1984

ستالين، الذي ربما كان هو المقصود بالأخ الأكبر. أما جولدشتاين، فربما كان إشارة إلى تروتسكي، المثقف المنشق

قلت لأصدقائي في نادي الكتاب، “خير جليس“، لا بد أن نكتب، ونملأ الحيطان على الفيس والتويتر بما هو جميل وبما هو عربي. حاولت البارحة أن أكتب عن الرواية التي ناقشناها، فلم أستطع كتابة سطرين كاملين. ثم حفظت المسودة هنا، ثم بدأت من جديد اليوم، مصراً على أن أكتب ما شاء لي أن أكتب.

رواية 1984، لم أعرف أن كاتبها يدعى إريك آرثر بلير إلا قبل أشهر معدودة، وهو الكاتب الإنجليزي الذي ولد  عام 1905 وتوفي عام 1950، والذي ألف، ضمن أعمال أخرى، اثنتين من أهم الروايات الإنجليزية التي كتبت في القرن العشرين.

أربكتني الرواية أثناء قراءتها، دخلت مع وينستون سميث في متاهة نفسية يصعب الخروج منها، حتى كأني شعرت أن اعتقاله وتعذيبه في النهاية، ورجوعه إلى “رشده”  وحالة “عدم التفكير” بل والرجوع إلى حب الأخ الأكبر كما لم يسبق له أن أحبّه، نهاية منطقية لهذه الحياة التي رسمها لنا أورويل، بما يجلي بشكل صارخ القابلية للاستعباد والقابلية للاستبداد بين المحكومين والحكام، بل ويصل الأمر في إلى أن نتخيل مع أورويل عالماً مخيفاً تحول فيه الناس بفعل التطور الاجتماعي الجبري إلى حيوانات تعمل على التحفيز وردة الفعل، ولا يمكن لأحد أن يخرج عن الحكومة الإله في هذه الدولة.

ما أربكني في هذه الرواية أنني شعرت داخلياً بتحولات وينستون سميث النفسية، والشعورية. فحين كان يبحث في التاريخ، رحت أنا أبحث في تاريخي محاولاً أن أرى إن كنت أعرف تاريخي حقاً أو لا. ورجعت بنفسي سنوات إلى الوراء، حين كنت في الثانوية العامة ربما، حين شعرت بعجزٍ في معرفة التاريخ، وأنني لا أكترث للتواريخ والأيام مطلقاً، وكنت أظن أن هذه إحدى مثالبي الشخصية، إلا أني وأنا أقرأ الرواية شعرت  أننا فعلاً هنا في هذه الجزء من العالم، لا نذكر إلا ما يراد لنا أن نذكره من تواريخ، وليس هنالك في العادة ثمة تواريخ شخصية يهتم بها الإنسان ويتابعها، لأن تعدد التواريخ يعني أحياناً تعدد الاهتمامات، وتعدد الاهتمامات يعني تعدد وجهات النظر، وكل هذا هرطقة لا بد من إنهائها في الأنظمة الشمولية، والنظام الشمولي باتب عبارة فضفاضة، تشمل أنظمة الحكم السياسية حتى أنظمة التربية الأسرية. وبالفعل، كانت فكرة التحكم بالتاريخ في رواية 1984، من الجوانب التي، وإن كانت مستبعدة بالصورة التي طرحها أورويل، إلا أنها ليست عنا ببعيد.

اللغة الجديدة في عالم 1984 كانت أمراً محيراً للغاية. كان أورويل من أكثر الكتاب والنقاد جرأة وحساسية لموضوع اللغة. فهو يشجع على الكتابة بأسلوب واضح بعيد عن المجازات والاستعارات المستهلكة في الصحافة، لأنها عادة ما تكون وسيلة للتحكم السياسي. ومن ضمن نصائحه للكتابة أيضاً الابتعاد عن الكلمات الطويلة المقعرة إن كان هنالك كلمة أبسط تقوم مقامها، والحرص على الاختصار ما أمكن، والابتعاد عن استخدام صيغة المبني للمجهول إن لم يكن لها حاجة، وعدم استخدام الكلمات الأجنبية أو التي لا يعرفها إلا مجموعات المختصين، والقاعدة الأخيرة هو خرق أي قاعدة من هذه القواعد التي سبق ذكرها إن كان سيترتب عليها أي تلاعب أو تحكم بعقول الناس.

هذه الرواية تحتاج القراءة بين فترة والأخرى. فهي تساعد على أن يحدد الإنسان  موقفه من جميع السلطات التي تحيط به، من سلطة الأسرة إلى سلطة الدين، وسلطة السياسة وسلطة الحاكم، وأن يشعر بأنه مدرك للحريات التي يتمتع بها والحريات التي يفتقدها. إن هذه الحساسية التي نولدها في أنفسنا هي ما يريده أورويل من كتابته للرواية: نحن جميعنا عرضة للتحكم والبلطجة السياسية، دير بالك وفتح عينيك وأذنيك، فبدلاً من أن يكون الأخ الكبير هو الذي يفرض وصايته عليك، وهو الذي يراقبك في كل تحركاتك، كن أنت الذي تبدأ بهذا العمل، لأنك إن لم تفعل ذلك فلا بد سيتم السيطرة عليك وعلى حياتك ولغتك وعقلك.

لن يسمح لك بالتفكير، مع أنه ما من قانون يمنع ذلك، فلا يوجد قانون أصلاً، لن تكون قادراً على تجاوز العمليات الميكانيكية التي اعتدت عليها. كل أمر سوى ذلك جريمة.

أما الكتابة، كما يريد أن ينقل لنا أورويل في روايته، هي فعل مقاومة وثورة. لذلك بدأت الرواية بمشهد وينستون وهو يحاول أن يبدأ بكتابة تاريخه، مع أنه يعلم أنه ميت لا محالة إن اكتشف أمره.

الحب في رواية 1984، علاقة وينستون سميث مع جوليا، من الجوانب التي قد لا نعيرها اهتماماً كافياً أثناء قراءة الرواية، ذلك لأن الضغط النفسي الذي نشهده فيها يمنعنا من ملاحظة قضية نالت قسطاً وافراً من الاهتمام في الرواية، في علاقة اثنين يرغبان في الخروج على الحزب الأوحد في الدولة. كانت ممارسة الجنس مع جولياً فعلاً سياسياً، فعلاً يحطم أركان الدولة الشمولية الظالمة. كان يرى سميث في علاقته مع جوليا بداية طريق نحو النهاية، ولكنه كان يستمتع بكل لحظة يعيشها معها، لأنها إنسانية حرة، وليست ميكانيكية ميتة.

أورويل في نهاية الرواية لا يساعدنا في الخروج من حالة التشاؤم والصدمة، فالرواية قد انتهت مظلمة صارخة كما بدأت، سميث وجوليا، بعد أن ارتكبا جريمة التفكير، يعودان إلى رشدهما الذي كتب لهما، بل وعادا إلى حب الأخ الأكبر. عادا إلى الحظيرة.

فكرة واحدة على ”1984

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s