في وسط البلد

عشقي لعمان ووسط البلد أمر بدأ معي قبل المدرسة، حين كنت أتعلم القرآن عند الشيخ يحيى في دار القرآن في المسجد الحسيني الكبير. كنت في العطلة أنزل مع أخى عيسى (صاحب المغامرات العجيبة) لنتعلم القرآن عند هذا الشيخ الضرير، رحمه الله (أعتقد أنه توفي مؤخراً)، وكنا دائماً نتوجس خيفة من العصا التي اعتاد على إخفائها في الخزانة (وتبين لاحقاً أن لا وجود لها إلا في أذهاننا)، والخوف من العصا (غير الموجودة) هو الذي جعل أحد أصدقائي في تلك الأيام يقرر أن يهرب ولا يحضر معنا، وذلك بفضل أخي عيسى الذي اخترع قصة عجيبة عن غرفة للضرب يخصصها الشيخ للطلاب الذين لا يحفظون.

اللي بقرأ الفقرة الماضية بفكر إني مواليد القرن التاسع عشر! ولكن في عمان الشرقية، ثقافة الكتاتيب موجودة، ولا تزال، خاصة بين جماعة الدعوة والتبليغ، الذين يرسلون أولادهم وبناتهم إلى دور القرآن، غير الرسمية، ليتعلموا القرآن والعربية والحساب عند الشيوخ، ويحرمونهم من الذهاب إلى المدارس حتى الصف الثالث أو الرابع ربما. ومن أهم هذه المراكز واحد في جبل الجوفة حيث كنت أعيش، ولدار القرآن هذه قصص عجيبة عاينتها. آخر ما أذكره منها أن شيخاً كان يدرس فيها، مُنِعَ من التدريس  لأنه أدخل المسجل كي يسمع الأطفال بعض الأناشيد التي فيها بعض الموسيقى!!

كنت أتحدث عن عمان. عمان في يوم الاستقلال كانت جميلة، زاد من جمالها ما سمعناه عن تعديلات في قانون الانتخاب وقانون الأحزاب، وبالرغم من قراءة مقال يدفع إلى اليأس في مدونة الزنبقة السوداء لنسيم طراونة، إلا أنني احتفظت ببارقة الأمل، وشعوري أنه يمكنني أن أكون مواطناً صالحاً أخرج من دائرة الراحة التي أعيش بها، لأغير في أنماط سلوكي وتفكيري السلبية، بما يمكن أن ينعكس، بوعي أو بغيره على المجتمع الذي أحيا فيه. كنت أعتقد كذلك أن ذكرى الاستقلال وموجة الإصلاح التى تلف الأجواء ستنعكس بالتأكيد على الأفراد، على كافة المستويات، وبالتحديد الناس “بلدياتنا” الذين نتشارك معاً في همومناً وآمالنا في هذا الوطن الصغير.

الصورة أصرت على أن تكون قاتمة. تفاعل الناس مع عيد الاستقلال لم يكن كبيراً، سواء على مستوى الاحتفال أو على مستوى التأثر الإيجابي في روح الحدث، من ناحية التفكير بضرورة التغيير على المستوى الفردي كخطوة أولى للتغيير على المستوى الجماعي، على الأقل، وأن الإصلاح السياسي يتطلب منا أن نكون على قدر المسؤولية للمرحلة القادمة، لأنه وإن كان تغيير قانون الانتخاب أمراً إيجابياً ومطلوباً، إلا أنني أخشى أنه ليس القانون وحده هو الذي يفرز مجلساً بائساً، بل إن الشعب هو الذي يفرز مجالسه، والتغيير لا بد أن يطال توجهاتنا ومنطلقاتنا تزامنا مع التغيير في القوانين. ولكن،  كالعادة، حالة من عدم الاكتراث بين الشباب، خاصة الجامعيين، إذ تتفاجئ (أو لا تتفاجئ) أن لا أحد يعرف شيئاً أصلاً عما حدث من تغييرات إيجابية في القوانين، إلا بين الشباب أصحاب الانتماءات السياسية في الجامعة، وهم قلة قليلة غير ممثلة لمجتمع الشباب الأردني.

ربما من الأشياء التي تعلمتها من الاستقلال هي أن أتعلم التوازن في حياتي وأن لا أتعجل في إطلاق الأحكام على الأشخاص بناء على أمور سطحية (إذ تعجلت في الأمس القريب على الحكم على شخص بناء على طول شنبه!!) وأن أحاسب نفسي على الاستخدام المفرط للسيارة وأكياس البلاستيك، وأن أحرص على الكتابة والتدوين وتدوير الورق. وأن أقرأ كثيراً، أيضاً

قبل أن انتهي، صورتان أساءتا إلى استمتاعي بيوم الاستقلال في الأمس، الأولى في الصباح ,وأنا أسير في وسط البلد، إذ رأيت صورة لجلالة الملك عبد الله الثاني وهو يدخن الأرجيلة. “الصورة” التي تنقلها الصورة ليست جميلة في حق الأردن، فمن المحزن طبعاً أن يكون لهذه الصورة أثر سلبي في أذهان الشباب وصغار السن ليذهبوا ليدخنوا ويرتادوا المقاهي للارجيلة اقتداء بجلالة الملك، وهذه حجة قوية، فإن ذهبتَ لشاب لم يبلغ الثامنة عشرة ونصحته بعدم تدخين الأرجيلة، سيرد عليك انطلاقا من هذه الصورة التي رآها وعلقت في ذهنه ووجدانه العاطفي، قائلا ربماً: إن الملك نفسه يدخن الأرجيلة! مع أنه من الممكن جداً أن الملك لم يدخنها إلا في تلك الصورة، وكانت عدسة المصور بالمرصاد حينها. لا أعرف لمن أتحدث، ولا أعرف إن كان يحق لي أن أذهب إلى صاحب المقهى لأحدثه بأن ينزع هذه الصورة ويضع صورة غيرها أجمل منها. ولا أدري إن كانت الإشارة إليها هنا ستغير من الأمر شيئاً، ولكن، كل شي ممكن في عيد الاستقلال.

عرض الشرائح هذا يتطلب تفعيل جافاسكربت.

الصورة الثانية، ولم أصورها، كانت مساء، في ميدان وصفي التل (الدوار الثاني)، جلسنا في وسط الميدان أنا وبعض الشباب، وعلى يميني عائلة تتناول عشاءها في الهواء الطلق. فرحت لرؤية الناس البسطاء يفرحون ويأكلون مع أولادهم في هذه العطلة الوطنية، ثم قبل أن أغادر، نظرت إلى المكان الذي كانوا فيه، وإذ هو أشبه ب “مزبلة” مصغرة، إذ تركوا كل شيء وراءهم، كأنهم يظنون أن الأرض ربما ستبتلع بقايا طعامهم وتنتفع بها!! تعجبت أنا وأصدقائي من هذا المنظر، وقلنا، حوينة علينا العطلة يا شباب!!

6 أفكار على ”في وسط البلد

  1. الصورة قاتمة لدي كذلك وعلى المستوى الشخصي أنا متشائم بخصوص أثر التعديلات الدستورية على الحياة السياسية ، مالم يحدث تغيير في الأجنحة المتمكنة من مواقع التأثير لصالح الإصلاحيين بفعل الضغط الشعبي فلاأرى أنه من السليم رفع سقف التوقعات

    تعديل الدستور أمر جيد وإيجابي ومطلوب ، لكنه يفقد مفعوله دون تطبيق ، ولذلك على الشارع أن يستمر و يصعد من حراكه جمعة بعد جمعة

    وعيد استقلال سعيد للجميع

    1. ما حصل البارحة، والقلق والتوتر عند الحكومة، يشير إلى أن “مفعول الشارع” مثمر، والحركة ما زالت مستمرة بجميع أشكالها، أي أن الشارع أصبح يعني الفيس بوك والتويتر والإذاعة والمسرح والجرافيتي، هذا هو الشارع، وأتوقع أن الفاعلين على الساحة الاجتماعية والحراك السلمي قادرين على توسيع نطاق التأثير، من خلال الحفاظ على التطور في الأساليب والخطاب اللغوي المستخدم، لأن المصلحين، وهذه عبارة لا أدري أين سمعتها أو قرأتها، دائماً يجددون، ودائماً يبدأون.
      احتراماتي أبو صيام

  2. يوم الاستقلال كان يوم جميل بقرارات جلالة الملك وتحديداً التي ستطبق عن قريب مثل قانون الإعفاء العام والذي يشمل فئة كبيرة من الشعب مما أدخل الفرحة فعلاً على قلوب الناس.. وبالنسبة لي فأنا أرى في الأفق مستقبلاً جميلاً للشعب الأردني بفضل الله وبفضل الخطوة الأيجابية التي قام بها جلالة الملك بضم الأردن لدول مجلس التعاون الخليجي.. أرى أن الشعب يجب أن يتفاءل دون أن يستعجل النتائج..

    بالنسبة للصورة،، أوافقك الرأي مع أني لو كنت هناك لربما لم أنتبه إلى الصورة (بسبب قلة ملاحظتي صراحة).. إن تمكنت من زيارة المكان مرة أخرى فلا بأس بأن تتحدث إلى صاحب المكان بأن يغير الصورة،، ليس من الضروري أن تكون صورة جلالة الملك بالمكان دعاية بالأرجيلة ولكن يمكن أن تكون دعاية بكوب من القهوة الساخن بالشتاء وكأس من العصير البارد بالصيف،، كلها ستؤدي غرض الدعاية بدون أذى لأحد..

  3. أعتذر عن الخطأ في العبارة (بفضل الله وبفضل الخطوة الإيجابية…الخ)ولكن كان يجب أن تكون (بفضل الله ثم بفضل الخطوة … الخ)أعتذر مرة أخرى..

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s