بعد الأربعاء

لا أعرف من أين أبدأ اليوم. فهناك زخم بالأحداث والمشاعر كلّ يوم، وكلما حدث معي أمرٌ ما فكرت بالمدونة، وعندما أجلس أمام الجهاز يتبخّر كلّ شيء كأن أمرًا لم يكن. على كل حال، ما زلت أرغم نفسي على متابعة الشأن الأردني، خاصة بعد أشهر في الغربة، رأيت أن مفهوم الوطن والوطنية تأكّدا عندي وترسّخا، وإن كانت المصاديق من ناحية التحرك والتفاعل تختلف من شخص إلى آخر. مثل معظم الشباب الذين على شاكلتي، رأيت نفسي مهتمّا بموضوع الإسلاميين في الأردن، والنقاش الذي دار قبل يومين بين بعض الشباب والدكتورين محمد أبو رمان وارحيل الغرايبة في مكان في جبل اللويبدة. من الأشياء التي لفتت انتباهي هو أن الحضور، كالعادة، يخلو ممّن يحلو لنا أن نسميهم بالإسلاميّين، بصرف النظر عن دقة هذا التعبير، وهذا من الأمور المحزنة، لأنني سألت صديقي الذي كان حاضرًا هناك إن كان شباب الحركة الإسلامية موجودين أو لا، وأجاب بنعم، غير أن وجودهم كما بدا لي على الأقل كان سلبيّا، فلم أسمع منهم شيئًا يدلّ على وجودهم. وفي هذا دلالة على غياب هذا الطيف (الواسع) عن المساحات العامة في المجتمع، وهذه ليست المرة الأولى التي يمكن لشخص مثلي أن يتوصل إلى هذه الملاحظة، بل هذا أمر يتكرر كثيرًا، وكل من يراقب هذه الظاهرة يعلم يقينًا أن هناك عزلة يفرضها الإسلامي على نفسه (ويساهم الآخرون في فرضها بشكل أو بآخر) تمنعه من التواصل مع شريحة كبيرة من الناس الذين يختلفون معه في وجهات النظر الأساسية.

  وقد يقول قائل معترضًا، لم تغيب هذه الفئة عن مساحات الإسلاميين؟ أليست المسؤولية مشتركة؟ ألا يجب أن تكون القدرة على التواصل والتفاهم مشتركة بين جميع الأطراف في المجتمع. فأقول إن هذا صحيح، غير أن المساحات التي يشغل بها الإسلاميون أنفسهم تنضوي على إقصائية غير مقصودة، فالكثير من الأنشطة التي نراها تكون صبغتها إسلامية واضحة، وهذا يمنع البعض من المشاركة لأنه يشعر بعدم حيادية السياق، وأنها موجهة لجماعة دون سواها. فالخطاب الموجود موجّه لفئة بعينها ولا يمكن أن ندّعي أنه يشمل الجميع تحت كنفه. ولهذا كنت وما زلت أرى زلة في الخطاب وبعدا عن الحكمة اللغوية وإمعانًا في زيادة هذه الفجوة في مجتمعنا الأردنيّ، وابتعادًا لوجود الإسلام الثقافة، بجميع المعاني، في أجزاء أساسية في الحياة العامة. ولهذا ارتبط الإسلام في ذهن بعض الناس بكل ما هو جامدٌ وبكل ما يبعد عن الحركة والحرية والاعتدال.

ولكن، أليس هذا شيء متوقع؟ أليس هذا ما يمكن أن يحدث في مجتمع كالمجتمع الأردني من شرخ إن استمر الإسلاميون في خطابهم الذي ينظر إلى الآخر على أنه لا يأبه للإسلام ولا يهتم له، وهو بهذا غير جدير بأن يستلم منصبًا عامّا (لبعده عن الدين فقط؟)، أليست هذه هي النظرة المنتشرة بين الناس؟ أليس الوعاظ والشيوخ مسؤولين عن زرع عقيدة بين الناس مفادها أن الحكم لله فقط، وأنّه لا يجوز انتخاب غير المتدينين أو غير المسلمين. ألا نتفق جميعنا على أن المواطن المسيحي الأكثر كفاءة أحق بالمنصب والوزارة (ولو كلها) إن كان المسلم غير جدير بهذا المنصب؟ ولكن هل يمكن أن نقول إن مجتمعنا يعرف هذه الثقافة ويفهمها؟

إن انتشار الخطاب الديني بهذه الصورة المحزنة ليس مسؤولية العاملين في المجال الإسلامي فقط، من حركات إسلامية متعددة في المجتمع الأردني، من إخوان أو حركة سلفية أو سلفية جهادية أو تحرير أو رجال دعوة، وإنما هي أخطاء مؤسسات الدولة، التي هي شريكة في استغلال الدين أيضًا للعب على عواطف الناس واستجداء أصواتهم في المواسم. وكما قال أبو رمّان في مناقشات علامات المربع قبل يومين: الدولة كانت تمنع خطباء الإخوان وترسل بدلًا منهم خطباء يروجون خطابًا إرهابيّا متخلفًا، يترفع شيوخ الإخوان عن الإسفاف إلى مستواه، وهو محق بذلك بلا شك، والذي يتردد على مساجد عمّان، يرى الكم الهائل من المصائب على منبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، يدل على غياب الدولة عن أحد أهم المنابر للتأثير في الناس وثقافتهم، ولا عجب من ذلك إن كان كثير ممّن ينصّبون أنفسهم للخطابة والإمامة هم من المنتفعين بشكل أو بآخر من التمسك بهذا الخطاب الإقصائي التكفيري الذي قد يجرّ مجتمعنا إلى فتنة كبيرة، باطنة إن لم تكن ظاهرة.

كان الدكتور الغرايبة يتكلم عن اختيار الناس، وفي أكثر من مرة قال “اللي عاجبه عاجبه واللي مش عاجبه مع السلامة”، وكنت استشف من كلامه هذا ثقة عمياء بأن الإخوان هم أصحاب الشعبية الأكثر وأن تأييد العلماني لنا أو انتقادنا له لن يؤثر في المعادلة شيئًا، فهو في النهاية علماني والناس لا يأبهون لكلامه.

كتبت كثيرًا ولم أكن أريد ذلك، إلا أن ما أريد أن أركّز عليه هو أن معادلة الحوار السياسي في بلادنا ستبقى غير متكافئة، لأن طرفًا من الأطراف يستخدم أداة ليست متوفرة في أيدي الأطراف الأخرى، وهذا ما يدعو للقلق من توظيف الدين وشعاراته في السياسة والمجال العام. لا أشك أن الإسلاميين لهم خبرة حركية أوسع من سواهم، غير أني لا أهتم بفوز الإسلاميين أو خسارتهم بقدر ما أهتم بمتابعة الأنماط الثقافية واللغوية السائدة في مجتمعي. .

أنا الآن في المكتبة، أجلس إلى جانب طالب يتابع واجباته، وأنا أنظر إلى عقارب ساعتي وأفكر بالخروج قريبًا.

أعرف أنني كتبت كثيرًا، ربما كلامًا لا يسمن ولا يغني من غربة، غير أنّي أشتاق للكتابة والقراءة، كشبقِ الروح للطيران.

عرض الشرائح هذا يتطلب تفعيل جافاسكربت.

فكرة واحدة على ”بعد الأربعاء

  1. شكرا ً لاشتياقك🙂


    أنا حضرت المناقشات “المربعية” لأول مرة و انطباعي عن الأمسية كان جيدا ً بشكل عام

    لا أملك “ردودا ً” لموقف الإسلاميين -مع التحفظ على الكلمة و احتكارها!- و لكني متفق أننا نقدر على صنع أفضل من ذلك… كلنا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s