قلقلة البداهات

لم أكن أعرف حين اشتريت كتاباً ب 35 قرشاً أثناء مهرجان القراءة في وقت مبكر من هذا العام أن هذا الكتاب سيكون من أهم الكتاب التي اقتنيها في مكتبتي. كانت هي المرة الأولى التي أقرأ فيها للدكتور فهمي جدعان كتاباً بأكمله، وعنوان هذا الكتاب: نظرية التراث ودراسات عربية وإسلامية أخرى. وهو كتاب ممتاز يقع في ثلاثة أقسام
1) دراسات معاصرة: ويتناول في هذا القسم قضية التراث ونظريته في ثلاث مقالات، وفي هذا القسم مقالة متميزة عن نظريات الدولة في الفكرة العربي الإسلامي المعاصر
2) دراسات حديثة: وفيه مقالتان، الأولى عن فكرة التقدم عن المفكرين العرب في القرن التاسع عشر، وأخرى عن ابن خلدون في الفكر العربي الحديث
3) دراسات كلاسيكية: ويتحدث فيه عن الحب عند العرب وهوميروس عند العرب والفارابي  وتجربة العلم والفعل

بعدها اجتمعت مع صديقي أحمد أبازيد، وهو قارئ لا أعرف مثله في كمية الكتب التي يأتي عليها كل شهر، وحدثني عن بعض كتب الدكتور جدعان، وعزمت على شرائها، خاصة أنني أعاني من أزمة من الناحية النظرية فيما يتعلق بعلاقة الديني بالسياسي في الإسلام في عصرنا الحديث، خاصة في خضم ما تمر به الدول العربية حالياً.

لا أدعي أنني قد وصلت إلى إجابات شافية حتى اللحظة، ولكني أعرف أن هذه الفترة هي الأغنى والأفضل في حياتي، بغض النظر عن حجم الإحباطات التي أمر فيها، ومثلي كثير، من النظام الكئيب في جامعاتنا، ومكتباتنا التي تحتاج إلى تجديد حقيقي على كافة المستويات، وأهمها توفير مساحات جديدة للدراسة والجلوس، بدلاً من الاكتظاظ المقيت الذي نشهده فيها، حيث يضطر الطالب إلى أن يحجز مقعده طوال النهار لأنه إن لم يفعل “بتروح عليه” و “بصفي بالشارع” على باب المكتبة أو في السكوير.

اشتريت كتاب (المحنة) لفهمي جدعان من مكتبة الكيالي، وباشرت القراءة به، وفي المقدمة وجدت أن الكاتب نفسه كان يمر في إحدى فترات حياته بهذا الأرق الفكري، والذي أسماه مبدعاً “قلقلة البداهات”. هذا ما يجب علينا أن نشعر به ونعيشه في كل يوم، أن نعمد إلى بداهاتنا التي زرعها غيرنا لنا في عقولنا ونهزها ونعريها، لنتأكد من صحتها أو خطأها.

يستحيل أن تكون الطريق نحو الحق والحقيقة بهذه السهولة، أن تولد على شيء ويكون نصيبك منه كاملاً. إن لم نكن نحن الذين نعبّد الطريق نحو الحقيقة، فلنركب على الأقل سيارة من صنعنا، أو دراجة تعبنا للحصول عليها لإدراك غاية بعينها. لا بد أن أتعب قليلاً حتى أنفض التراب عن نفسي وأعرفها. لا بد أن أتعب قليلاً حتى أكونَها كاملة كما منحتها لي يد الله

اليوم، هو الخامس عشر من أيار، بعد أن انقضت 63 عاماً على النكبة الفلسطينية. أرى اليوم وأنا أكتب صورة جدي وجدتي وهم يحملون والدي ابن السنتين ليهاجروا مؤقتا إلى عمّان. كان جدي يعمل ويرفض أن يتلقى أجراً إلا أن يكون طعاماً وشراباً لأبنائه الصغار، مؤكداً على أنه عائد بعد شهر أو شهرين. اليوم، انقضت 63 عاماً وأنا ما زلت أنتظر أن تتحق كلمة جدي، وأظنها حاصلة، فهؤلاء المهاجرون لا يعرفون إلا الله ورائحة التراب الفلسطيني، لا لأنها فلسطين، ولكن لأنها الوطن الذي لم يروا عنه بديلاً.

يلزمني أن أحافظ على “القلقلة” انفعالاً وتأثيراً، ويلزمني أن أدرس كثيراً أيضاً لأتمكن من إتمام متطلبات درجة الماجستير في الفترة القادمة. يسعدني أن يكون المشرف على رسالتي الدكتور محمد عصفور، التلميذ المقرب لجبرا ابراهيم جبرا، مع أن العمل معه صعب للغاية، إلا أنني أستفيد كثيراً من الوقت “القليل” الذي أمضيه معه، وأتمنى أن أسير على سيرته مع أستاذه، وأصبح بعد حين المشرف الذي كان تلميذا لدى محمد عصفور.

فكرة واحدة على ”قلقلة البداهات

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s