أشياء أخرى كثيرة

قد يكون الحديث عن الطعام أمام الطلبة في غاية الأهمية، خاصة إن تمخّض ذلك عن مفاجأة في اليوم التالي، ورأيت أن قاعة الصف تحوّلت إلى مكان لتبادل الأشياء اللذيذة وتذوقها. كان بعض الشباب قد ذكر أمامي هذه الحلوى، البيشمانية، أو الحلوى الشعرانية كما هو مكتوب بالعربية على الغطاء، وتعجبوا حين عرفوا أنني لم أتذوقها من قبل في تركيا، وبدأوا يشرحون لي عنها، بل وشاهدنا مقاطع من اليوتيوب عن طريقة عملها، فقصصت الأمر على طلبة المستوى الرابع، وهم في المستوى الأعلى في تعلم العربية، وإذ بطالبة اسمها عائشة تحضر طبقين من هذه الحلوى في اليوم التالي، أي اليوم، وأكلنا في الصف، وقدمت لي ما تبقى من ذلك. كانت طيبة، غنية بالسكر، وأخشى أن أعتاد عليها!

لا أعرف كيف أكتب الآن، سألتقي صديقي رفعت بعد ساعة من الآن، وأنتظر ملابسي حتى تجف في الغسالة المشتركة في السكن، حضرت امتحانًا للطلاب قبل قليل، وهذا جيّد، وحضرت بعض المواد لدروس الغد، وهذا ما يأخذ الكثير من الوقت أحيانًا، خاصة في مواد الاستماع والإنشاء.

***

التقيت رفعت ليلة أمس، كانت ليلة رائعة، كان الطعام حاضرًا بقوة على جدول أعمال الزيارة، جبنا شارع الاستقلال كثيرًا إلا أن البرد دفعنا إلى الاحتماء بمقهى مطل على الشارع، ثم رجعت إلى الجامعة في حدود العاشرة والنصف. اشتريت بعض الأشياء، ثم ذهبت لأتفقد ملابسي التي تركتها في الغسالة، انتهيت من الغسيل، ثم جاءت مهمة التنشيف، وكل التعليمات المكتوبة على الغسالة والنشافة باللغة التركية، لم أفهم شيئًا، ولكنني حاولت أن أخاطر بملابسي، ولم تكن كثيرة، فجربت مرة تلو المرة، ونجحت العملية بدون خسائر.

يفكر الطلبة الذين يدرسون العربية هنا، من كافة المستويات، أن يجمعوا بعض المال لشراء الأضاحي، أضحية أو اثنتين، حسب المبلغ الذي يتوفر معهم، وأن يرسلوا المال إلى إحدى المؤسسات التي ترسل الأضاحي إلى الصومال. سمعت عن الفكرة اليوم من أحد الطلبة وقلت له إنني مستعد للمشاركة معهم.

لم أفكر حقّا بطبيعة البرنامج الذي أعمل فيه الآن إلا في الأمس، تفكرت في الموضوع، وأدركت أن الطلبة يخضعون لبرنامج مكثف لدراسة العربية مدته عام دراسي بأكمله. هذا الأمر ليس سهلًا، وإن كان معقولًا بالنظر إلى أن الطلبة لا شغل لهم سوى تعلم العربية. ما زالت الفرصة متاحة لفعل المزيد مع الطلبة، خاصة أن رئيس القسم منفتح على أي فكرة جيدّة من شأنها أن تعزز التجربة التعليمية لدى الطلبة. هناك الكثير من الجوانب التي لا بد من التركيز عليها، إلا أنّ اجتياز المستوى الأول والتعليقات التي سترد على ما تم إنجازه ستساعد في رسم طريق أكثر وضوحًا في المستويات القادمة.

دوام الطلبة ينتهي في الثالثة والنصف كل يوم. هناك الكثير من الوقت لبعض الأنشطة غير المنهجية التي يمكن استخدام اللغة فيها، ولكن هناك نقص في الكادر الشبابي، كما أن بعض الطلبة لا يقيمون في السكنات، مع أنهم أقلية تعد على أصابع اليد. كنت أودّ أن تخصص بعض الساعات لبعض الأنشطة مع الطلبة، مسرح، نشيد، خطابة، فريق مناظرة، فريق إلكتروني، وسأطرح بعض التصورات الواضحة على رئيس القسم لعلنا تمكنّا من فعل شيء في هذا الصدد في المستوى القادم.

لا أدري لماذا أكتب كل هذا هنا، ولكن هناك حاجة للكتابة أجدها في نفسي، ومع كل ما أكتبه من يوميات هنا فإنني ما زلت أشعر بنقص أبحث عن إتمامه. أحاول أن أقرأ أكثر، إلا أن الوقت يضيع رغمًا عنّي، لأنني أحاول أن أثبت أنني قادر على أن أكون جزءًا فاعلًا بين أعضاء الكادر الذين أعمل معهم. فهم أساتذة لا تقل خبرة المدرس منهم عن خمس عشرة سنة، وفي تدريس الأجانب، وأنا في حقيقة الأمر ما زلت في بدايات هذا الطريق، والذي أجد فيه متعة تفوق عشرات المرات ما خبرته من تعليم اللغة الإنجليزية، ولا بد إن كنت أفكّر في الاستمرار أن أبذل جهدًا مضاعفًا.

في كل يوم هنا، أكتشف أن الحياة جميلة، وأن التفكير في البؤس والقبح أمر لا يحسنه إلا كل ذي نفس خبيثة. في كل يوم أرى أن أجمل شعور هو الثقة برحمة الله وعطفه، وأننا بشر لا نستحق شيئًا أقل من الحربة والحب. في كل يوم، حين أرى ذلك الأستاذ السوري، لا تفارق الابتسامة وجهه، أعرف أنّني وبطريقة لا أعرف كنهها، أنتمي هناك. أنتمي إلى هذا الجمال الفاتن الذي يسمّى الوطن. أعرف كل يوم أنّ لي إخوة رجالًا ونساءً، على موعد قريب مع حرّية. أعرف كل يوم أنني حين أقابل والديّ سأقبل الأرض من تحت أقدامهم وأفرح لأنهم هناك الآن، في بيت صغير، وكستناء لا تفارق المدفأة الشتوية. أذكر في كل يوم درويش، وقهوة الأوبرج، وذلك الحلاق الذي لا يكف عن الكلام، ولا التدخين.

أتابع الوضع الآن في تونس، وأتمنى أن ينجح حزب النهضة في هذه المهمة الثقيلة التي اؤتمن عليها. الرهان كبير، وتونس الثورة تستحق التعب، وعرشها، كعرش مصر، ينوء بالرجال أولى القوة. يبدو أن السياسة لا تشبه شيئًا مما نقرأه في الكتب، ويبدو أن الإسلام السياسي يكتب كتبه الكبرى الآن. فلننتظر، ولنجهز نبال أقلامنا وصفحات مدوناتنا، ولنرجو أن يثمر ربيع تونس الأحمر.

بكفي، سلام

عرض الشرائح هذا يتطلب تفعيل جافاسكربت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s