هرطقات

يقول جورج طرابيشي في مقدمة الجزء الأول من كتابه “هرطقات” إن الهرطقة هي شكل من أشكال المقاومة، وإن الكاتب لا بد إن كان أميناً على قلمه حريصاً على نقاء ضميره أن يكسر حاجز الرهبة الفكرية بينه وبين قرائه، وإن كان ذلك يعرضه لأن يوصف بالهرطوقي أو المبتدع (وليس الهرطوقي من يدخل النار، بل هو من يشعل المحرقة، على حد تعبير شكسبير!). لا شك أن الإنسان في طبيعته يخاف من الانتماء إلى الأقلية، غير أن الحرية تتطلب غير ذلك، وما أجمل قول القاضي ابن جبار حين أكد وقال إن الأقلية ليست أمارة على الباطل، كما أن الأكثرية ليست دلالة على الحق. لذلك لا بد من مسلسل الكتابة أن يستمر حتى نعرف أن كل فكرة لها الحق في أن تلتقط أنفاسها وتأخذ فرصة للحديث عن نفسها قبل أن تتنزل عليها صواعق الإقصاء والحكم بالتبديع والتكفير.

كنت أتباحث مع مجموعة من الأصدقاء عن إشكالية الزواج في الإسلام، وكيف أن الكثير من الناس، مسلمين وغير مسلمين، ينظرون إليه كعقد شراء لسلعة ما، بسعر متفق عليه، ويعزز هذه النظرة في كثير من الأحيان الممارسات المهينة التي تقع على المرأة من قبل زوجها، ويكأنها عنده قطعة أثاث له كامل الحق في التصرف بها. غير أن هذا لم يكن محور الحديث، فقد كان نقاشنا حول زواج غير المسلم من المسلمة، وأن استحالة وقوع هذا الزواج في الدول العربية يتعارض، ولو ظاهرياً، مع مبادئ الحرية والمساواة التي بات ينادي بها القاصي والداني في هذه الأيام، وخاصة بين من ينظرون لهذه المفاهيم من وجهة نظر إسلامية. وأحد الحلول التي طرحت لهذه الإشكالية أن يكون هناك في المجتمع محكمة مدنية، إلى جانب المحكمة الشرعية، تنظم أمور الزواج التي لا يستوعبها نظام الإسلامي الفقهي، وفي هذا ضمان للحقوق الفردية، ولو من الناحية النظرية في الدولة، وذلك لأن احتمالية وقوعها في المجتمع المسلم ضئيلة للغاية، كما أن توسيع مجال الحرية في هذا الصدد سيجعل الناس أكثر وعياً بموروثهم الثقافي، سواء اتفق معه الآخرون أو لا.

أنا لا أتبنى هذا الحل بالضرورة وإن كنت أميل إليه، إلا أن ادعاء قدسية أمر ما، كالحديث عن شكل معين لنظام الدولة في الإسلام وبعض الجوانب المتعلقة بالزواج مثلاً، بناء على مجرد عاطفة تاريخية، بات ممارسة غير مقنعة البتة. وهذا ما حصل في إحدى المحاضرات حول مفهوم الدولة في الإسلام، حيث قال المحاضر باستحالة فصل الديني عن السياسي، وقد تكررت هذه العبارة في حديثه مرات عديدة، ولكني أرى أن هذه الاستحالة مبنية على استقراء التاريخ الإسلامي وحسب، حيث كان الدين، وما زال، عاملاً مهماً في تسيير العامة والتحكم برقابهم، بل وأداة لتسعير أتون الحرب بين طوائف الإسلام نفسها. فالحكم العقلي على شيء بأنه مستحيل لأن عاطفة الناس التاريخية تأباه أمر ينافي العقل ويبتعد عن الواقع، ولا بد إذا من إعادة النظر في الأشياء مبتعدين عن الرومانسية الدينية التي تصطبغ بها.

إن تكثيف الممارسة الفكرية في هذه المرحلة من حياتنا كشباب والتعرض لنفحات الأفكار الجديدة، حتى ما ينضوي منها على هرطقات وبدع، يجعلنا أكثر قدرة على الخروج من قوالب الحكم التقليدية، بل ومعايير الحكم التقليدية، التي نفرضها على أنفسنا بطريقة أو بأخرى. وهذا يجعل مساحة الحرية في ذواتنا أرحب وهكذا يصير النظر إلى الجانب الإنساني في التعاملات الفكرية أكثر رسوخاً ومقدماً على الانحيازات المسبقة.

اليوم، سنناقش رواية عزازيل للروائي المصري يوسف زيدان، وسيكون معنا عبر السكايب في نادي القراءة (انكتاب).

يقول هيبا الراهب: “على كل حال، هي مغامرة خطيرة أن نأمن، مثلما هي مغامرة خطيرة أن نؤمن.” صفحة 118

فكرتان اثنتان على ”هرطقات

  1. رح ألخص وجهة نظري بالموضوع واللي سبق وتناقشنا فيها عزيزي أبو الزوز

    صحيح إنو الخطاب الإسلامي بحاجة لمراجعة ولكن الدوافع يجب أن تكون داخلية وليس العكس
    ومشكلة كثير من المحاولات التوفيقية أنها تنطلق من محاولة تغيير الخطاب الإسلامي ليلائم الواقع لأنها تستهل ذلك إزاء فعل العكس

    أي تغيير الواقع ليلائم الخطاب الإسلامي
    تغيير الخطاب يتطلب تنظيرا ، بينما تغيير الواقع يحتاج لجهود مضنية قد تأخذ عقودا

    وطبعا أنا لا أنفي على الأطلاق إنو الإسلاميين ليسوا بحاجة لمراجعات في فكرهم وخطابهم ، لكنهم قطعوا شوطا جيدا في التصالح مع قيم الحرية الفردية والديمقراطية دون أن يرصد الكثيرون ذلك
    ( راجع كتابات الغنوشي وفهمي هويدي والشنقيطي والتي أصبحت متبناة بشكل واسع من قبل الإسلاميين)
    ودخولهم لمعترك الحياة السياسية بعد الثورات سينمي ذلك أكثر وأكثر

    وتقبل مروري

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s