كانون

ذهبت إلى مكتبة الجامعة بعد العشاء، البرد قارس، السماء تمطر شيئًا بين المطر والثلج. جلست برهة ثم أتاني أحد الشباب كنت قد طلبت منه أن يأتي إلى المكتبة كي نلتقط له بعض الصور هناك، لأنه سيتحدث أمام الطلبة بعد أسبوعين أو ثلاثة عن بلده التي أتى منها، الكاميرون. جلست بعد ذلك أفكر بالكتابة هنا، عمّا يحدث هناك في وطني.

 كنت قد كتبت قبل عدة أيام شيئًا عن مللي من التوتر الذي يصيبني حين أقرر كتابة شيء في الفيس بوك والتويتر يتعلق بالبلاد والعباد، لأنني أشعر أحيانًا كثيرةً أنني أكتب شيئًا ليس لي، شيئًا لا قيمةَ له ولا معنى إن لم يدوّن. خسرنا منذ فترة أقلامنا وحبرها، فقدنا دفاترنا الصغيرة التي كنّا نملؤها بأوراق الورد الذي كنّا نسرقه من حديقة الجيران (إذ لا وردَ لعامة الناس في بلادي)، ونسينا تلك اللذة التي كنا نشعر بها ونحن نتكاتب فيما بيننا. ما زلت أحتفظ بدفتر صغير أهداه إلى والدي عام 1997، وكتب لي في مقدّمته نصيحة طويلة أبقيها على ذكر منّي على الدوام، وأذكر أنني كنت أطلب من بعض أساتذتي أن يكتبوا لي بها، وكان آخرهم أستاذ للغة العربية كان يعاني تشوّهاً في وجهه إثر حريق، اسمه أحمد عبدالله، إلا أن قلبه كان من أسمى القلوب التي عرفتها. كانت الابتسامة لا تفارق وجهه، وأحبّه كل الطلبة حينها، وكان هذا شيئًا نادر الحدوث.

شعرت بالذعر حين قرأت لأحد أصدقائي يقول: إن أخطر ما يمكن للنظام السوريّ أن يحقّقه هو أن يجعلنا نعتاد على الجريمة والدم. فكّرت حينها بالإمكانية الكبيرة لأن نرى خلال خمس دقائق على تويتر، إحدى الشباب، يكتب في دقيقة عن 100 شهيد في سوريّا، وبعدها يتحدث عن البلطجة الرسمية في الأردن، وتمضي دقيقة فيرسل تهنئة بعيد ميلاد، ثم يتكلم عن كتاب أو قصيدة (نادرًا ما يحدث هذا) ويختم الدقيقة الخامسة بتبريك لنشامى الوطن الذين فازوا بكرة السلة.

لمست الذعر في نفسي قبل أيّام، حين شعرت بالضعف كل الضعف أمام كلّ ما يجري حولي في بلادنا العربية، في سوريّا بالتحديد، وعلى إمكانية “العهر” التي تتربّص بنا صباح مساء، مع إغراءات المدينة التي أعيش بها، وضغط الأصدقاء من حولي. شعرت بالعبث يتهدّدني حين تذكّرت في إحدى الليالي، وبعد مشاهدة بعض الصور ومقاطع الفيديو من سوريا ومصر، أنّني على موعد مع بعض الشباب للذهاب إلى مقهىً شعبي لتدخين النارجيلة واللعب بالنّرد. أدركت ليلتها أن الخط الذي يفصل بين الذئب والإنسان خط رفيع.

لن أكتب الليلة أكثر من هذا، إلا أنه وصلتني رسالة من صديقة عزيزة تقول لي فيها “الوضع بخوف يا محمد”، في إشارة إلى وباء الهمجية الذي يغزو الجميع وكأنه دجّال، وإلى ما يحدث من قتل في سوريا، وإلى ما حدث في الأردنية من مسخ لمفهوم الطالب والمؤسسة التعليمية. لا أدري حتى هذه اللحظة كيف أردّ على صديق لي يستنجد مطالبًا بشيء من تأكيد على إنسانيتنا، لأنني سبقتها في السؤال، وأرسلت إلى أحد أصدقائي أناشده وأطلب منه أن يذكّرني يومًا إن نسيت إنسانيتي وراء ظهري وتنكّرت لها.

غدونا لذي الأفلاك ألعاب لاعب

أقول مقالًا لست فيه بكاذب

على نطع هذا الكون قد لعبت بنا

وعدنا لصندوق الفنا بالتلاعب

  عمر الخيام

هل سننتظر مع المنتظرين؟ هل سيأتي جودوت، وهل هناك حقًّا ثمةُ مخلّص علينا انتظاره.

حمص تذبح وأنا أكتب هذه الكلمات، فيا ترى أمع الجاني أنا أم مع المجنيّ عليه؟

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s