اكتب يا هيبا

لا أنسى أبداً شعوري حين انتهيت من قراءة عزازيل في يوم جمعة وليلتها في الخامس والعشرين من شباط 2010. كنت أنا وصديقي وصفي نضع شكوكاً ونطرح أسئلة فيما يتعلق بجائزة البوكر العربي، وكان هو قد قرأ واحة الغروب لبهاء طاهر على ما أذكر، وأعجبته، وكنت أنا لمّا أقرأ عزازيل يوسف زيدان بعد. اشتريتها وبدأت قراءتها، ولم أضعها من يدي حتى انتهيت.

من العبارات التي لا أنساها في الرواية، هي حين قال عزازيل للراهب هيبا: اكتب يا هيبا فمن يكتب لن يموت أبداً. وما أقربها من عبارة درويش: اكتب تكن! لم أعرف رواية عربية معاصرة قرأتها، لعربي أو أجنبي، واحتلت في نفسي موقعاً كموقع عزازيل. إن الصراع الذي عاشه الراهب هيبا مع نفسه وشيطانه هو صراع الإنسان ممثلاً في كل واحد فينا. لا شك أن لكل منا باباً لعزازيل ومخرجاً له، إلا أن العجب الذي تملكني في رواية زيدان، وتلك الأجواء التي عشتها مع هيبا لحظة لحظة، تجربة لا ريب بديعة من نوعها، خاصة في ظل الحساسيات والتطورات الدينية والسياسية والنفسية التي نعيشها.

كان نقاشنا مع يوسف زيدان، الأكاديمي والكاتب المصري المعروف، إنجازاً يكتب للشباب الأردني القارئ، والذي أثنى عليه يوسف زيدان نفسه، وشكك في دقة دراسة حديثة تقول إن الشعب الأردني أقل الشعوب العربية قراءة، خاصة أن زيدان أمضى فترة في الأردن أثناء كتابته لروايته الأخيرة النبطي. كانت المشاكل التقنية عائقاً في البداية، وظن البعض منا أن هذا الكاتب المعروف لن يطيق معنا صبراً، وأنه سينسحب من الجلسة إن استمرت هذه المشاكل التقنية غير مكترث لهؤلاء الشباب الصغار، ويذهب لإعداد مقالة أو نقد كتاب، غير أن حلم الكاتب وتواضعه فاقا كل تصور، ولم يغادرنا يوسف زيدان إلا حين غادرناه.

تعددت الأسئلة التي طرحت على الرواية، وكان الجانب الديني بلا شك من أهم الجوانب التي تطرق لها الحوار، فما العبرة من الدخول في معامع الماضي والتنقيب عن قصصه وحكاياه، ، بل واختلاقها على لسان راهب تائه، من قبل كاتب مسلم مختص بالدراسات الإسلامية والصوفية؟ وكيف تماهى لسان الكاتب مع لسان الشخصية الأساسية في الرواية، حتى كاد القارئ يظن أن هذا حقاً ترجمة لكلام الأولين من الرهبان في ذاك الزمان؟ خاصة مع استخدام التقنية الغريبة نوعاً ما على القارئ العربي، عندما قدم الكاتب نفسه مترجماً لرقوق وجدت في سوريا باللغة الآرامية.

عرض الشرائح هذا يتطلب تفعيل جافاسكربت.

تكلمت قليلاً عن اللغة في عزازيل، وكيف أن شاعرية البيان فيها تجاوز الخطاب الروائي العربي المعاصر بمراحل عديدة، فكانت الرواية تستفزك لتذهب إلى مكتبك وتتناول قلماً وتدون عبارة جميلة هنا، وعبارة جذابة هناك، بل وتضطر أحياناً للرجوع إلى أحد قواميس اللغة للتأكد من كلمة ولفهم معنى أخرى بشكل أعمق. ولهذا لن أنسى أبداً معنى عزازيل:

بلس: أبلس من رحمة الله أي يئس، ومنه سميَ إبليس، وكان اسمه عزازيل: قاموس مختار الصحاح، مادة بلس

ومع أن أحد المعلقين رأى غير ذلك، وقال إن لغة عزازيل ليست مما يثير الاهتمام أو الإعجاب، وربما أصابإن كان يقارن لغة يوسف زيدان بلغة جورجي زيدان، أو طه حسين أو الرافعي، غير أن مستوى الخطاب اللغوي عند زيدان يفترق بعشرات المرات عن لغة الخطاب الروائي المعاصر، مما يجعل زيدان في مرتبة وحده بين الروائيين المعاصرين في نظري.

كما كان الحديث محتداً عندما تطرق وصفي ومن بعده مياسي إلى المرأة والجنس عند يوسف زيدان، وهذه قضية ليست جديدة عند نقاش روايات زيدان، وكانت مثار جدل كبير عندما ناقشنا ظل الأفعى في نادي كتاب خير جليس، إلى الدرجة التي امتنع فيها البعض عن حضور اللقاء، لأنهم رأوا أن زيدان بالغ في الوصف الجنسي. غير أن العدسة التي يجب استخدامها عند الحديث عن هذا الجانب هي عدسة الكاتب نفسه، فهو أكاديمي له سمعته ومكانته في العالم العربي والإسلامي، والخط الفاصل بين أدبه وما يمكن أن ندعوه بالأدب الهابط واضح جداً، ولا يمكن لأحد أن يدعي أن زيدان يستخدم الجنس في رواياته من أجل الترويج بين الشباب، فهذا أمر غير معقول لسببين: إن كتب يوسف زيدان الأكاديمية هي من بين الأكثر مبيعاً في الوطن العربي، كما أن طبيعة رواياته وموضوعاتها لا تروق بأي شكل من الأشكال للباحثين عن الأدب الهابط، كما أن طبيعة اللغة ذاتها المستخدمة من قبل زيدان في مثل هذه السياقات لغة تكاد تشبه الشعر في رقتها وأدبها، ومن يطلع على الرواية بتمعن سيدرك ذلك لا محالة.

من الرسائل التي أراد يوسف زيدان بثها في الرواية هي أن الأضعف هو الأكثر بطشاً، فالقوي لا يلجؤ إلى القوة، لأنها علامة ضعف، فعزازيل هي رواية في المحبة، وخطاب من أجل الإنسان، تفتش عنه في هذا الركام وتنفض عنه غبار الظلم والقهر والكبت.

لا يوجد في العالم أسمى من دفع الآلام عن إنسان لا يستطيع التعبير عن ألمه: صفحة 212

تحيا يا هيبا لتكتب، فتظل حياً حتى حين تموت في الموعد، وأظل حيّاً في كتاباتك… اكتب يا هيبا، فمن يكتب لن يموت أبداً. صفحة 361

شكرا لانكتاب، شكرا لوصفي قدومي، وشادن على الجهود الرائعة والجمعة الحلوة، شكراً للتويترجي تيسير، وشكرا للمدون العظيم جابر جابر.

شكرا للجميع.

4 أفكار على ”اكتب يا هيبا

  1. و أنا أشكرك على الإدرجميل
    سعدت بكوني موجودا ً و راقني ما أتحفنا به الانكتابيون 🙂

  2. استوقفتني عبارة د. يوسف بوصف الرواية للقارئ المتتبع وليس العادي !
    اللقاء أجابني على تساؤلات عديدة كنت أطرحها حول مشروع زيدان الروائي والتصورات التي ينطلق منها ونجدها حاضرة بقوة مثل موضوع استحضار شخصيات تاريخية بعينها واستنطاقها كما ثيودور المصيصي ونسطور في عزازيل وعمرو بن العاص في النبطي والتناص الحاصل في ظل الأفعى في العديد من المواقع لأمور تاريخية.
    كذلك موضوع اللغة ووصفها بالصوفية وتقاطعها مع اللغة القرآنية وما يضفيه ذلك من بعد للنص الروائي .
    وأخيراً قضية المرأة وتناولها في الرواية بشكل قد يخفى في البداية عند قراءة الرواية بشكل سطحي “غير تتبعي!”
    ويبقى سؤال نقد التراث وإعادة طرح قضايا سابقة زمنياً بفترة لعهدنا بشكل الجنس الأدبي الروائي أمراً يستوجب البحث ولعله يكون في القريب متصلاً بانكتاب أو الانكتابيين بشكل ما

    بعيداً عن ذلك كان للجو الانكتابي أثر بالغ يشير وينبئ بوجود نواة ستشكل حالة ثقافية تظهر في المشهد الثقافي في محيطنا قريباً تبرز ملامحها من طبيعة الحضور وتفاعلهم وردات الفعل في الفضاء الإلكتروني عبر فيس بوك وتويتر.

    صديقي محمد.. أحيي فيك نفسك الانكتابي وأشكر عزازيلك لما دفعك أن تكتب به وتشوشر علينا🙂

  3. قبل “عزازيل “كنت أتسأل لماذا يحمل دين الاسلام هذا الكم الهائل من المصطلحات التي تعترف بالعنف سبيلا للوصول الى اللة،مع سابق التعليل للغاية منه اكيد، وكنت أعجب كيف انحسر التطرف والارهاب عند متبعي هذا الدين دون سواه، وحاصرهم منذ التاريخ الاعمى الذي لم يشاهد سواهم، حتى التاريخ الأعور اليوم، والذي لا يحفل بسواهم !! كنت أعجب كيف لديانة كالمسيحية ان تنتشر بحد المحبة دون سواها ،وأغرق في هرطقات عابثة، وانا اقارن بين قول اللة فيما معناه ،العنف بالعنف كما عند الاسلام ، وبين قوله من ضربك على خدّك الايمن فأدر له الأيسر ،،فهل كان الرب جبانا في المسيحية واستقوى في الاسلام!!! كيف للمسيح ان يشبه الهة اليونان نصفه الاعلى الهي ونصفه الاسفل بشري، كيف يمكن للدين ان يقتبس بدعه من عصره ،وان نقبل بها دون جدل وتحليل ، وكيف يمكن للاسلام ان يعلن نفسه للعالمين دينا وهو عارف ومدركا لقوله “قل اسلمنا ولم يدخل الايمان بعد الى قلوبنا”!! قرأت عزازيل ولم أخرج منها سالمة من سفسطتي دوختني هذه الرواية ،وهي تشحنني بكثافة شعورية لا تنتهي ،كثافة انتقلت بي من هيبا الراهب الضعيف الخائف الخاضع لر هبة الرب،/ والقلق دوما والغير متوازن في داخله ،الذي يأخذه دوار الشغف فلا يخرج منه الا مطرودا،وينتسب لكنيسة الرب شاهدا مخالفتها ،ينظر الفلسفة بعين الحسرة وهي تُذبح ويُنكل بها دون ان يستطيع دفاعا.. الى هيبا الذي يحكي دون وجل عن افكاره لنسطور، هيبا الطبيب والشاعر والراهب ..والمختلي ،بغير امرأته،وهو الراهب الذي ندر نفسه للعبادة لا يقوى على مقاومة عبق الشهوة ، لعل “يوسف زيدان” منح هيبا جينات عربية ، هذا ا”هيبا” ليس مسيحيا وليس مسلما انه خليط مزمن من افكار “يوسف زيدان” خليط مبدع ،لعله تصالح مع نفسه عندما يقول “غاب عزازيل بداخلي،وسكت ،فغمرتني راحة مفاجئة ،شعرت بعدها بالفراغ… بعد حين توسدت فراغي ونمت في نومي ص 366” انه انسان ذاته، وشيطانها ، وبعيدا عنه، انه الدين الذي ما كان ليقوم الا على انقاض العنف او الهروب ..ا

    1. قد يكون الرد الجميل في بيان أن الناس هم الذين يصنعون دينهم، فالدين يحتمل وفق تحليل الناس وتفسيرهم لهم شتى الجوانب، من عنف أو سلام، محبة أو كراهية، تخلف أو تقدم، ولا بد عند تقدم المجتمع وانفتاحه على الآخر عبر التعليم والقراءة والالتزام بالعقلانية والأخلاق النبيلة المشتركة في هذه البشرية أن يكون التعامل مع الدين أكثر هدوءاً وأقل كارثية، بل سيكون الدين حافظاً لتوازن المجتمعات وسبيلاً للتواصل والتعارف لا القتال والتناحر. هذه فكرة بثها أمين معلوف في كتابه المعروف، الهويات القاتلة، وتكلم بنوع من التفصيل عن المسيحية والإسلام، وكيف أن كلا الملتين قد تحتملان في بعض الأوجه خيار العنف والقتل، إلا أن هذا قد لا يكون مكوناً أساسياً في طبيعتهما إلا في أذهان البعض، فيزينون للعامة سوء فهمهم حتى يصبح هذا الفهم هو الدين، وإن لم يكن من الدين في شيء.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s