زيارة خاصة

لم أتردد في الموافقة على الذهاب مع مجموعة من الأصدقاء في زيارة خاصة إلى منزل الأستاذ فهمي جدعان،مع أن زيارات من هذا النوع ليست أمراً مألوفاً بين الشباب وأساتذتهم في الجامعات، فالتواصل بين الأستاذ وطالبه بات في جامعاتنا مقصوراً على مفاوضات حول العلامة التي سيحصل عليها الطالب نهاية الفصل، أو مفاوضات للسماح له أن يغيب عن محاضرة أو يؤجل موعد تسليم ورقة أو بحث. لذلك كانت هذه الدعوة وهذه الأنشطة من أحب الأمور إليّ، لأنني حرمتُها وأنا على مقاعد الدراسة في مرحلة البكالوريوس، وهذه هي الفرص الحقيقية في رأيي للتعلم والتثقف.

بدأت رحلتي مع الدكتورجدعان كما كتبت سابقاً في مدونتي مع كتاب سعره 35 قرشاً، فراقني ما يكتب، ورحت أشتري كتبه من المكتبات، ووجدت العديد منها في مكتبة الكيالي في الشميساني، وأحدها كان في مكتبة الأهلية وهو كتاب خارج السرب.  وأقرأ حالياً في كتابه (الطريق إلى المستقبل) وهو كتاب فريد فيه العديد من الآراء الجديدة الجريئة، وأنا لم أنته من الكتاب بعد، غير أنه يغريني بالكتابة والتدوين.

كان موضوع الحوار مع الدكتور في بيته عن جدلية الدين والسياسة، وذلك في ضوء الفصل الأخير من كتابه (المحنة) الذي يتكلم فيه بتوسع وتفصيل عن قضية خلق القرآن، ويبين فيها أن القضية سياسية في المقام الأول، وكان الدين مطية لخلفاء العباسيين في ذلك الحين لتعزيز سيطرتهم السياسية وإخماد الفتن والتصدي للثورات. وتطرق في الفصل الأخير من الكتاب بتجريد إلى قضية الدين والسياسة وهذه الجدلية القديمة الجديدة في الفكر العربي.

غير أن الحوار لم يقتصر على هذا الجانب، فقد استمعنا إلى العديد من المواقف الشخصية التي حدثت مع الدكتور فهمي، أثناء دراسته ورحلته في الكتابة والتدريس في الجامعات العربية والأجنبية، خاصة في فرنسا. تكلمنا مطولاً عن قضايا الحداثة والعلمانية والعولمة، وتكلم بتفصيل عن مفهوم ما بعد الحداثة كذلك، وتطرق إلى مشروع كتاب يعكف عليه حول هذا الشأن. كما كان الحديث عن الثورات العربية حاضراً بالتأكيد، وتوالت الأسئلة من الشباب بعد ذلك، واستمر الحوار ثلاث ساعات بتمامهن، وهي ثلاث ساعات لا تنسى في حضرة هذا الأستاذ العظيم. أحضرت معي كتاب (المحنة) وذلك لأحصل على توقيع الأستاذ عليه، وتكرم بالفعل بالتوقيع على الكتاب، وأنا سعيد بذلك.

أحاول دوماً أن أطلع على الحياة الأكاديمية في الجامعات الغربية، البريطانية والأمريكية منها خاصة، وأجد العجب العجاب. أجد أن الكثير من الأساتذة يفتحون أبواب بيوتهم ومكتباتهم الخاصة للطلبة حتى منتصف الليل، الأستاذ يعتمد على المتفوقين من الطلبة في تحرير الكتب ومراجعتها، وإعداد الأوراق البحثية والمشاركة في المؤتمرات والحلقات النقاشية. أتعامل مع الطلاب الأجانب بشكل كبير نظراً لطبيعة عملي، وأرى أثناء حديثهم عن أساتذتهم والمواقف والحوارات التي تجمع بينهم أن هذا ينعكس بشكل واضح على طريقة تفكيرهم وتناولهم للأشياء، خاصة إن نظرنا إلى مساحة الحرية التي يتمتعون بها، من البيت إلى المدرسة إلى الجامعة، وكيف يساعد كل هذا في بناء شخصية تثق بذاتها وتعرف كيف تتواصل مع من سواها.

أرى أن الفرصة  كبيرة لأن ندخل إلى عالم الأساتذة والمفكرين في وطننا، وأن نحاول التواصل معهم ليتمكنوا هم كذلك من فهمنا وفهم عالمنا واحتياجاتنا.

لا بد لي أن أشكر الصديق خليل الزيود الذي بادر كعادته في التواصل مع الأستاذ جدعان وترتيب اللقاء معه، وأشكره على دعوتي لحضور اللقاء.

عرض الشرائح هذا يتطلب تفعيل جافاسكربت.

فكرة واحدة على ”زيارة خاصة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s