الأغلبية يمكن أن تخطئ

إن التاريخ يؤكد لنا أحياناً أن الأغلبية يمكن أن تخطئ، كما تقول أسماء برلاس،  وهذا ما حدث بكل تأكيد في تناول موقع المرأة في تاريخ الإسلام بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

قد لا يكون الحديث عن النسوية الإسلامية في سياقه الآن، (مع أن الاحتجاج على منع المرأة من قيادة السيارة في السعودية قد ينذر بقيام ثورة هناك) ولكنها شوشرة لا بد منها لنقف موقفاً جاداً، نظرياً وعملياً، لنغوص إلى البداهات التي نحملها عن فهم النصوص الدينية الإسلامية المتعلقة بالمرأة، ولتحليل الطبيعة الذكورية البحتة التي أحاطت بفهم هذه النصوص وتفسيرها على مر التاريخ الإسلامي، حتى القرن التاسع عشر، حين بدأت بعض الإرهاصات بالتزامن مع الاستعمار الغربي لبلادنا وتأثيره على الحياة الفكرية فيها، خاصة في مصر. فترى دعوات لتعليم البنات مثلاً، وهو عنوان كتاب رفاعة الطهطاوي ( المرشد الأمين في تربية البنات والبنين) وقاسم أمين في كتابيه (تحرير المرأة) و (المرأة الجديدة) وما تبع هذه الدعوات من حراك تحرري للمرأة وشد عكسي من قبل المحافظين من فقهاء المسلمين. ثم استمر، ويستمر التعامل مع قضية المرأة من المنظور الديني السلفي، تقليدياً تسويغياً، ينظر إلى حال المرأة الثانوي في مجتمعاتنا على أنه اختيار الله الحكيم وأمره في عباده، وأن معارضة التكوين الأصلي لهذا التقسيم مخالف للطبيعة. ويتم التغاضي التقليدي في خضم ذلك عن قضايا إنسانية أساسية هي في نظر الكثيرين منا تنتقص من المرأة وحقوقها .

قضية المرأة ترجع إلى ثلاث نقاط أساسية، كما وضحها فهمي جدعان في الفصل الأول من كتابه (خارج السرب: النسوية الإسلامية الرافضة)، وهي:

1) التمييز بين الرجل والمرأة وتقديم الرجل عليها

2) قضية المساواة

3)حقوق المرأة، ويلحق بها قضية حرية المرأة

وهنالك على ما يبدو ثلاث مدارس نسوية، النسوية الإصلاحية، ووسمهما بالنسوية هنا فيه تجاوز، إذ جل ما تفعله هذه المدرسة هو “أن تسوّغ أو أن تبرز أحكام الإسلام المُشكلة على الضمير الحديث والحساسية الحديثة” فيقف عند ما انتهى إليه الأولون ويحاول الالتفاف بتحسين صورة بعض الأحكام الشرعية والتفسيرات التي أدلى بها الفقهاء الأوائل. والمدرسة التي تأخذ نقيضاً مقابلاً هي النسوية الرافضة، التي تهاجم الدين وترى أنه قائم على التمييز بين الجنسين وظلم المرأة. وفي الوسط تقع المدرسة النسوية التأويلية، التي تحاول أن تعيد فهم التاريخ والنص والانقلاب على على الأوضاع التاريخية والتقليدية الراسخة التي كانت تنضوي على ظلم للمرأة وانتقاص من قدرها، انطلاقاً من إيمان راسخ بأن الإسلام هو دين العدل والمساواة والحرية، والإن الإسلام المعياري شيء والإسلام التاريخي شيء آخر، على حد تعبير أمينة ودود إحدى المبرزات في مدرسة النسوية التأويلية.

يتكلم جدعان في الفصل الأول من كتاب خارج السرب عن تجارب ثلاث أو أربع مفكرات مسلمات من مدرسة النسوية التأويلية ، الأولى هي فاطمة المرنيسي، وسأكتفي بالحديث عنها اليوم بناء على ما ورد في كتاب جدعان:

أهم كتب فاطمة المرنيسي، وهي نسوية إسلامية، هو: الحريم السياسي: النبي والإسلام، ومنهجها في الكتاب يقوم على ثلاثة أمور:

الأول: الانطلاق من مرجعية الإسلام نفسه وتاريخه

الثاني: إعادة قراءة السيرة النبوية في سياقها التاريخي والاجتماعي والسياسي

الثالث: مراجعة الأدوار المشخصة الحية للنساء في المجال العام، ونقض الخليفة عمر بن الخطاب، ومن بعده الفقهاء، لهذه الأدوار.

فهي ترى أن النبي لم يكن معادياً للنساء، وأن السلطة الذكورية التي كان ابن الخطاب أهم رموزها هي التي جارت على النساء، من خلال تحكم الفقهاء بفهم النصوص الدينية وإنزالها على ما يتوافق مع طبيعة المجتمع الذكوري البطريرقي.

ترى فاطمة المرنيسي أن حياة النبي محمد قائمة على الحب وأن القرآن الكريم يقدم رؤية للإنسان والعالم حافلة بالحب أيضاً، وتعرض لحياة النبي محمد في تفاصيلها وتظهر العظمة النبوية في التعامل مع المرأة. ولكنها ترى أن عمر بن الخطاب هو الذي غير مسار “النسوية المحمدية” فأبدى قسوة على النساء حين أصبح خليفة (خارج السرب: ص 44). ثم تتخذ فاطمة المرنيسي منهجاً تأوليلياً ينطلق من الفهم الشامل للنص والسياق والواقع المعاصر، والابتعاد عن التفسيرات التقليدية التي كانت وليدة مجتمعها وخاضعة لظروف خاصة بمن ينظر في النصوص الدينية.

فاطمة المرنيسي مؤمنة نسوية، تريد التدليل على أن الإسلام ينتصر للمرأة، غير أن فهم الفقهاء والعلماء الذكوريين للنص ظلم المرأة وهضم حقها، فلا بد في رأيها من إعادة النظر في النصوص من جديد لتأكيد هذه النظرية، ولتحقيق حرية المرأة وحقها في تفسير النصوص.

كيف يمكن فهم النصوص الدينية المتعلقة بالمرأة، والتي قد يبدو في ظاهرها أنها تجعلها ثانوية في حياة الرجل وذرائعية لحياته، أي أن المرأة هناك لخدمة الرجل وإشباع شهواته؟

كيف يمكن فهم النصوص القرآنية التي تتحدث عن الحور العين و “الإحالة الشهوية إلى عذراوات بيضاوات ذوات عيون واسعة سوداء وبيضاء” الخ

هل المرأة عند فقهاء المسلمين التقليديين حقاً “كائن مأساوي” كما يقول المودودي، “لا تسمح لو وظائفه الفزيولوجية بالقيام بأي عمل غير إرضاع الطفل” ؟

هل يمكن أن نأخذ حديث “الضلع” على ظاهره، وأن المرأة خلقت من ضلع آدم، وأن هذا الضلع أعوج؟ وكيف يمكن أن نفهم أنه ما من فتنة أشد على الرجال من النساء؟

كيف يمكن ضرب المرأة، وهل حواء هي فعلاً العامل الأول في خطيئة الرجل؟

إن التعامل مع النسوية الإسلامية التأويلية أمر في غاية الأهمية، وذلك لتجاوز الفهم التقليدي “الذري” الذي أصبح عند البعض هو الإسلام، فصار المرجع ليس النص وإنما أقوال الفقهاء الأوائل، ولتجنب التسرع في رفض الدين جملة وتفصيلاً أو تبني نسوية علمانية راديكالية تسخر من الدين وأتباعه.

سأكتب أيضاً عن أمينة داود، وأسماء برلاس، ورفعت حسن. شخصيات مهمة ولا بد  أن نعرفهن ونناقش آرائهن، وأتمنى أنا أيضاً أن أتعرف على من يتبنى هذه المدرسة في العالم العربي ويكتب بالعربية حول هذه النظرية.

8 أفكار على ”الأغلبية يمكن أن تخطئ

  1. جميل … هذا الكتاب على القائمة أيضا … عليك أن تقرأ للدكتورة هبة رؤوف عزت أيضا في هذا المجال خاصّة كتابها المشترك مع نوال السعداوي

    1. شكراً أحمد، أنا أتابع مقالات الدكتورة هبة، وإن شاء الله سأقرأ كتابها مع السعدواي قريباً
      أشكرك للمتابعة والتشجيع صديقي

  2. أكثر من رائع والله ، بصراحة انا ما بحب هادا النوع من الكتب بس عنجد شجعتني كتير اني اقرأ واتوسع في مجال القراءة بالتحديد في هذه المواضيع….

  3. يا الله شو في رجال بالعالم العربي بحاجة لقراءة هاي الكتب مشان يفهموا الموضوع بمنطقية وموضوعية بعيداً عن الأفكار اللي ربيوا عليها ومو قادرين يقتنعوا بغيرها زي كإنه نازل فيها نص واضح وصريح بالقرآن (سبحان الله).. لازم يفهموا إن الدين الإسلامي عن جد نصر المرأة وما انتقص من حقوقها..

    الله يهدينا جميعاً.. يسلموا زيدان..

  4. شكرا هبة، وشكرا وديان، مع أن التحدي يكمن الآن في التأكيد على أن القرآن والسنة بالفعل ينتصران للمرأة، أو على الأقل لا ينظران للمرأة على أنها مخلوق تكميلي من الدرجة الثانية. التحدي هو أن هنالك العديد من النصوص الدينية التي تحتاج إلى الجرأة في التعامل معها كقضية شهادة المرأة وحقوقها في الميراث مثلاً، وأنها لا تصلح لتولي أمور عامة في الدولة، أو أن النساء هنّ أكثر أهل النار، وأن عليها أن تطيع زوجها في كل حال، وإن لم تفعل غضب عليها الله ولعنها أو باتت الملائكة تلعنها حتى الفجر، إلى آخر هذه الأمور والإشكاليات التي تثير حساسية خاصة في أيامناً هذه لدينا نحن المسلمين.

    1. معك حق الصراحة الموضوع مش سهل ومتفرع في كل أمور الحياة ومو أي حدا بيقدر انه يجادل فيه ويشرحه بالصورة الصحيحة، لازم يكون حدا من رجال الدين الواعيين والقارئين لديننا الحنيف بعمق واستفاضة،، ولا يكفي شيخ واحد وإنما مجموعة من رجال الدين لا يقل عن 5 أو 6 مشايخ.. الله ينور بصيرة المسلمين بنور الحق..

  5. سبحان الله مع إنه في كتيييير رجال واعيين وعلى مستوى عالي من الثقافة بس….لما يتم ذكر المرأة في أحد المجالس بيحاول قدر الإمكان انه يحط من شأنها ويطمسها تماما ، لأ والغريبة انه أول ما ببلش بمرته …..احتمال لأنه المرأة صارت تنافس الرجل في شتى مجالات الحياة فهو بدوره بيعمل على تنكيسها حتى ما ترتقي على حسابه هو ومن شابهه من الرجال. طبعا انا بحكي عن هدول القلة القليلة.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s