أخبار

غابت عني آلة تصويري عدة أيام، إلا أن المشاهد التي تصورتها في ذهني ما تزال لها حيوية تدفعني على الكتابة والتدوين. إن ابتعادي في فترة العمل هذه عن بعض الأمور الأساسية التي اعتدتها في حياتي يجعلني أكثر فهما لها وأكثر وعياً بها وأكثر إحساساً بشخصيتي ومكوناتها. إن مجرد استخدام اللغة والحديث  من الساعة التاسعة صباحاً حتى الثانية عشر ليلاً يجعلك تدرك أن اللغة هي روح هذه الحياة وسرها.

في الوقت ذاته، أغيب عن الفيس بوك أياماً معدودة، ثم أعود أتصفح بعض ما يكتبه الأصدقاء والمعارف، فأرى عجباً و”تخبيصاً” لا أول له ولا آخر (أتمنى أن أكون مخطئاً في الجزء الأخير)، يجعلني أتأهب للكتابة والرد، غير أن هذا النعاس والإحساس بمسؤولية الاستيقاظ المبكر للعمل يكبحان هذا الجماح في معظم الأحيان.

تعرفت هذا الأسبوع أثناء عملي على طالبين لا يؤمنان بوجود الإله، إحداهن ورثت اللادينية عن والديها، ولم يعجبني هذا بالتأكيد، أما الثانية فقد تبنت موقفاً لادينيا بمحض اختيارها كمرحلة انتقالية إلى حين أن تقتنع بدين ما، وهذا أفضل بالتأكيد . كنا نتحدث ليلة أمس مع بعض الأصدقاء في البرنامج عن التنوع العجيب الذي نشهده كل يوم، قصص وشخصيات وأحداث، بحيث يمكن بكل سهولة أن تكتب مسلسلاً متكاملاً عن هذين الشهرين اللذين قضيناهما في هذا العمل. ومع كل هذا التنوع في الأديان والألوان بين هؤلاء الطلبة إلا أنك ترى في المشهد العام انسجاماً وهدوءاً عجيبين، وكأنهم من جامعة واحدة أو من صف واحد حتى، مع أنهم أتوا من ولايات مختلفة وجامعات متعددة. يجمعهم من الصباح حتى الليل الدراسة والقراءة والكتابة. لم أر في حياتي خلية دراسية كهذه التي أتعامل معها كل يوم. تتحدث مع ابن العشرين وكأنك تتحدث مع ابن ثلاثين، كل واحد منهم يتحدث لغتين على الأقل، ومعظمهم سافروا إلى بعض الدول الأخرى خارج الولايات المتحدة أثناء الدراسة. كل شخصية بينهم فذة متميزة، بحسناتها ومثالبها، بقراءاتها وأنواع الموسيقى المفضلة، بالرأي السياسي والديني، في العلاقات بين الجنسين وفي الزواج والارتباط، في الأكل والشراب، ببساطة، كل فرد له اختياراته التي يعرف عنها بشكل واعٍ وواضح. وهذا هو بالتحديد ما أراه غائباً في الصورة العامة في مجتمعاتنا!

كنت سأكتب في البداية كيف أن حكومة حماس المقالة في فلسطين قررت منع عرض فيلم لأن امرأة فيه تظهر شعرها، فكانت هذه عند حماس الطامة الكبرى التي لا يجب لأبناء غزة أن يشاهدوها ويتنجسوا بمنظرها. والدعوى في منع الفيلم هي مراعاة التقاليد المحلية!! المشكلة في نظري لا تقف عند هذا الحد، بل تتعدى ذلك حين أرى جمهوراً كبيراً من الإسلاميين يقفون موقف المؤيد  لقمع الحريات المتزايد من قبل حكومة حركة إسلامية في القطاع المحاصر، ويكأن الناس تحتاج إلى حصار فوق حصار. ليست هذه المرة الأولى التي تقف فيها حماس موقفاً معارضاً من الفن والإبداع، ويحزنني أن أشعر بأن هذا موقف معظم الحركات الإسلامية المعاصرة، بحيث يرى الناظر المراقب أنه إن كانت كل هذه الحركات الإسلامية حركا خلوة من النتاج الفني، بل وتقف منه موقف المعارض أو “المطوع” أن الإسلام نفسه يقف موقف الضد من هذا كله، خاصة عندما يطالعك أصحاب هذه الآراء بنصوص دينية من هنا وهناك، تجعل كل شكل فنيّ مجلبة للعار والنار.

أثناء حوار مع بعض الشباب يوم الخميس الماضي تكلمنا فيه عن موقف عبد السلام منصور رئيس اتحاد طلبة الأردنية من حفل حياة إف إم الفني، حيث عبر عن ندمه على رعاية الحفل لأنه من عمل الشيطان، تكلمنا عن الأدب الإسلامي وكيف أن هذا المصطلح هو من أكبر المصائب التي ألحقها الإسلاميون بالإسلام وأهله قاطبة. الفكرة في الأدب الإسلامي في نظر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين هو وضع إطار ينتظم فيه النتاج الأدبي، وهنا مكمن الخطر، بل وسوء الفهم كذلك. فكيف تصنف شيئاً وهو غير موجود أصلاً؟ كيف تضع صنفاً والمصنف غير موجود؟؟ وكيف تضع قيداً على الفن؟ ما فعله بعضهم هو أنه عمد إلى النتاج الأدبي الوعظي في التارخ الإسلامي وأدرجه ضمن هذه الفئة! والأمر أن الأدب الوعظي يكاد لا يكون أدباً لما فيه من تكلف وضعف، كما أنه يجعل نتاج شعراء المسلمين وأدبائهم في خانة أخرى “غير إسلامية”، وبناء على هذا التصنيف تخرج قصيدة كعب بن زهير التي ألقاها في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، مما يجعل من فقهاء الأدب الإسلامي أشخاصاً أكثر تقوى وحرصاً من النبي نفسه! هذا التوجه ليس منحصراً في دائرة ضيقة بين الإسلاميين، فهذا هو التوجه العام الذي يكاد ينطبع به الإسلاميون التقليديون في عصرنا هذا.

من الملاحظات الغريبة الأخرى التي شهدتها في الفيس هذا اليوم هو ما أبداه أحد الفيسبوكيين، منفعلا على ما يبدو، من فرح بإحراق كتب الشيخ البوطي في منطقة في سوريا، ويدعو على البوطي ويقول “اللهم احرق البوطي في نار جهنم اللهم إنه طغى في البلاد فأكثر فيها الفساد”!! حيث أصبح حرق الكتب ممارسة تستحق التصفيق والحمد. ربما أخطئ هذا الرجل، ولكن ما يعنيني هو أننا في حاجة إلى تكوين خطاب يبتعد عن هذه الغوغائية في التصرف وإطلاق الأحكام، والتعامل في دائرة الجنة والنار، ويكأن الله لا يسعه إلا أن ينظر إلى هذا الجزء من القضية.

آخر ما تكحلت به عيناي من أخبار هذه الليلة هو أن أحد النواب قاد مجموعة من “الزعران” لمهاجمة وكالة الأنباء الفرنسية، وهدد في أنه سيتخذ إجراءات لا يحمد عقباها إن لم يغلق مكتب الوكالة خلال 24 ساعة!! مش عارف كيف يبقى رجل كهذا في مجلس أمة؟؟

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s