذكر. وكثير من هذه المواقف اللغوية التي نجد حاجة لتعميمها واخراجها من بطون الكتاب وتوظيفها في فعلنا الكتابي
    شكرا لمتابعتك جابر وهذا شي يشرفني حقا

  3. سأكون هناك إن شاء الله أحمد، ولن أفوّت معرض دمشق القادم، هذا ضمن الجولة الدمشقية التي أرسمها دومًا في عقلي المتفائل. شكرا لك أبازيد، ولعلنا نلتقي في فبراير القادم بإذن الله.

  4. إنني أغار منكم أيها المنخرطون في القراءة.. وأتمنى أن أكون مثلكم..

    إن الأمر ليس بالعسير ولكنه يحتاج إلى الأصدقاء القراء وليتني اتعثر بأحدهم ..

    يا ليت زوجي يصبح هكذا حتى أتمكن من القراءة في وجوده حيث يكون هو أيضاً منشغلاً بها..

    شكراً زيدان.. سلمت يداك وسلم فمك وسلم عقلك ودمت ذخراً للأمة العربية والإسلامية..

    تحياتي الحارة🙂

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s