حط الطنجرة على تمها

ممارسات بعض الجهات التي تنتمي جزافاً إلى صف المعارضة مثيرة للسخرية والحزن في آن معاً. دائماً ما أسمع من قبل العديد من أصدقائي أنه لا بد كي نكون جزءاً في حراك الإصلاح أن نقول للفاسد أنت فاسد وللمخطئ أنت مخطئ ولزارع الفتنة أنت زارع فتنة.. لكنّ الأمر يختلف تماماً على أرض الواقع، لأن الكيل دائماً يكون بمكيالين على ما يبدو في بلادنا. يسألني البعض لماذا أهتم بقضية اتحاد طلبة الأردنية إلى هذا الحد، والجواب بسيط، فأنا طالب في الجامعة، وأرى أن ديناميكيات العمل الطلابي في الأردنية قد ينعكس كما هو في الحياة العامة لو قدر للإسلاميين في الأردن أن يتسلموا زمام سلطة كبرت أو صغرت. رئيس اتحاد الطلبة الحالي أثبت بكل جدارة أنه ليس جديراً أن يتولى هذه المسؤولية، وكان واضحاً للمتابعين عن كثب أن رئيس الاتحاد مذ توليه هذا المنصب كان ممثلاً مخلصاً لجماعة الإخوان المسلمين وليس جزءاً حقيقياً من الجسد الطلابي الكبير في هذه الجامعة، وذلك لأنه يستحيل طبعاً أن يحقق هذا الأمر وهو رئيس للاتحاد قبل أن يحققه وهو طالب على مقاعد الدراسة، من الجانب الأكاديمي والاجتماعي على حد سواء.

ما زال العمل الطلابي في الجامعة الأردنية بشكل خاص يفتقر إلى أفراد قادرين على الكلام والنقاش والانتقاد والأخذ والعطاء. أحدهم فعل هذا بالأمس، وأعلن أنه براء من تصريحات رئيس الاتحاد التي يشتم بها الدرك وأفراده وتنضوي على إساءة للوحدة الوطنية (على حد ما جاء في بيان هذا الشاب، وهو ليس أمراً أشهد به شخصياً)، فأعلن هذا الطالب موقفه صراحة على الملأ، وجاءته التعليقات تترى بأن ليس هكذا تورد الإبل، وأن عليه أن يلتزم النصيحة بالسر لرئيس الاتحاد. في النهاية، يبدو أن هذا الطالب اقتنع بكلام زملائه من الإسلاميين وحذف ما كتبه عن بكرة أبيه.

لا ريب في أننا نحتاج إلى أقلام يثبت حبرها أكثر من يوم وليلة، نحتاج إلى كثير من الكتابة وكثير من المدونات وكثير من المتابعات، حتى نشعر أننا لا نتناول الأمور جزافاً وأننا نعمل عقولنا فيما يحدث حولنا، وأن نتعدى فعلاً لا قولاً مرحلة التلقي السلبي والتفاعل الجامد والتنظير اللحظي. ما أثار اهتمامي فيما فعله ذاك الطالب حين كتب هو ردود الفعل الكثيرة من هنا ومن هناك، فشعرت بشيء من الغبطة، لأنني أؤمن أننا نحتاج إلى هذا الجو من تبادل الأفكار والخروج عن المألوف والتجديد في كل شيء.

أنا أتمنى أن يعرف المزيد من الطلبة عن رئيس اتحادهم الحالي، وأن ينظروا إلى  ما قدمه سلباً أو إيجاباً، وأن يكون الطلبة أكثر وعياً بطبيعة التفكير والتوجه عند العديد من الإسلاميين الذين يجنون على أنفسهم وحركتهم بأن تصبح كغيرها حركة فوقية نخبوية، أو منعزلة رجعية. الكلام عن الانفتاح يعني أكثر من أن يضع الشاب قليلاً من “الجل” على شعره أو أن يلبس الجينز. الانفتاح يعني أن أكون قادراً على تبني وجهة نظر الآخرين وأن أتعامل معها من دون أحكام مسبقة، بحيث لا يكون هنالك فجوة بين الطلبة، تنم عن اختلاف شاسع في المرجعيات الثقافية، سواء شعرنا بها أم لم نشعر بها.

طبيعة التربية الفكرية داخل الحركة الإسلامية في الأردن لا تختلف عن طبيعة التربية في الدول الشمولية، دول الحزب الواحد والزعيم الواحد والكتاب الواحد. الطالب في هذه الحركات (وغيرها على الأغلب) يقرأ الكتب التي تجعله أقرب من مجموعته وأحب إلى شيخه. لا يعرف عن طه حسين إلا أنه كفر ثم تاب إلى الله (كما يرى أحدهم)، ولا يعرف عن محفوظ إلا ما قاله عنه الشيخ كشك (منقولاً عن شيخه منقولاً عن شيخه ..الخ) ولا يعرف عن قباني إلا أنه بذيء في شعره ولا يعرف عن درويش إلا أنه ليس مسلماً (كما يصر على ذلك رئيس اتحاد الأردنية) ولا يعرفون سوى عدد محدود من أدباء الحركة الإسلامية.

الإنسان عادة ما يكتب عن أقرب الأمور إليه أو أكثرها خطورة في رأيه، وأنا أرى أنه لا بد من التعامل مع ما تقوم به الحركة الإسلامية في الأردن بمنظور يبتعد عن الحلال والحرام أو الحسنة والسيئة، نريد أن نمتلك القدرة على نضع نوايا الأشخاص لأنفسهم وأن نحكم على الأفعال بعيداً عن التأثير العاطفي الكبير للفكرة الإسلامية من ناحية ارتباطها بالوحي وبالمقدس. فمن الخيانة لله واللآخرين بمكان أن أستر على فعل مسؤول في حركة إسلامية مدعياً أن هذا سيؤثر على سمعة الإسلام، أو أنه سيصد الناس عن التصويت للإسلام والمسلمين، وما إلى ذلك من التسويغات السمجة التي تراها مبثوثة هنا وهناك في أدبيات الإسلاميين المعاصرين.

3 أفكار على ”حط الطنجرة على تمها

  1. صديقي العزيز ..
    لا أدري لماذا أحسست – وأتمنى أن تعذرني – من خلال قراءتي لمقالك الكريم بإنك مصاب بما يسمى فوبيا الإسلاميين .. وسامحني على هذا التعبير ..
    فم أكثر انتقادك للعمل الإسلامي وللحراك الإسلامي – على حد تعبيرك في مقال سابق – وإصرارك على نشر سلبياته وإساءة سمعته – وهي ليست بالضرورة صفحة بيضاء – لكنك نقف بكل صمت حيال الأطراف الأخرى .. لم نر منك تحركاً ولا كتابة على المستوى السياسي والإصلاحي لا يخدم هذا الوطن ولا أردي إن كنت تدري أن هذا الوطن بحاجة لإصلاح ولسواعد تعمل لا تكتب لبنائه ..
    كم أتمنى منك النقد البناء لا النقد الجارح .. والتفكير الإيجابي لا التفكير الهادم ..
    واتمنى أن لا تنسلخ عن ثقافتك وعن مبادئك في سبيل الوصول لراحة عقلية ليست هي المقصد ..
    أنت شخص واسع الثقافة .. قوي اللغة .. جميل المنطق ..
    لكنك تتحامل على العمل والحراك الإسلامي لا أدري ما السبب قد تكون تجربة سابقة أو نتيجة ضغوطات قد مررت بها ..

    أكرر أتمنى يا صديقي أن تتناول بقلمك الممض موضوعاً عن الفساد وأهمية الحراك الشبابي في الإصلاح وكيفيته .. وعن الأحزاب والجماعات الجالسة . وعن الحياة الحزبية التعيسة ..
    ولنترك اتحاد الطلبة في عمله ..

    والله يجزي كل امرء بما كسب ..

    كل الحب والتقدير

  2. شكرا جزيلاً، وكنت أتمنى أن يزول غضب بعض المتابعين من خلال بياني أن الإنسان يكتب عادة عن أقرب الأمور إليه وأكثرها أهمية، وأنا أعرف الحركة الإسلامية عن كثب، وأرى أن إيجاد مستوى من الخطاب قادر على التعامل مع سلبيات الإسلاميين وإيجابياتهم بإطار حيادي نوعاً ما، من دون إضفاء صبغة دينية على التعامل، سيجعلنا أكثر قدرة على الانتقاد والمتابعة، وكما سيجعلنا أقل حساسية وشخصية عندما نقرأ مثل هذا الخطاب.
    أخاف من العمل تحت المسمى الإسلامي لأنني أخاف أن يقع الناس ضحية لاستخدام هذه الصفة وأن يكون هنالك تماهٍ بين ما هو سياسي يحتمل الصواب والخطأ وبين ما هو ديني. واللعب على وتر الدين أمر ليس بالجديد في ثقافتنا العربية، سواء ممن يسعون إلى الحفاظ على السلطة أو الانقلاب عليها في فترات متتابعة في تاريخنا الإسلامي.

    أشكرك جزيلاً على لطفك وذوقك، وأتمنى أن أكون قادراً على الكتابة حول ما أشرت إليه، وأعتذر إن كان في كلامي ثمة ما يجرح أو يثير الحساسية. ولكني أتمنى أن يكون الحوار دائماً مفتوحاً ومتواصلاً.

  3. شكرا لسعة صدرك أخي محمد في ردك على الأخ المعجب، وأحببت أن أشاطركما الحديث لو تكرمتما علي. بالنسبة للحراك الإسلامي، لا يخفى على أي أحد، كان من كان، بأن الخطأ الذي قد يحصل من أي حراك إسلامي السكوت عليه والتستر عليه هو أشد من سكوتنا على كثير من الأخطاء التي قد تحصل (ولربما أكثر) في أي حراك آخر، فإن الخطأ في الحركات السياسية يرتبط فقط بأشخاصها ولبعض سياستها ونهجها، لذلك لا تكون هناك هالة من أصحاب أو جمهور هذه الحركات في قبول النصيحة أو الانتقاد، بينما انتقاد الحراك الإسلامي تسيطر عليه هالة دينية مقدسة قد تفضي بك أن يحكم عليك عامة وجمهور الحراك الإسلامي بالنفاق أو كرهك للإسلام نفسه، مع أن هذا الأمر هو أبعد ما يكون عن الصحابي الذي سأل عمر عن ثوبه الطويل أمام مرأى ومسمع رأس الدولة الإسلامية (عمر) وحاشيته من كبار الصحابة والتابعين، فلا رمي ذلك الناصح بالنفاق، ولا اتهمه الصحابة بالزندقة أو كره الإسلام. لذلك لو حدث عشرين خطأ من أي حزب سياسي وحدث خطأ واحد في الحراك الإسلامي فإنني سأسرع بتصويب ذلك الخطأ الواحد في الحراك الإسلامي لأنه ينسب نفسه لديني ودين آبائي وأجدادي وقدوتي من الرسل والأنبياء، وانتقادي لن يكون إلا في إطار تصويب الخطأ لا تشهيره (عوذا بالله)، أما الأحزاب السياسية الأخرى فإن الخطأ قد يكون مؤصل فيها أو في مبادئها، فلا أثر ولا تأثير ان انتقدها عنترة أو زهير، لكن استغلال مصطلح (الإسلامي) لإدعاء الكمال وعدم قبول الإنتقاد هو ما يسيء لشخصي كمسلم من حقه أن يصوب أي إنسان يعمل باسم الإطار الإسلامي الذي يعتنقه خير الخلق محمد ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، إن قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) هو تحصيل حاصل للأمر بالمعروف “بين المسلمين” والنهي عن المنكر “أيضا بين المسلمين” قبل أن يكون ذلك بين المسلم وغيره من الناس. وفق الله المسلمين لطاعته، ورفعهم الله دنيا وآخرة على جميع خلقه. آمين

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s