انكتاب

لم يكن هنالك من فترة أفضل من هذه الفترة لمناقشة موضوع الهوية. الأوضاع في الوطن العربي تستدعي هوية أكبر من التي اعتدنا على الشعور بها أو الارتياح إليها، وفي المقابل، هنالك العديد من الجهات التي تمنعك من التفكير بالهوية على هواك، بل لا بد أن “يفصلوا” لك الهوية وأنت “تلبسها” أو “تتلبسها” حتى لو لم تكن من مقاسك.

طرح كتاب الهويات القاتلة للنقاش في نادي القراءة “انكتاب“، وكنت أنا قد قرأت الكتاب قبل سنة تقريباً بالتحديد، وناقشناه كذلك حينها مع مجموعة لطيفة من القراء، غير أن التوتر الذي  أحاط بالنقاش هذه المرة، كان أكبر، وهذا أمر له تفسيره بناء على السياق التاريخي الذي نعيشه في الوطن العربي حالياً، حيث باتت أسهل الأمور (وأصعبها في آن معاً) هو أن تنزل إلى الشارع للتظاهر والاعتصام، أو التفاعل مع الثورات التي تحدث من حولك في هذا الوطن الكبير.

أول ملاحظة خرجت بها قبل بدء النقاش، هو أن أفضل من كتب وألف عن الهوية هم الكتاب اللبنانيون، مثل أمين معلوف وعلي حرب وغيرهم كثير، والكتاب الفلسطينيون، مثل إدوارد سعيد، محمود درويش، جبرا، وغيرهم كثير أيضاً، بالإضافة أيضاً إلى كتّاب المهجر.

صديقي وصفي،  الذي يعد ربما من أوئل المحركين لمثل هذه الفعاليات الثقافية الكتابية في عمّان،  بدء النقاش بطريقة لطيفة، محاولاً أن يستوعب الطريقة التي يمكن مناقشة كتاب مليء بالأفكار، غير التقليدية، مع مجموعة تزيد عن شعرين شخصاً، ومن أطياف متعددة، منهم الإسلامي ومنهم اليساري، ومنهم الليبرالي، ومنهم المسيحي، ومنهم العادي كذلك، غير أننا تعلمنا من مناقشة الكتب أن الحضور عادة يفرضون محاور جديدة، لأن المحاور التي يضعها مدير الجلسة غالباً ما تكون جزءاً من انطباعاته عن الكتاب، وإن كان هو أو هي يحاول تحديد الثيمات العامة في الكتاب.

كانت قضية الانتماء قضية إشكالية، خاصة عند فتاة تتبنى الفكر الإسلامي. فهي ترى أن الهوية الإسلامية هي أفضل مظلة أنتمي إليها، لأنها ترى أن الإسلام يستوعب الآخرين ويساعد على التعامل معهم من خلال إيجاد المشترك. وفي الواقع أكاد أنا أختلف مع هذا الرأي، لأن طرحه كمسلّمة لا يصحّ، فكثير من الناس لا يرى ذلك، سواء على جانب الممارسة من العديد من الإسلاميين (ولا أقول المسلمين) أو حتى على الجانب النظري في العديد من التفسيرات السلفية للنصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية. وأجدني أميل مع معلوف حين تكلم بإنصاف كبير عن التاريخ الإسلامي، وكيف أن الدولة الإسلامية لم تحكم باسم الدين بل باسم الأمة. وهذا ما أؤمن به شخصياً، أننا لا بد أن نركز على الجوانب الثقافية في حياتنا كمسلمين، والتفكير حتى في قضية اللغة العربية وحتى الممارسات الشعائرية كجزء حي من هويتنا الثقافية، والابتعاد في هذه القضايا عن التفكير الأيديولوجي المتصلب، وإضفاء جو من الحياة والمتعة على هذه الجوانب، بدلا من التفكير فيها دائماً على أنها متعلقة بالثواب والعقاب والجنة والنار. كما أن معلوف يدافع عن الأديان جميعاً، ويحاول دفع التهمة عن الإسلام بأنه غير قابل للتحديث، وهو يعقد المقارنة التاريخية بين الإسلام والمسيحية، ويستنج من ذلك بأن الإسلام قادر على استيعاب الحداثة، ولكن المجتمع الإسلامي لم يبد استعدادا كاملاً لهذا حتى اللحظة.

الهوية تتكون من العديد من الانتماءات، أسماها معلوف جينات الروح، وإن ما يحدد انتماء الشخص إلى هوية متميزة بعينها هو أمر حاصل بتأثير الغير، أي تأثير الأقربين- الأهل، المواطنين، أو الأخوة في الدين، الذين يحاولون استملاكه، وتأثير الآخرين الذين يسعون لاستبعاده. صفحة 39. ويتابع معلوف ليقول: ويجب على كل واحد منا أن يشق طريقه بين الدروب التي يُدفع إليها، والدروب التي يحظر عليه سلوكها، أو التي توضع له فيها العراقيل، عند كل خطوة يخطوها، وهو لا يكون نفسه دفعة واحدة، ولا يكتفي بأن يعي ماهيته، بل يصبح ما هو عليه، ولا يكتفي بأن يدرك هويته بل يكتسبها خطوة خطوة.

أعتقد أن مناقشة كتاب عن الهوية يرتفع بنا من مجرد الاختزال لشخصياتنا المركبة والمعقدة والغنية في هوية سطحية واحدة إلى تحصيل ملكة جديدة يمكن أن نسميها ملكة الحساسية بالهوية، أو مهارة تفكيك الهوية، وهذا يساعدنا في فهم الآخرين من وجهة نظر فردية، بدلا من الاعتماد دائماً على التنميط والتعميم، كما يساعدنا على أن ندرك شخصيتنا الفردية وإدراك ما يميزنا عن كل فرد آخر.

عندما قرأت عن أن وزارة التعليم في بلجيكا قد أقرت كتاب الهويات القاتلة ليتم تدريسه للمرحلة الثانوية والجامعية للطلاب كي يتكون لدى الطلبة في هذا السن فهم أعمق لقضية الهوية، لأن بلجيكا دولة فيها العديد من الجنسيات واللغات،، وقد تكون الهويات إن لم يحسن التعامل معها أمراً قاتلاً في بعض الأحيان.ولا شك أن الحديث عن الهوية في الأردن، وفي هذه الفترة تحديداً، أمر في غاية الأهمية.

عرض الشرائح هذا يتطلب تفعيل جافاسكربت.

فكرة واحدة على ”انكتاب

  1. يعني عن جد مو عارفة شو أحكيلك على هيك موضوع،، موضوع في غاااااااااااااااية الأهمية..

    بمرحلة من مراحل حياتي شغل هاد الموضوع تفيكري بشدة.. ولكن لم أستطيع أن أخلص إلى حقيقة مرضية بيني وبين نفسي.. الصراحة كانت النتيجة اني اتخذت هويتي عيلتي ولها كامل انتمائي.. أما الجوانب العميقة لتحديد الهوية فعلى قول إخوانا المصريين (ده كلام كبير أوي)..

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s