هذه هي المرة الأولى التي أكتب وأترك العنوان خلواً، لأني لا أعرف عما سأكتب بالتحديد. عانيت من مرض في اليومين الماضيين، ولكنه لم يتح لي الفرصة لأتعرف عليه، واكتشفت عندما نفضت نفسي عن الفرشة صباح اليوم أنه غادرني خلسة في الظلام. انقطاعي عن الكتابة كان لانشغالي بعملي، حيث أعمل خلال النهار، ثم في المساء أعمل ساعتين أو ثلاثة. وأكاد لا أجد وقتاً لنفسي وأصدقائي وكتابتي.

بدأت هذا العمل في تدريس العربية لغير الناطقين بها هذا الصيف، وأنا أعمل مع مجموعة كبيرة من الطلبة الأمريكيين، من منابت وأصول مختلفة، يدرسون العربية ويتعملونها. مهمتي معهم هي التدريس والمتابعة وممارسة اللغة، وهذا أعطاني فرصة لأن نتكلم معاً في شتى المواضيع، بدءاً من السياسة بكل تأكيد والقضية الفلسطينية، ومروراً بالأدب والقراءة والفنون، وانتهاء بحقوق المرأة وحتى حقوق المثليين، وهذا الموضوع الأخير كان بكل تأكيد الأصعب، خاصة أنه كان مجرد باب لأشجع إحدى الطالبات في البرنامج على الحديث، لأنها مهتمة بهذه القضية، غير أن مستواها اللغوي لم يساعدها على الخوض فيه، كما أنها تدرك حساسية هذا الأمر في ثقافتنا.

تعرفت في هذا البرنامج على عدد كبير من الأشخاص الذين يصعب ألا يتركوا أثراً عليك، سواء من المشرفين أو الطلبة، وأخص الطلبة بالاهتمام هنا. فكلما جلست خارج مع طالب منهم تراني أندب واقع التعليم في جامعاتنا وكيف أن الطلبة في جامعاتنا لا يحصلون على أدنى حقوقهم الإنسانية والثقافية والأكاديمية. فأشعر بالغيرة الخانقة في حين، وأشعر بالذنب في حين آخر لأنني كذلك أرى أنّ كلاً منا مسؤول عما هو عليه بشكل من الأشكال، وأن الاستسلام لديناميكيات المعرفة والتعليم في مجتمعنا هو في جزء كبير منه مصيبة عدد كبير منا، خاصة أن تعاملي مع هذه الفئة من الطلبة يثبت لي في كل يوم أن كل واحد منهم فرد قائم بنفسه، فترى كل شخصية باهتماماتها وقرائها المفضلين وألوانها الفنية والموسيقية الفذة، فلا تشعر أن أياً منهم يسعى لأن يذوب في أيقونة أخرى أو أن يتمثل نموذجاً آخر غير فرده وشخصه.

هنالك إحدى الطالبات، واسمها العربي نقيّة، وهي نقيّة بسيطة، تعيش مسيحيتها بكل هدوء وعفوية، ما أحببته في هذه الفتاة  هي أنها تتكلم عن كل هذا دون تكلف أو تعقيد، فهي ترى ذلك لنفسها ولكنها تخجل في الوقت ذاته لأنها قد لا تكون قادرة على القيام بأي شيء مما تتكلم عنه. لا يظن من يراها لأول وهلة أنها من أهل الفن، غير أنها أطلعتني على إحدى تجاربها الفنية، التي تمثل التواصل بين الشرق والغرب، من خلال نحت طاولتين، إحداهما وهي الدائرية تمثل الشرق، اقتناعاً منها بأن الثقافة العربية الإسلامية الأصيلة تعزز المشترك وتنفتح على الآخر، وهذا هو رمز الطاولة الدائرية، على عكس الثقافة الغربية التي تميل الآن إلى الإمبريالية والسيطرة، وهذا ما ترمز إليه الطاولة المستطيلة الأخرى، إلا أن بين الطاولتين حجاباً يكاد يشف عما بين الثقافتين، وعوامل الخير تنقسم بينهما، وق مثلت على ذلك بقصعة من الورد وماء الورد

ذهبت إلى البتراء مع الشباب، وكانت فرصة مميزة لأعيد التواصل مع الأنباط وصخور البتراء وألتقي ببعض أصدقائي في وادي موسى، وأن أمضي المزيد من الوقت خارج العمل مع الطلبة. تعرفت على طلبة من جامعة الإم آي تي وستانفورد، وتكلمنا طويلاً في إحدى مقاهي وادي موسى الشعبية عن سياسة أمريكا في الشرق الأوسط وعن الإسلام والإرهاب، وكانت ليلة جميلة، انتهت بسباق للركض بيني وبين أحد الشباب، وكنت الخاسر.

كان لقائي مع محمود أبو صيام في وقت متأخر من يوم أمس، قرب الساعة الواحدة فجراً، من الأحداث المهمة لهذا الأسبوع. محمود صديق انعقدت صحبتي معه بلقاء ثقافي عابر، ثم تكثفت شحنات الثقة والمودة الفيسبوكية والتوترجية، حتى أذن الله لنا بلقاء جديد، ولكني شعرت فيه أنني أعرفه منذ سنوات عديدة، فلم أشعر أبداً أنه صديق جديد.

كثيرة هي التطورات التي تحدث معي هذه الأيام، وقد كتبت هذا على عجل، لأنني أردت أن أكتب.

عرض الشرائح هذا يتطلب تفعيل جافاسكربت.

5 أفكار على ”

  1. أشكرك أبوزيدان على الإطراء
    يمكن طبيعة عملك مرهقة وبتاخذ كل وقتك
    بس واضح إنك شغوف ومستمتع بـ
    what you do for living
    كثيرون يحسدونك على هذا وأنا منهم
    وسلامات يا صديقي

  2. جميل أن يكون العلم لأجل المعرفة وأن يكون الفن لأجل المتعة وأن ينشأ الإنسان منذ الصغر وهو يفهم الحياة بشكل جيدة ويدرك معانيها وألوانها.. حتى يتمكن من تكوين شخصيته واستقلاليته ويكون له لون مميز في كل مجال من مجالات الحياة بما يرضيه عن ذاته وشخصيته..

    في عالمنا العربي لا تكاد ترى فرقاً بين الأب وابنه وبين الأم وابنتها (إلا من رحم ربي)، لأنه يجب على الابن والابنة أن يتبعا كل ما يملى عليهما من آبائهم وأن ينصاعوا وينقادوا وينفذوا كل الأوامر ويؤمنوا بكل المبادئ بدون تفكير أو سؤال أو استفسار.. لانهم في حال خالفوا الأوامر واختلفوا في المبادئ والأفكار نزل عليهم جام الغضب من الوالدين ولم ينالوا الرضى اللازم، وفي حال استفسروا وطالبوا بنظريات مقنعة لتلك الأفكار والمبادئ انقلبت الحياة إلى جدال عنيف وقتال دائم ولم يهنأ بال لا للأباء ولا للأبناء..

    سبحان الله.. ألا يكون الآباء راضين عن أبنائهم إلا إذا كانوا صورة طبق الأصل عنهم.. عن نفسي كنت أتوقع أن يكون لي شخصية أخرى تميل إلى نوع معين من العلوم والآداب والفنون والثقافات المختلفة.. ولكنني لعدم اقتناعي بأغلب ما نشأت عليه وإجباري على عدم إبداء عدم اقتناعي، فقد فضلت أن أكون حيادية تجاه كل شيء.. وعشت حياتي غير راضية عن شخصيتي وثقافتي.. والآن أكاد لا أرى لي لوناً!!!!!

    ولكنني سأعمل على تغيير هذا الشيء.. وليقدرني الله عز وجل على ذلك.. إن لم يكن لنفسي فلأبنائي فلا أريد منهم أن يكونوا إمعة لأحد ولا أن يخشوا التعبير عن آرائهم ومناقشة أفكارهم ومعرفة الصواب والخطأ والسعي وراء العلم والمعرفة بالقراءة ومخالطة الرفقاء الصالحين وأن يكون لهم شخصية مستقلة وعقلاً واعياً وفكراً مثقفاً.. وأن يمثلوا الشخص المسلم في قول الله تعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الإنسان من علق (2) اقرأ وربك الأكرم (3) الذي علم بالقلم (4) علم الإنسان ما لم يعلم (5))..صدق الله العظيم

  3. جميل جدا أخي محمد
    تعرفت في هذا البرنامج على عدد كبير من الأشخاص الذين يصعب ألا يتركوا أثراً عليك، سواء من المشرفين أو الطلبة، وأخص الطلبة بالاهتمام هنا. فكلما جلست خارج مع طالب منهم تراني أندب واقع التعليم في جامعاتنا وكيف أن الطلبة في جامعاتنا لا يحصلون على أدنى حقوقهم الإنسانية والثقافية والأكاديمية. فأشعر بالغيرة الخانقة في حين، وأشعر بالذنب في حين آخر لأنني كذلك أرى أنّ كلاً منا مسؤول عما هو عليه بشكل من الأشكال، وأن الاستسلام لديناميكيات المعرفة والتعليم في مجتمعنا هو في جزء كبير منه مصيبة عدد كبير منا، خاصة أن تعاملي مع هذه الفئة من الطلبة يثبت لي في كل يوم أن كل واحد منهم فرد قائم بنفسه، فترى كل شخصية باهتماماتها وقرائها المفضلين وألوانها الفنية والموسيقية الفذة، فلا تشعر أن أياً منهم يسعى لأن يذوب في أيقونة أخرى أو أن يتمثل نموذجاً آخر غير فرده وشخصه.

    كلمات رائعة بالموفقية

  4. قبل كل شي بقول : “اللهم رب الناس ،، أذهب الباس،، اشف أنت الشافي ،، شفاء لا يغادر سقماً” ،، سلامتك محمد ^_^

    ***************
    ربما لم أخبرك بهذا قبلاً لكنني حقاً أحب كتاباتك ،، ألمس فيها نبرة صدق افتقدت إليها منذ أمد بعيد ،، أعجبتني جداً فكرة انضمامك لبرنامج تدريس اللغة العربية لغير الناطقين بها ،، مزيج مثير للاهتمام صراحة ما بين دراسة الترجمة و من ثمّ تدريس العربية ،،

    سؤال بسيط : لو أخبرتك أن هذه المقالة أعادتني لطفولتي هل ستصدقني ؟

    لا أدري كيف طرأ على بالي مؤتمر أطفال العرب الذي كان يعقد في الصيف من كل عام برعاية الملكة نور ، كنا في كل عام نستضيف حوالي خمسة أطفال تترواح أعمارهم ما بين الثانية عشرة و حتى السابعة عشرة في البيت ،، نقضي معهم أسبوعاً من أجمل الأسابيع في السنة ،، لكنني حتى الآن ما زلت أذكر نفسي عندما كان يحين موعد فراقهم ،، لكأنني أنظر إلى نفسي منزوية في ركن من غرفتي أبكيهم بصمت قبل رحيلهم ،، أجفف دموعي و أرسم ابتسامة على وجهي و أخرج لأقضي آخر ساعة لي معهم ،،

    لكن للحق أقول :: لحظاتنا المميزة التي كنا نقضيها طوال الأسبوع تستحق بالتأكيد أن نعاني “قليلاً ” من أجلها ،، و أضع قليلاً بين أقواس لإنني والله كنت أشعر بقلبي ينفطر حين كنا نوصلهم إلى المطار

    لكن ،، و كما أقول دوماً ،، هناك على الدوام جانب مشرق في الموضوع ،، و الجانب المشرق هنا أنني ما زلت على اتصال بالبعض منهم حتى هذه اللحظة ^_^

    أدعو لك بالتوفيق محمد ،، كما أدعو لك أن يجنبك الله هذه اللحظات المؤلمة وإن كانت لا بد منها ،، ما دام العنصر البشري قد أقحم في علاقاتنا أصبح الفرح مجاوراً للألم بالتأكيد ،،

    لن أنسى أن أخبرك كم أنا فخورة بك كشاب من وطني ،، و فخورة أكثر لإنك أحد أصدقائي “على الأقل هذا ما أتمناه” ،، اعذرني على الإطالة ،، و سامحونا ^_^

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s