العلمانية العربية الجديدة

 

هذه ملاحظات شاب يعيش في العالم العربي، ويعمل الآن في تركيّا، ويريد أن يفهم بعض الأشياء

لا أعرف كيف أصبح معظم الإسلاميين هذه الأيام “في الأصل” يتبنون دولة “مدنية” ذات مرجعيّة إسلامية على رأي ياسر الزعاترة، ولا أعرف لماذا أشعر في مقالات الإسلاميين هذه الأيام خطابًا متحوّلا لا ثوابت فيه، فكل شيء صارَ نسبيّا عندهم، فالسفور اليوم مقبول، ثم غدًا يصير غير مقبول، والمثلية الجنسية حرية شخصية، ثم تصبح غدًا جرمًا يعاقب مرتكبه بالرجم، والخمر في الليل يكون حرامًا وفي النهار يكون شاربه عرضة للجلد، كل ما أراه هو أننا  أمام ميوعة فكريّة تكاد تذوب في حضن الأحداث، وأننا أمام حقيقة كبرى مفادها أن الإسلاميين لا يريدون أن يقتنعوا بالعلمانية ولكنهم يطبقونها بصيغة جديدة، وأن كل ما يفعلونه في يومهم هذا يهدم ما قيل في الأمس البعيد والقريب على السواء.

وليس هذا رأيٌ ينطق به أنصار العلمانية، بل يتردد على ألسنة الطبقات الأكثر محافظة في أوساط الإسلاميين أنفسهم، فالدخول إلى السياسة بهذه الميوعة ليس من الإسلام “الذي نعرفه” في شيء. هذا الخطاب أسمعه في تركيّا كذلك في الأوساط الأكثر التزامًا، ودارت أمامي الكثير من الحوارات بين شباب أتراك ملتزمين يتحدثون عن حركة النور وفتح الله كولن، وأردوغان، وكان بعضهم يدافع بحجة الذكاء والحنكة، والبعض الآخر ينتقد بحجة الميوعة وعدم وضوح المنظومة الفكرية..

ثم حين قال الناس إن النهضة لم تصل إلى الحكم بوصفها حزبًا إسلاميّا تقليديا (وهذا ما أقتنع به وأراه صوابًا) وأنه أقرب إلى العلمانية في طرحه، تمامًا كما حزب العدالة والتنمية، قال المدافعون إن في هذا الخيرَ الكثير، فنحن بهذا أخرجنا السلطة من دائرة الأيديولجيا، وصارت الدولة للناس كافة على اختلاف أهوائهم ومشاربهم، بل ويقولون إن للإسلاميين قصب السبق في هذا الصدد، فهم الذين نجحوا في تحييد الأيدلوجيا الرسمية وتعزيز الحريات الشخصية. وصرنا ندور حول هذا الموّال، الذي هو، شئنا أو أبينا، موّال العلمانية المحايدة، الذي عري لسان جورج طرابيشي مثلًا بالحديث عنه في هرطقاته، مع أنّ مجرد ذكر العلمانية في أي سياق إسلامي يعدّ أمرًا كفرًا بغيضًا يستدعي نظراتٍ من الاشمئزاز من الحاضرين، ويدفع بعضهم إلى أن يرسل إليك رسائل فيها دعوة بالهداية ونصح بالتوبة إلى الله.

لا بد أن نصل إلى تعريف واضح لحقوق الإنسان عند الإسلاميين، وتعريف أوضح للحريات الشخصية. فالفكرة التي يطرحها بعض المفكرين الشباب الآن هو أنّ الإسلاميين إذا تمكنوا من الوصول إلى السلطة [بفضل الديمقراطية العلمانية وتعاطف جمهور الناس مع الإسلام] فإنهم سيتمكنون بعد حين من إخراج الناس “من ظلمات الكفر إلى نور الإسلام” وأنهم سيجعلون الناس يقتنعون بحكم الشريعة وسيادتها ومنع الكفر وتحقيق مفهوم الخلافة، أي أن هذه المرحلة إنما هي مقدمة لا بدّ منها للوصول إلى هدف أكبر، ألا وهو الدولة الإسلامية التقليدية التي ترنو أحلام البعض [أو الكثير] إليها. ولكنّ العاقل منّا يعرف أنّ هذا لن يتمّ من دون تدخّل مباشر من الدولة في أدوات الإعلام والتضييق على الحريّات في محاولة لأدلجة الناس في إطار معيّن. بعد ذلك تصبح الحرية التي نادى بها الإسلاميون في بداية ركوبهم السلطة هي الكفر البواح الذي “فرضه صوت الشعب”، في دولة تحترم الحريّات.

أنا أعيش الآن في تركيّا، وأعمل في بيئة محافظة تفوق في محافظتها أي بيئة إسلامية عشت بها في الأردنّ، والنظام العلماني هنا متطرّف يضيق به الإنسان ذرعًأ، وبل ويدعوني إلى الكفر بالعلمانية ومن ينادي بها إن كانت ستؤدي إلى هذه الحال، لأنّ جميع الطالبات في الصفوف التي أدرس بها قد حرمن من تعليمهنّ في الثانويات العامة لأنهنّ يرتدين الحجاب، بل إن إحداهنّ حرمت من تعليمها الجامعي مدة ثمان سنوات أو أكثر، فالأمر تجاوز عندي مرحلة الافتتان بنماذج معيّنة. غير أنّ الذي أخشاه هو أن تحرم البنت من تعليمها بعد عشر سنوات في “النسخة العلمانية العربية” لأنّها لا ترتدي الحجاب، وتدّعي الدولة أنّ هذه هي رغبة الشعب، وما الشعب براضٍ عمّا يفعلون.

أدعو بالتوفيق لحركة النهضة والغنّوشي، ولا بد أن التجربة التي ستخوضها ستتمخض عن تطورات جديدة في فهم الإسلام وتطبيقه، وفي السياسة العربية في القرن الحادي والعشرين.

4 أفكار على ”العلمانية العربية الجديدة

  1. أتعلم شيئاً يا زيدان..

    إنني أرى نفسي في الأربعينيات من عمري.. أدرس أبنائي رموز تاريخية في مادة التاريخ التي تدرس في المدارس العربية.. وإذا بي أفاجأ!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

    احزر ماذا؟؟

    ان اسم محمد زيدان يحتل عدة صفحات من الكتاب.. مليئة بالأفكار والأعمال والإنجازات على جميع الأصعدة…

    فتعود بي الذاكرة إلى هذه الأيام بكل ما يدور فيها من أحداث..

    ثم أقول لأبنائي: (أتعلمون شيئاً!! أنا أعرف هذا الرمز التاريخي العظيم.. اتخذوه قدوة)..

  2. أفكار وآراء وتحليلات مهمّة
    كلّ منها يحتاج الكثير من النقاش
    رحلة موفقة أستاذ محمد:)
    ولنا عودة هنا:)

    1. شكرا لمى،
      أنا أنتظر كذلك مناقشة الموضوع، هناك العديد من الأشياء التي أود أن أستوضحها

      كل عام وانتم بخير🙂

  3. مقال جميل.. لكن التحليل يحتاج إلى متابعة
    الحالة الإسلاموعلمانية التي أفرزتها تجارب بعض الحركات الإسلامية في المنطقة العربية الآن سببتها الضربات المتوالية التي أنهكت الحركة الإسلامية على مدى عقود
    فأدى بها – ولعدم وضوح المنهج والضعف – إلى فقدان الثوابت (التي لم تكن مبلورة أصلا) حول طبيعة النظام السياسي الإسلامي.. ومفاهيم الشرعية الإسلامية

    قبلت هذه الحركات بالنظام الديمقراطي العلماني التعددي، على أساس أنها مجرد مرحلة عند بعض التوجهات (كما هو معلن) وعلى أساس أن ممارسة الإسلام كاملة ممكنة في ظل الدولة المدنية المحايدة (وفي الحقيقة هي غير محايدة حين تقصي الشرع عن الحكم، ولا يوجد نظام محايد في العالم) عند حركات أخرى.. والواقع أن القناع لا يلبث أن يصبح جلدا! كما قال أحد المفكرين العلمانيين متحدثا عن الحركات التي تأخذ هذا الطريق، وها نحن نشهد حجم التنازلات الكبير الذي تمارسه بعض الحركات (النهضة نموذجا) حتى صار بالإمكان مشابهة أهدافها مع الأحزاب العلمانية المعتدلة التي تحوي في داخلها أناسا متدينين ويريدون قيم الإسلام وأخلاقياته

    وبارك الله بك

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s