دائرة خوف

أقرأ الآن في كتاب دوائر الخوف لنصر حامد أبو زيد. أبو زيد، رحمه الله، والذي يقول في مقدمة كتابه هذا إنه يكتب منطلقاً من إحساسه العميق بمسؤوليته تجاه أمته، ومن إيمانه العميق بصلابة الإسلام وقوته “كلما تأسس على العقل وقوة الحج” بدلاً من مجرد التسليم والإذعان. هو يرى أن الدين الإسلامي يمنح المؤمن به ثقة وجسارة في الاجتهاد وجرأة في البحث والفكر لا تبالي بغضب الغاضبين ولا تعصب المتعصبين.

لقد صدرت فتوى في مصر في حق نصر حامد أبو زيد تقضي بإخراجه من الملة والتفريق بينه وبين زوجه، مما اضطره عام 1995 بمغادرة مصر والذهاب إلى أوروبا. أصدر بعد ذلك بيانا بعنوان “أنا أفكر فأنا مسلم” غير أن الاتهامات توالت وصدر في حقه مزيد من التكفير من دول الخليج ومنع دخولها ووسم بأنه عدو القرآن وما إلى ذلك من أحكام، السبب من وراءها في جزء منه نفاق وتعصب وحكم بأكثر من معيار، وحالة انفصام خطيرة، يعززها الإعلام، الذي يختزل جهود أولاء العلماء المسلمين، من أمثال أبو زيد، في بعض القضايا التي تمثل حساسية خاصة عند بعض المسلمين، فيطالعنا دكتور في كلية الشريعة في الجامعة الأردنية على إذاعة حياة إف إم قبل فترة ليست طويلة، ليطلق سهام النقد والتخوين على هؤلاء الكتاب (مع أنه اعترف أنه لم يستوعب قراءة أعمالهم) وكان الكلام كالعادة عاطفياً، كأن يقول إن هؤلاء الكتاب اعتمدوا مناهج غربية في فهم النصوص، وأنهم يحمّلون النص ما لا يحتمل، وأنهم أساؤوا فهم النصوص وأجحفوا في حق المقدس، وهذا كلام عمومي، يقع عند السامع عامة الناس موقعاً حسناً، فيرسخ عندهم، وتصبح فتاوى التكفير شيئاً مسوغاً في العاطفة الشعبية العامة ويتمتع بدعمها، والسبب هو التضليل الإعلامي والخطاب العاطفي السطحي في وسائل الإعلام الإسلامية المعاصرة.

المشكلة هي أن الخطاب الإسلامي خطاب متأزم محتنق، والواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي يسهم في ذلك كثيراً. ودائماً أكرر إن التعامل مع الخطاب الإسلامي والتركيز عليه نابع من أن هذا الخطاب هو في الحقيقة الأكثر أهمية وخطورة، وذلك لارتباطه بالمقدس ولارتباطه بقاعدة شعبية عريضة، تجعل الإهمال في هذا الجانب أمراً لا يمكن احتماله، خاصة مع التغيرات السياسية التي يشهدها العالم العربي. وهذا يؤكد على ضرورة أن نرى جهوداً جديدة لا تنطلق من مجرد الدفاع، بل تتجاوز ذلك إلى إبداع في التأليف وتأصيل للمنهج، خاصة فيما يتعلق بقراءة النصوص وتفسيرها، والحريات الفكرية والدينية في حياتنا المعاصرة.

ليس ما أكتبه عن نصر حامد أبا زيد يعني بالضرورة أنني أؤمن بكل آرائه أو أنني قادر على تبنيى منهجياته في التحليل والتفسير، وإنما الأمر ببساطة هو أنني أرغب في أن نعيد التفكير في التعامل مع التراث الفكري الذي أتانا منه، بعيداً عن عقلية “البحث عن العفريت” كما يحب أن يسميها هو، وأن نحاول أن نمد سبل الارتباط الفكري في نتاجات الكتاب العرب والمسلمين المعاصرين من شتى المدارس، بعيداً عن إطلاق الإحكام الشخصية، دون إرهاب فكري يجعل النظر في عواقب التفكير أقسى من مهمة التفكير نفسها.

5 أفكار على ”دائرة خوف

  1. “في عصور التأخر والانحطاط يتم إخفاء “النساء شقائق الرجال” ويتم إعلان “ناقصات عقل ودين”، ويتحول تحريم اللقاء الجنسي خلال فترة الحيض إلى تحريم الحديث معها ومشاركتها الطعام عوداً إلى محرمات التابو الأسطورية. ويتم استدعاء قصة خروج آدم من الجنة في صيغتها التوراتية، حيث تتوحد حواء بالحية وبالشيطان. … وتتحول المرأة إلى الكائن المثير للشهوة المحرك للغرائز، الباعث على الفتنة وأحبولة الشيطان.. إلخ، ويصبح الحل الوحيد هو “الوأد” الذي كان يمارسه العربي البدوي في الجاهلية- لكنه “الوأد” داخل اللباس الأسود المغلق تماماً إلا من فتحتين للعينين. إنه المعادل الموضوي لعملية “الدفن” على سطح الأرض درءاً مقدماً للشبهات وعملاً بالمبدأ الفقهي الأثير “درء المفاسد مقدم على جلب المصالح”. وهو مبدأ يعني جوهرياً المحافظة على الحال كما هو مهما كان حجم التخلف، إذا كانت الحركة وتحقيق المصلحة يحتمل-مجرد احتمال- أن تفضي إلى بعض المفاسد.

    دوائر الخوف: صفحة 38

    مع أن قضية الخمار إشكالية هنا لأنها عند العديد من الناس خيار ثقافي ديني، ولكن المشكلة في الخمار إن تحول إلى أنه هو الأصل الذي لا عدول عنه، وأنه هو دليل المرأة المسلمة الكاملة، وأن ما عدا ذلك إثم ومعصية لا بد من تغييرها عند جماعة المسلمين. فالقضية لا تتناول الممارسة في ارتداء الخمار وإنما الفهم المرتبط بالخمار، فالممارسة لا بد أن تكون محفوظة ومحترمة وفق اختيار الشخص.

  2. وجوب التعامل مع قضية المرأة كقضية اجتماعية وسياسية ، وأن أية محاولة لتصنفيها كقضية دينية ليست إلا محاولة لتزييف الوعي

  3. صديقي أحمد يبدو أن حضورك في دوائر تفكيري اللاواعي قوي، خاصة أني مدين لك في الحصول على الكتاب

  4. شكرا لك محمد على ما تقدمه لنا من نماذج تساعدنا دوما في حياتنا وحتى في انتقاء ما هم أفضل ، لكن لي رجاءٌ بأن تعرض لنا جزءاً أو حتى فقرة صغيرة ممما احتوته آرائه في موضوع ما .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s