في بيتنا أمريكي

عرض الشرائح هذا يتطلب تفعيل جافاسكربت.

لا أدري إن كان يجب أن أقدم الظرف على المبتدأ أو المبتدأ على الظرف، غير أن القضية برمتها مهمةٌ، سواء فيما يتعلق ببيتنا أم بالأمريكي.

في السنة الماضية استضفنا في شقتنا شاباً أمريكياً يدرس الشرق الأوسط والعلوم السياسية، ويتعلم اللغة العربية، وتحدد له جامعته فصلاً دراسياً كاملاً ليقضيه في أحد البلدان في الشرق الأوسط.الشاب الأول اسمه رايان ألين، وهو شاب مسيحي محافظ، أمضى في الشقة التي أقطن فيها مع أخي فصلاً كاملاً، وكانت تجربة جميلة، تخللها بعض المنغصات، إلا أنها كانت بالإجمال بداية للتعامل مع هذه المؤسسة التي تنظم الأمور بين الجامعة وبين البيوت التي تستقبل الطلبة.

كان هذا الشاب رايان قد وصل مع بداية شهر رمضان الكريم، وكانت أول ليلة أمضيها معه هو ليلة رمضانية بامتياز، وامتد بنا الليل حتى تناول سحوري ونمت لأصحو للفجر (ولا أذكر إن كنت قد استيقظت فجرها) وكان معظم النقاش حول الدين والسياسة، واتضحت له الأمور من البداية أنني أردني من أصول فلسطينية، وأنني أؤمن أن فلسطين قد تعرضت لتطهير عرقي من قبل اليهود.

مضت الأيام، إلا أنه تبين لي من الشخصية الأمريكية بعض الأمور. فالأنانية والحرص أمران غلبا على هذا الشاب، كما أنه لم يكن يحافظ على النظافة بشكل كبير، فكان فوضوياً لا يساعد في أعمال البيت أو جلي الصحون وما إلى ذلك. ليست هذه مهتمه أصلاً، ولكن لأننا في شقة فيها شباب فقط، كان واضحاً أن التعاون ضروري لتسير الأمور بالشكل الصحيح. سارت الأمور على طبيعتها، إلا أن نزلنا معه مرة إلى المغطس، موقع التعميد الذي يعتقد المسيحيون أن النبي عيسى عليه السلام قد عمّد فيه. نزلت معه ومع وصفي وأبو صبح، وكان الجو حاراً، وكان الزوار من المسيحيين الأجانب يدخنون ويضحكون بأعلى صوتهم، وكانت تلك هي المرة الأولى التي أزور بها ذاك المكان، وظننت أنا وأصدقائي أنه من الطبيعي أن نتكلم ونضحك وندخن، وذلك ما فعلناه. إلا أن هذا ساء الأمريكي وأثر به، إذ رأى أننا أهنا المكان ولم نحترم قدسيته، وكان ذلك بداية التوتر بيني وبينه، لأنه لم يتعامل مع الأمر بشكل صحيح خاصة أنّ الزوار من المسيحيين هم من كانوا يقومون بهذه التصرفات، حتى في موقع التعميد نفسه.

مرت الأيام والأسابيع، وانتهت مدة إقامة هذا الشاب، وودعناه وذهب إلى أهله.

بعد عدة أشهر، استقبلنا شاباً جديداً اسمه بول بالمر. قبل أن يصل إلى عمّان كان قد أرسل إلينا رسالة بالعربية يقول فيها إنه سيتشرف بزيارتنا ويأمل أن يجد بيننا مكاناً له كطالب أمريكي ليتعلم العربية، وأرفق صورة له ولأسرته المكونة من أربعة أفراد.
قد لا أستطيع أن أتحدث عن التجربة بأكملها مع هذا الإنسان، كان يجب أن أكتب كل يوم بتفصيله معه، وأن أوثق النقاشات الرائعة والجلسات المميزة التي كنا نجلسها معاً. شاب في غاية الأدب، تشعر أنه تلقى تربية رائعة وهادئة ومتزنة. قارئ من الطراز الرفيع، وله نفس جميل في الكتابة كذلك. رياضي مثابر، كان يخرج كل يوم للركض، يركض من بيتنا إلى المدينة الرياضية، ويركض هناك ساعة من الزمن ويرجع راكضاً.

كانت رأيه في السياسة واضحاً، هو ديمقراطي ليبرالي، لا يؤمن بدين بعينه، لذلك لم نخض في موضوع الدين قط. كانت الفترة التي أتى فيها فترة مهمة، إذ وصل مع تأزم الوضع في تونس، وشهد خلع زين العابدين، وشهد خلع مبارك، وما زال شاهداً على الثورات العربية المتتالية، والمظاهرات التي تنادي بالإصلاح هنا في الأردن، فكانت فترة فيها العديد من الأمور لنتحدث حولها ونتجادل.

كان بحثه حول العمل الطلابي في الجامعة الأردنية في ظل الثورات العربية. كانت النتائج التي توصل إليها غريبة بعض الشيء، خاصة ما كان من شأن استبيان تم توزيعه على ثمانين طالباً من كلية العلوم السياسية، لم يعرف منهم اسم رئيس اتحاد الطلبة واتجاهه سوى أربعة أو خمسة طلاب. لم يكن شيئاً مفاجئاً لي بعدما رأيت كيف يتعامل رئيس الاتحاد الحالي مع الطلبة حول المواضيع الأساسية، وكيف أن الاتجاه الإسلامي في الأردن بات يبتعد عن القواعد الشعبية بين فئة عامة الشباب خصوصاً.

ساعدني بول في التعرف على مجموعة رائعة من الشباب في المجموعة، منهم بين وإين وديف وبيف وتيم وسامنثا وسارة، وسارة دروبيك، وآن هوبسون، وغيرهم كثير. كانت علاقتي مع إين سميث وبين كولاكوفسكي، وبيف باركر علاقة متميزة، اذ تكررت زياراتهم كل اسبوع على الشقة، وكنا نمضي أوقاتا رائعة معاً. ولكني وجدت بينهم أمراً عجيباً، حيث كان التكافل بينهم ظاهراً، ووجدت بينهم مستوى من الخطاب لم أجده بين أحد من مجموعات الطلبة الذين أعرفهم في الجامعة الأردنية مثلاً، إلا في دائرتين أو ثلاثة من دوائر الشباب المثقفين. حيث كان طبيعياً أثناء حديثهم مع بعضهم أن يكون هنالك إحالة إلى رواية أو كتاب أو قصيدة، أو فيلم أو مسلسل ما. فكان المستوى الثقافي بينهم متطوراً إلى حد أبهرني وأثار غيرتي.

هذا الصديق هو حالياً يجوب أرض العرب، فيزور بيروت والقدس والقاهرة، ثم سيعود إلى عمان ليلة واحدة ليغادر إلى أهله.  سأشتاق له كثيراً، فقد ترك صورة لا تمحي عند الجميع، وكانت الأيام التي قضيناها سوية ذات طعم خاص، فقد كان بالفعل فرداً من العائلة بامتياز، وصديقاً مخلصاً بحق

.

فكرة واحدة على ”في بيتنا أمريكي

  1. سلام عليكم …
    اولا اسمحلي اخوي محمداهنيك على هادا الحس في الكتابة ، يعني وانا بقرأ كنت متشوقة اعرف شو اللي بعد هيك ،، تسلسلك الرهيب في جميع المقالات اللي كتبتها مو طبيعي ، بس في شي ئك لاحظته، ذكائك في سرد بعض او خلينا نحكي بعيضات من تفاصيل حياتك داخل هادي المقالات … بس جد شي جميل وتستحق القراءة. يعطيك العافية

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s