ركوة عرب

كاد يوم أمس أن يكون رائعاً إلى نهايته لو أنني تمالكت نفسي ولم أضربه.

التقيت بعدد من الأصدقاء ليلة البارحة، وصفي، أبازيد، تيسير ، أسامة ، ليث ، وكنت أود أن نجلس في “قهوة” الأوبرج على المطل، لولا أن المكان لم يرق للجميع، فقررنا الذهاب إلى “مقهى” بيت بلدنا أو ركوة عرب، وانتهى بنا المطاف في ركوة عرب. ركوة عرب مكان لطيف، تراثي، ثقافي، ولكنه في الصيف يكون حاراً، كما أنني ما زلت أعتقد أنني أميل إلى المقاهي الأكثر شعبية في عمان، مثل الأوبرج ومقاهي شارع الأمير محمد، والشريف في جبل الحسين.

لم أجتمع مع أبازيد منذ فترة طويلة، ربما لأنه ليس في الجامعة الأردنية، ولكن حتى غاوجي، كانت هذه هي المرة الأولى التي نجلس بها معاً في مكان عام وفي وسط البلد أو اللويبدة كركوة عرب، وكانت هي المرة الأولى التي يلتقي بها أسامة مع وصفي فعلياً، لا على الفيسبوك. الجوع منعني من الأرجيلة، فأنا أخاف من التدخين على جوع، مع أن المفروض أنني اتخذت قراراً بعدم الرجوع إلى الأرجيلة أصلاً. شربت فنجان قهوة سادة، وكانت القهوة تمام التمام.

لا تستطيع أن تجلس مع الشباب من دون أن ندخل في نقاش طويل، وغالباً ما يكون في هذه الأيام حول جدلية الدين والسياسة، والتاريخ الإسلامي السياسي.  كلما دخلنا في النقاش انتهينا منه ونحن نشعر أننا توصلنا إلى نتيجة, ثم نستيقظ في اليوم التالي لنجد أننا لا بد أن نبدأ من فهم القضية من جديد وأن نعيد الكرة ونناقشها تارة أخرى. ما زلت أقرأ في كتاب (المحنة) لفهمي جدعان، ولم أصل بعد إلى الفصل الأخير والأكثر أهمية عن جدلية الدين والسياسة. إلا أن قراءتي لقضية المحنة في خلق القرآن في زمن المأمون والمعتصم والواثق في العصر العباسي بين العام 218 و 232 تقريباً، قضية مثيرة للعجب، وأثارت أسئلة كثيرة أخرى في ذهني عن علاقة الدين بالسياسة، وهل يمكن أن ينتهي بنا المطاف في عالمنا العربي بتخلي الإسلاميين عن فكرة الدولة الإسلامية (التي صار اسمها هذه الأيام الدولة المدنية!)  أو هل يا ترى سنشهد ثورة ثقافية فقهية حقيقية لضمان فهم واضح ومحدد للفقه السياسي الإسلامي.

ما أثار عجبي اليوم وأنا أقرأ ليس المأمون الذي بدأ في اختبار العلماء في قضية خلق القرآن، ولا قضية أحمد بن حنبل، الذي يقول جدعان أن قضيته تم تضخيمها من قبل “وسائل الإعلام” الحنبلية، على حد تعبيره، ما أذهلني هو أن الخليفة المتوكل، الذي يصفه الحنابلة بأنه ناصر السنة، والذي أخمد فتنة خلق القرآن إلى غير رجعة، هو الخليفة الذي بدا في نظري أكثر تعصباً وغرابة وذلك لعدة تصرفات قررها في ذلك الحين:

قام المتوكل بإجراءات شديدة قاسية في حق أهل الذمة سنة 235، إذ أجبرهم على لبس نوع معين من الثياب مخالفة في النوع واللون عن لباس المسلمين، وحتى خدمهم أرغموا على لبس نوع مميز من الثياب كذلك. وحتى نساء أهل الذمة أجبرن على لبس ثياب عسلية اللون. وأمر بهدم دور العبادة الجديدة لهم، وأخذ العشر (ضريبة) من منازلهم، وإن كان البيت واسعاً صار مسجداً، وإن كان لا يصلح مسجداً صار للاستخدام العام. وأمر أن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من الخشب تفريقا بين منازلهم ومنازل المسلمين. كما أمر المتوكل أن لا يستعان بأهل الذمة في الدواوين وأعمال الخلافة، كما نهى أن يتعلم أولادهم مع أولاد المسلمين وأن لا يعلمهم مسلم.

هذا ما ورد في تاريخ الطبري عن الإجراءات التي اتخذها المتوكل في حق أهل الذمة.

والأمر الآخر أن كاد أن يفتك بأهل دمشق حينما ندب لولايتها أحد المماليك الأتراك واسمه أفريدون وأباح له المتوكل القتل في دمشق ونهبها، والأمر الأخير والفظيع كذلك هو أنه أمر بهدم قبر الحسين بن علي وهدم ما حوله من الدور ومنع الناس من زيارة المكان.

كل هذه الحوداث التاريخية تثير في نفسي قلقاً و “تشوشر” عليّ فيما يتعلق بأمر الدين والسياسة. فبالرغم من أنها حوداث متطرفة في طبيعتها، إلا أنها إن ارتبطت بفهم معين للدين من خلال نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، خاصة فيما يتعلق بأهل الكتاب، ستجعل الأمر يبدو للناظر أكثر تعقيداً. فالمتوكل لم يتصرف من بنات أفكاره، بل إن ما أقدم عليه يرتبط بصورة أو بأخرى بوجهة نظر في الشريعة، قد تكون مرفوضة على الأغلب من قبل بعض الفقهاء في عصرنا، غير أنها أمور لا بد من أن نعيد البحث فيها والنقاش حولها.

الشوشرة المقصودة هنا هي أنه لا بد لنا أن نفتح هذه الملفات ونتوصل إلى حل لها، لأن التعامل معها بالتعامي والتجاهل لن يساعد في تعزيز هويتنا العربية الإسلامية، بل سيجعل منا أفراداً نخجل من بعض التفاصيل التاريخية التي أصبحت عند الكثير بداهات لا يمكن الرجوع عنها.

إن قراءة التاريخ أمر في غاية الأهمية الآن، لأننا في حاجة إلى إعادة التواصل الحقيقي الجريء مع التراث، وأن لا نجعل قراءة التاريخ حكراً على السلطة، السياسية والدينية. يجب أن نتوجه نحن الشباب إلى قراءة التاريخ والتفكير به والحديث عنه، وهذا ما أراه من أهم المقدمات للبناء الحضاري، وهي فكرة تكلم عنها الكثير من مفكري النهضة في عصرنا، خاصة جاسم سلطان على سبيل المثال. لأن قراءة التاريخ بهذا النفس يساعدنا على استدراك الجمود المتراكم في التعاطي مع التراث، ويؤهلنا كما أشرت سابقاً لامتلاك هوية أكثر صلابة وانفتاحاً في آن معاً.

إن “قلقلة البداهات” هي الممارسة التي يجب تعميمها بيننا في المرحلة الحالية، لأن هذا هو الضمان لانقداح الأفكار الجديدة في الأذهان، وهو الضمان كذلك لتفادي الوقوع في مصيدة اليأس والإحباط فيما يتعلق بارتباط الدين بالدنيا.

3 أفكار على ”ركوة عرب

  1. سيعتقد من يقرأ العنوان أنّ الأمس هو المضروب !
    لا عجب يا صديقي على من اعتبر مثل صدام حسين سيف أهل السنة أن يقول أيّ شيء بعدها …
    كانت فترة تستحقّ الدراسة بتعمّق كبير لدولة بدأت تلمح عناصر التفكّك فتحاول استخدام الدين والعصبيّات الضيّقة لتوحيد المجتمع في فرقته , تشبه كثيرا وسائل الدول الحديثة , رغم أنني أعتقد حقّا أن أولئك الخلفاء كانوا يحملون أفهامهم الخاصة هذه للعقيدة , على الأقلّ في حالة عبد الله المأمون .
    أمّا المعتصم و الواثق و المتوكّل فبدءا منهم بدأ تفسّخ الدولة يتبدّى على سطح دجلة .
    تحياتي

    1. أخي أحمد،
      الأمس هو المضروب بشكل من الأشكال، لأنّ ما فعلته ساءني في يومي ذاك وليلتي.
      المأمون إنسان عظيم حقاً وهو ملك داهية بحق. إن قراءة فترة المحنة بهذه الإضاءة الجديدة تزيل في الواقع الكثير من الوهم والظلم اللذين يلحقان بالمعتزلة في كل وقت وحين. المعتزلة لم يكونوا رجال الدولة في عهد المأمون بل كان الكثير منهم ممن رفض نظام الحكم السائد ومن علماء المعتزلة من رفض الصلاة وراء المأمون.
      ما حصل في أمر المحنة هو أن أهل الحديث كان لهم نفوذ على الناس وتأثير واسع على العامة، وهذا ما حسبة المأمون خطراً على ملكه، فذهب في حرب الروم لتعزيز صورته الإعلامية بين العامة، ثم أمر وهو يحارب الروم أن يمتحن الفقهاء والقضاة في أمر خلق القرآن للحفاظ على الدين كما يرى.
      لا بد من قراءة هذه الفترة التاريخية مرة تلو الأخرى، شيء مثير للاهتمام والله.
      شكرا أحمد

  2. في المقابل، أقرأ كتاب الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إلى نصارى نجران، فأجد العجب:
    ” لإن لنجران وحاشيتها وسائر من ينتحل النصرانية في أقطار الأرض جوار الله وذمة محمد رسول الله، على أموالهم وأنفسهم وملتهم وبيعهم، وكل ما تحت أيديهم.. أن أحمي جانبهم وأذب عنهم وعن كنائسهم وبيعهم وبيوت صلواتهم، ومواضه الرهبان ومواطن السياح وأن أحرس دينهم وملتهم أينما كانوا بما أحفظ به نفسي وخاصتي وأهل الإسلام من ملتي، لأني أعطيتهم عهد الله على أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، وعلى المسلمين ما عليهم، حتى يكونوا للمسلمين شركاء فيما لهم وفيما عليهم..” وكان هذا في السنة العاشرة للهجرة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s